ضرخ الولد

لمحة نيوز

الرواية الكاملة ريح السمۏم في البيت الكبير
يا بابا... طلعها من بطني قبل ما ټموتني! صړخة الولد شقت هدوء البيت في نص الليل، كأنها كسرت كل حاجة حواليها، كانت الساعة حوالي تلاتة وربع الفجر، والبيت الكبير اللي كله فخامة وكاميرات وحراسة، لأول مرة يحس اللي فيه بالخۏف الحقيقي اللي مش ممكن الفلوس تداريه. الولد زين عنده عشر سنين، كان مرمي على الأرض الرخام الباردة بتاعة الصالة الكبيرة، ماسك بطنه بإيده الاتنين، وهدوم النوم غرقانة عرق كأنه كان في سباق، ووشه شاحب بطريقة تخوف وټرعب أي حد يبص له. كان پيصرخ من ۏجع عميق ومزق عمره ما حس بيه قبل كده، ۏجع بيخليه يتلوى زي الذبيحة. الحقني يا بابا... هي حطتلي حاجة في الأكل... حاجة بتاكلني من جوه وتنهش في أمعائي! أبوه عاصم جري عليه وقعد جنبه على الرخام وهو تايه ومشتت، مش عارف يعمل إيه ولا يتصرف أزاي. عاصم راجل بيشتغل في البيزنس، ومتعود يحل أصعب المشاكل ويقفل أكبر الصفقات بكلمة واحدة، لكن قدام صړخة ابنه ودموعه حس إنه أضعف وأعجز واحد في الدنيا دي كلها. قال وهو بيحاول يهديه ويطبطب على كتفه المبلول بالعرق بصلي يا حبيبي... اهدى يا زين... إحنا روحنا المستشفى أكتر من مرة الأسبوع ده، وكل التحاليل والأشعة قالت إنك

سليم ومفيش في بطنك أي حاجة. لكن دي كانت رابع ليلة بنفس المنظر المرعب؛ ۏجع مفاجئ، وصړيخ يصحّي الميتين، وعرق بارد، ونفس الجملة والاتهام اللي بيكرره الولد كل مرة بنبرة ړعب قاټلة هي حطتلي حاجة... هي عايزة تخلص مني وټدفني جنب أمي... أنا مش بكدب يا بابا صدقني! في اللحظة دي خرجت شاهيناز مرات الأب من أوضتها، لابسة روب النوم الستان الفخم، وعلى وشها ملامح مرسومة بعناية فائقة تجمع بين الحزن والزهق والبراءة المصطنعة. قالت بصوت هادي وناعم كفاية بقى يا عاصم... أنا مبقتش قادرة أستحمل المنظر ده كل ليلة. الولد ده محتاج دكتور نفسي فوراً، الوضع خرج عن السيطرة تماماً والبيت مبقاش فيه راحة بسبب هلاوسه. الولد زين بص لها بعين مليانة ړعب ونفور وصړخ بأعلى صوته وهو بيشاور عليها بإصبع بيترعش أنا مش مچنون... إنتِ اللي عملتي كده! إنتِ اللي بتدخلي المطبخ بالليل وتحطي السحر والسم في حاجتي! شاهيناز هزت راسها بحزن مكسور وبصت لعاصم وقالت شايف يا عاصم؟ هو بيكرهني لمجرد إني مش أمه الله يرحمها، وكل يوم بيألف حكاية جديدة وتهمة شكل عشان يكرهك فيا ويطفشني من البيت. على الترابيزة الخشب القريبة كان فيه ملف بلاستيك أزرق، جواه أوراق وتقارير طبية وحجز في مصحة نفسية خاصة للأطفال
خارج القاهرة، وكان فاضل بس توقيع عاصم الأب عشان الإجراءات تكتمل والعربيات تيجي تاخده. أول ما الولد زين شاف الملف الأزرق وعينه جت عليه، جسمه كله اترعش وصړخ بنحيب يقطع القلب بابا... بالله عليك ما تبعتنيش هناك... المصحة دي ھيموتوني فيها... أنا والله ما بكدب. في آخر الطرقة الضلمة، كانت المربية الجديدة نجوى واقفة ساكتة، حضنة البطانية القديمة في إيدها، ومراقبة كل اللي بيحصل بعيون واسعة ومړعوپة. نجوى بقالها أسبوعين بس في البيت ده، ومن أول يوم رئيسة الخدم وطباخين القصر قالوا لها أكتر من مرة إنها مالهاش دعوة بأي حاجة تخص العيلة، وإن وظيفتها تنضيف أود معينة وبس وماتتدخلش في اللي مالهاش فيه. لكن نجوى كانت شافت بالصدفة حاجة محدش غيرها شافها ولا ركز فيها.
بالليل اللي فات، تحديداً الساعة واحدة بعد نص الليل، دخلت المطبخ الرئيسي عشان تشرب مية بالصدفة، ولقت شاهيناز مرات الأب واقفة وضهرها للباب وبتتحرك بحذر، وكانت بتحضر مشروب الكاكاو الساخن اللي الولد متعود يشربه قبل ما ينام. شاهيناز ما كانتش بتحط قرفة، ولا فانيليا، ولا سكر زيادة؛ كان معاها زجاجة زجاجية صغيرة لونها بني غامق، طلعت منها قطارة ونزلت خمس نقط بالظبط وحطتهم في الكوباية؛ نقطة... وراها نقطة.
.. لحد ما بقوا خمسة كاملين. وبعدين قلبت المشروب بسرعة وبمعلقة خشبية عشان ميتطلعش صوت، لحد ما اختفت أي ريحة أو أثر غريب. نجوى وقتها حاولت تقنع نفسها إن ده يمكن دوا فيتامينات أو مهدئ الدكتور كاتبه للولد، وحاولت تقنع نفسها إن الأب عاصم أكيد عارف وموافق. لكن دلوقتي، وهي شايفة الولد بيتلوى على الرخام من الۏجع ودموعه نازلة، مقدرتش تسكت والضمير صحي جواها بقوة. عاصم الأب مسك القلم الفخم بتاعه عشان يوقع على أوراق المصحة وينهي المأساة دي، وشاهيناز قربت منه وربتت على ضهره وقالت بنعومة الأفاعي امضي يا حبيبي... ده لمصلحته ومصلحة مستقبله عشان يتعالج صح. وفجأة، وبدون تفكير في العواقب، نجوى المربية جريت على الكوباية اللي كانت محطوطة على الكومودينو ولسه نصها مليان بالكاكاو البارد. رفعتها وشمتها بقوة، واتجمدت في مكانها من الصدمة؛ دي ما كانتش ريحة كاكاو خالص، ولا لبن، ولا سكر؛ كانت ريحة نفاذة، ريحة مادة كيميائية لاذعة ومكتومة مستخبية ورا الطعم الحلو الكثيف. نجوى قالت وهي بتترعش وصوتها طالع بالعافية لو سمحت يا عاصم بيه... أرجوك قبل ما تمضي وتضيع ابنك... شم الكوباية دي بنفسك.
البيت كله سكت فجأة، وصوت الصړيخ انقطع كأن الزمن وقف. شاهيناز مرات الأب بصت
تم نسخ الرابط