بنتي اتصلت وهي بتعيط
يا بابا، عايزة أتعلم إزاي أصلح اللي اتكسر، مش بس في المكن، في حياتي كلها.
في اللحظة دي، عرفت إن اللي حصل مكنش نهاية، ده كان ميلاد جديد لينا إحنا الاتنين، ورشتي اللي كانوا بيشوفوها صغيرة، النهاردة كانت هي المكان اللي بنيت فيه أعظم مشروع في حياتي.. بنتي، اللي طلعت أقوى من كل عيلة المنشاوي وملايينهم.
.........
رجعنا الورشة، والورشة مكنتش مجرد مكان شغل بالنسبة لنور، بقت مكان استشفاء. بدأت تلبس الأفرول وتساعدني، في الأول كانت إيدها بتترعش لما بتمسك المفك، بس مع الوقت، القوة اللي لقيتها في نفسها جوه قاعة النيابة بدأت تتجسم في مهارة حقيقية. كانت بتمسك التروس المكسورة وتصلحها بتركيز، وكأنها بتصلح أجزاء من روحها اللي اتشرخت.
في يوم، واحنا شغالين، دخل علينا واحد من محامين عيلة المنشاوي، بس المرة دي مكنش داخل بتهديد، كان داخل بشنطة جلد تقيلة، وعيونه بتبص للأرض منكسرة. وقف قدام نور وقال بخفوت يا مدام نور.. عادل وكريم باعتين التنازلات عن كل حاجة، ومعاهم اعترافات كاملة بكل الصفقات المشبوهة، مقابل إنك تخففي شهادتك.. هما بيتدمروا جوه، والشركة أعلنت إفلاسها، والأصول كلها اتحجز عليها.
نور مابطلتش شغل في المكنة اللي في إيدها، فضلت رابطة المسمار
المحامي مشي والورشة رجعت تاني لصوتها المعتاد، صوت المبرد وصوت المكن وهو بيترتب. بصيت لنور، لقيت وشها مرتاح، مفيش فيه علامات خوف ولا بقايا انكسار، وكأنها في اللحظة دي غسلت إيدها من كل السواد اللي شافته في فيلا المنشاوي.
بليل، كنا قاعدين بنشرب شاي قدام باب الورشة، الشارع كان هادي، ونور قالتلي يا بابا، أنا كنت فاكرة إن الفلوس هي اللي بتعمل الناس، بس اتعلمت إن في ناس بتفضل طول عمرها فقيرة مهما كان في رصيدهم، وأنا دلوقتي أغنى واحدة في الدنيا لأني رجعت لنفسي.
ابتسمت ومسحت على راسها، والورشة اللي كانت الناس بتبص لها باستحقار، نورت بضحكتها اللي رجعت أخيراً. عرفت ساعتها إن الحياة مش ب الفيلا والسور العالي، الحياة ب السند والضهر اللي بيعرف يوقف صاحبه لما الدنيا تضيق، وب الأيد اللي بتعرف تبني وتصلح، مش اللي بتعرف تكسر وتسرق.
........
بعد مرور سنة، الحياة في الورشة بقت مألوفة وعميقة، والاسم اللي كان الناس بيعرفوه ب ورشة عم محمود بقى ليه هيبة تانية في المنطقة، مش بس بسبب شطارتنا في تصليح المكن، لكن بسبب الحكاية اللي بقت معروفة للكل البنت اللي رجعت من قلب الوحوش.
كنت قاعد براجع حسابات الورشة، ونور كانت بتخلص صيانة لمكنة تصوير كبيرة زبون باعتها مخصوص عشان إيد نور اللي فيها بركة، الموبايل رن، كان رقم خاص من مصلحة السجون، قلبي دق بس بثبات، رديت، كان صوت مأمور السجن بيقولي بلهجة رسمية يا حاج محمود، كريم المنشاوي طلب يقابل بنت حضرتك للمرة الأخيرة قبل ما يترحل لسجن شديد الحراسة، بيقول إن عنده رسالة أخيرة عايز يوصلها، والمحامي بيضغط عشان ده يحصل.
نور كانت سامعة، بصت لي وعنيها مفيهاش أي تردد، سابت المفك من إيدها، ومسحت إيدها في الأفرول وقالت أنا موافقة يا بابا.
رحنا الزيارة، المكان كان كئيب وبارد، قعدنا ورا القزاز، وبعد دقايق دخل كريم، كان نسخة تانية من الراجل اللي عرفناه، شعره محلوق، ملامحه ذابلة،
نور كانت باصة له بجمود، مافيش في عينيها غير الشفقة، كمل هو أنا مش جاي أطلب سماح، أنا جاي أقولك إن أبوكي كسب الرهان، أنا خسرت كل حاجة، والوحيد اللي لسه محتفظ بكرامته هو الراجل اللي كنت بستعر منه.
نور قامت وقفت، وما ردتش عليه بكلمة، بس قبل ما تلف ضهرها وتمشي، قالت جملة واحدة خلت كريم ينهار ورا القزاز إنت مكنتش بتصلح حاجة يا كريم، إنت كنت بتكسر كل اللي يلمسك عشان تداري على فراغك.. ومبروك عليك الفراغ اللي بتعيش فيه دلوقتي.
خرجنا من السجن، الهوا كان طلق، ونور أخدت نفس عميق وكأنها بتخرج آخر ذرة سم من قلبها، مشينا في الشارع، والناس اللي كانت بتخاف من اسم المنشاوي، بقوا بيسلموا علينا بكل احترام، مش عشان إحنا بقينا أغنياء، بس عشان عرفوا إن القوة الحقيقية مش في السيطرة، القوة في البقاء بوش نظيف وضمير مرتاح.
رجعت الورشة، لقيت نور دخلت وبدأت تكمل شغلها، مسكت العدة وبدأت أصلح جنبها، وفجأة نور ضحكت من قلبها، ضحكة صافية زللت كل