حماتي شتمتني ل رشا خالد
حماتى شتمت امى قدام الناس كلها و امى فضلت ساكته خالص.
حماتي وقفت قدامها وسط الشقة الجديدة، يوم السبوع، وبصتلها من فوق لتحت وقالت قدام كل الناس العباية دي جايباها من سوق الجمعة؟
القرايب ضحكوا... وأنا حسيت إن الأرض بتبلعني من الكسوف.
استنيت أمي ترد... أو حتى تدافع عن نفسها، لكنها عملت حاجة أغرب بكتير.
فضلت ساكتة... ووشها هادي بشكل مخيف، كأن الإهانة ولا هزت فيها شعرة.
كل اللي في القاعة افتكروا إنها انكسرت.
لكن بعد دقايق قليلة، أمي وقفت، بصتلهم واحد واحد، وقالت جملة واحدة قلبت الفرح كله لمأتم...
الجملة دي خلت جوزي يصفر لونه، وخلت حماتي تقع على الأرض من الصدمة، وساعتها بس... عرفت إن أمي كانت مخبية سر، السر ده هو اللي فضحهم كلهم في لحظة واحدة.
الشقة كانت زحمة و مليانه على آخرها بقرايب طارق، والدوشة وصوت الزغاريط والكلام كان عالي لدرجة إنه يكاد يهد السقف. أمي كانت قاعدة في زاوية من الصالة، منكمشة على نفسها شوية ومكسوفة. النهاردة كانت لابس عباية قماش لونها رمادي غامق، تفصيلتها بسيطة جداً، وشكلها فعلاً مكنش فيه أي مظاهر بهرجة أو غنى.
حماتي كانت ماسكة كباية شربات، وماشية تتمايل وسط الناس، لحد ما وقفت قدام أمي بالظبط. رفعت حاجبها، وبصت لأمي بنظرة فاحصة زي كشافات
بقولك إيه يا أم العروسة.. العباية دي شرياها من أنهي سوق تلات ولا وكالة البلح؟
صوتها مكنش عالي أوي، بس كان كافي جداً إن كل اللي حواليها يسمعوه. فجأة، الصالة كلها تظهر فيها حالة من السكوت التام. أمي اتصدمت وملامحها اتجمدت. أنا قلبي اتعصر، وقمت بسرعة عشان ألحق الموقف وألطف الكلام
يا طنط، دي عباية ماما مفصلاها مخصوص عند ترزي، قماشها كتان في قطن ناعم، ومريحة جداً وخفيفة في اللبس.
يا حلاوة! كمان مفصلاها مخصوص؟ حماتي ضحكت بصوت عالي وفيها تريقة واضحة، والتجاعيد اللي حوالين عينها انكمشت، ده أنا شوفتها فكرتها من شغل الخياطين الغلابة اللي على أول الشارع عندنا، من اللي العباية منهم ب 50 جنيه!
من هنا وهناك، طلعت ضحكات مكتومة من قرايبهم. العمة ناهد أخت أبو طارق الكبيرة دخلت في الكلام وقالت جرى إيه يا أم طارق، متقوليش كدة! حمات ابنك ست مدبرة وبتوفر، مش زينا بنحب نبعزق الفلوس.
الكلام كان يبان عادي، بس نظرة السخرية والتقليل في عنيهم كانت واضحة وضوح الشمس. وشي بدأ يسخن من الكسوف، وإيديا عِملت عرق.
طارق، تعال هنا ثانية لو سمحت. ناديت عليه.
طارق كان واقف بيصب الشربات لعمّه الصغير، لما سمعني التفت، وكان على الوش علامات البلاهة ومش فاهم في إيه.
حماتي مأبدتليش أي اهتمام، وخدت خطوة كمان لقدام، لدرجة إن وشها بقى قريب جداً من وش أمي.
يا حمات ابني، أنا مش قصدي أعيب فيكي. بس النهاردة يوم إيه؟ دي دخلة بيت جديد، وفرحة العمر. تيجي بالمنظر ده؟ اللي ميعرفش يقول إننا مبهدلينك ومجوعينك، وإن ابننا اتجوز بنت ناس شحاتين!
الكلمتين الأخيرين دول قالهم بصوت واطي، بس حركة شفايفها كانت واضحة قدامي زي الرادار. وش أمي بدأ يقلب أبيض حتة واحدة، وإيديها اللي كانت حطاهم على ركبها بدأوا يترعشوا ويقفلوا جامد.
أنا مقدرتش أتحمل أكتر من كدة، ووقفت بينها وبين أمي.
طنط، حضرتك شكلك تعبانة أو الشربات أثر عليكي.
أنا تعبانة؟! حماتي زقتني جامد لورا، أنا فايقة ومصحصحة جداً! بيت ابني، اللي دافع فيه دم قلبه مقدم ألوفات، وأقساط بالشيء الفلاني وقروض، وشقاه وتعبه طول السنين، مش معمول عشان أي قرايب حافيين ييجوا يدوسوا عليه ويمشوا!
شاورت بصابعها في وش أمي بالظبط النهاردة لبسك ده قلة قيمة لابني، وقلة قيمة لعيلة طارق كلها! إنتي ناوية على إيه بالظبط وعايزة تبوظي فرحتنا ليه؟
تهمة كبيرة وتتبيلة غريبة اترموا في وش أمي. نظرات كل القرايب اللي قاعدين تحولت لسكاكين حامية بتوجّه لأمي. أنا كنت بترعش من كتر الغضب، وعايزة أرد بس حسيت إن زوري مقفول ومش
طارق أخيراً عرف يزق الناس وييجي، ومسك دراع أمه.
ياما، جرى إيه! بس خلاص، الناس والقرايب بيتفرجوا علينا.
يتفرجوا يعني إيه؟ هو أنا بقول حاجة غلط؟ صوت حماتي علي أكتر، يا طارق يا ابني، متخافش، ده بيتك وإنت سيد الراجل هنا والكلمة كلمتك! اللي مش عاجبه أو جاي ينكد عليك، اطردة برة بالجزمة!
كلماتها كانت زي المطرقة اللي بتنزل على دماغي. بصيت لطارق، مستنية رد فعله. كنت هيموت وأسمعه بيقول كلمة واحدة تدافع عن أمي.
طارق بص لأمه، وبصلي، وكان وشه مليان حيرة وضعف. فرك إيديه في بعض، وفي الآخر طلع جملة واحدة ياما.. تعالي جوة.. تعالي نتكلم في الأوضة.
كان عايز يجرها لداخل أوضة النوم. حماتي نفضت إيده بعنف مش هيدخل! النهاردة لازم الكلام يبقى على مية بيضا! البيت ده بيت عيلة طارق، ومن هنا ورايح الكلمة الأولى والأخيرة ليا أنا في البيت ده! الست الغريبة دي جاية تملي شروطها علينا بصفتها إيه؟
أمي طول الوقت ده كانت ساكتة ومبتنطقش. لكن في اللحظة دي بالظبط، بدأت تتحرك.
قامت ببطء، جسمها مكنش طويل، بس ظهرها كان مفرود ومستقيم زي النخلة. بصت لحماتي اللي عمالة تردح وتتنطط، وبصت لطارق ووشه المخطوف، وبصت للناس اللي بتتفرج ومستمتعة بالمسرحية.
خمس ثواني كاملة. وفجأة، أمي ضحكت.
ضحكة