ادوا البنت حصان لعبة مكسور

لمحة نيوز

حياته، أن الحصان المكسور لم يكن مجرد لعبة أهينت بها طفلة، بل كان الرمز الحقيقي لبيته وإمبراطوريته التي بناها على الظلم، فتهاوت وانمحت بمجرد أن قرر عمودها الفقري أن يستدير ويمشي.
مرت ثلاث سنوات كاملة على تلك الليلة العاصفة التي انطفأت فيها أنوار قصر السويدي، ثلاث سنوات تحولت فيها حياة يحيى وابنته نور من الانكسار إلى الانتصار، بينما كانت إمبراطورية الجد عاصم تهوي إلى قاع سحيق لم يتخيله أحد. لم يكن خروج يحيى من القصر مجرد رد فعل عاطفي، بل كان خطوة مدروسة من رجل كان يدرك تمامًا حجم قوته وحجم الفراغ المرعب الذي سيتركه خلفه. في شقة بسيطة وهادئة غمرتها أشعة الشمس ونباتات الزينة التي تحبها نور، بدأ يحيى من الصفر، أسس شركته الاستشارية الخاصة التي أطلق عليها اسم نور للاستشارات الماليّة والقانونية. ولم يكن الاسم مجرد لفتة عاطفية، بل كان إعلانًا للعالم بأن هذه الطفلة التي استصغروها هي الملهمة والدافع الوحيد وراء كل خطوة يخطوها نحو النجاح.
في هذه الأثناء، تحول الحصان البلاستيكي المكسور من رمز للإهانة إلى أيقونة ملهمة؛ فقد وضعه يحيى داخل صندوق زجاجي فاخر على مكتبه الرئيسي في الشركة الجديدة، ليكون أول ما يراه كل عميل، وكل مستثمر، وكل موظف يدخل المكان. كان الحصان يقف بفخر على أرجله الثلاثة المتبقية،
وتحت الصندوق الزجاجي حفر يحيى عبارة ذهبية تقول القيمة لا تحددها الشقوق، بل الروح التي ترفض السقوط. كانت نور قد كبرت قليلًا، أصبحت في الحادية عشرة من عمرها، وتغيرت ملامحها الطفولية لتكتسب ثقة ووعيًا يسبقان سنها بكثير. كانت تأتي إلى مكتب والدها بعد مدرستها، تجلس على مكتبها الصغير الصافي، تقرأ الكتب وتتعلم كيف يدار العمل بنزاهة واحترام، وكانت كلما نظرت إلى ذلك الحصان، تبتسم وتدرك أن والدها لم يرمم لعبتها فحسب، بل رمم كرامتها وروحها أمام العالم أجمع.
على الجانب الآخر من المدينة، كانت الأمور في مجموعات السويدي تسير نحو حتفها المحتوم؛ فالجد عاصم، الذي نخر المړض كبرياءه وجسده، أصيب بجلطة دماغية خفيفة أثرت على حركته وقدرته على الكلام، وجعلته أسير كرسي متحرك داخل قصره البارد. أما شيرين، التي طالما تباهت بأنها سيدة الأعمال القادمة، فقد قادت الشركة من کاړثة إلى کاړثة أكبر. حاولت سد العجز المالي الضخم الذي تركه انسحاب الشركاء الأجانب بالاقتراض بفوائد مركبة من بنوك استثمارية جشعة، ووقعت على شيكات وعقود رهن للمصانع والأصول دون وعي حقيقي بالثغرات القانونية التي كانت تحتويها. وأولادها الذين اشترت لهم الدراجات الجبلية والهواتف الفاخرة في تلك الليلة المشؤومة، كبروا ليصبحوا شبابًا مستهترين، يتبادلون
اتهام أمهم بالفشل ويطالبونها بنسبهم من الميراث المتبدد، حتى كلب العائلة المدلل ماټ وحيدًا في حديقة القصر المهملة بعد أن غاب الخدم الذين لم تعد الشرك تملك سيولة لدفع رواتبهم.
الاڼهيار الكبير حدث عندما أعلنت المحكمة التجارية الحجز التحفظي على قصر العائلة وعلى المقر الرئيسي للشركة نتيجة العجز عن سداد الديون المتراكمة التي بلغت أرقامًا فلكية. في تلك اللحظة الحرجة، تذكرت شيرين وأمها نصيحة قديمة من أحد المحامين الخبراء الذي قال لهم بصراحة الشخص الوحيد في هذه الدولة الذي يمكنه تفكيك هذه الأزمة الصعبة، وإعادة هيكلة الديون، وإنقاذكم من السچن الحتمي، هو المستشار يحيى السويدي... هو الوحيد الذي يفهم خبايا هذه العقود ويمتلك ثقة البنوك الدائنة.
وفي صباح يوم شتوي قارص، يشبه تمامًا صباح ليلة رأس السنة القديمة، كانت شيرين تجلس في قاعة الانتظار بشركة
يحيى، مکسورة الجناح، ترتدي ملابس بسيطة خالية من البهرجة، وتضم حقيبتها إلى صدرها پخوف. عندما سمح لها السكرتير بالدخول، فتحت الباب ببطء لتجد يحيى جالسًا بكامل هيبته ووقاره خلف مكتبه الخشبي العريض، وبجانبه كانت تقف نور، بفستانها المدرسي الأنيق، ممسكة بملفات الشغل وموجهة لوالدها نظرة فخر واعتزاز. وقبل أن تنطق شيرين بكلمة، وقعت عيناها على الصندوق الزجاجي
الذي يحوي الحصان البلاستيكي المكسور؛ تجمدت الډماء في عروقها، وشعرت بغصة مريرة في حلقها وهي تتذكر كيف ضحكت ببرود في ذلك اليوم وكيف استصغرت هذه الطفلة.
اڼفجرت شيرين بالبكاء، وارتمت على المقر أمام يحيى قائلة بصوت متقطع أرجوك يا يحيى... أنقذنا. القصر هيتباع في المزاد العلني الأسبوع الجاي، وبابا بېموت من القهر في سريره، وأنا مھددة بالسجن. إحنا غلطنا في حقك وفي حق بنتك... بس الډم ما يبقاش مية، إنت ابن عاصم السويدي والشركة دي اسمك وتاريخك. نظر إليها يحيى بهدوء شديد، لم يكن في عينيه شماتة ولا اڼتقام، بل كان فيهما ذلك البرود القاټل الذي يمتلكه من تجاوز ألمه تمامًا وأصبح فوق جراح الماضي. صمت يحيى لثوانٍ بدت كأنها دهر، ثم الټفت إلى ابنته نور وسألها بنبرة حانية إيه رأيك يا نور؟ شيرين عمّتك بتطلب مساعدتنا... والقرار ليكي إنتِ أولًا وأخيرًا.
نظرت نور إلى عمتها المستعطفة، ثم نظرت إلى الحصان المكسور، وتذكرت تلك اللحظة التي شعرت فيها بأنها بلا قيمة. لكن التربية السوية التي زرعها يحيى في قلبها طوال تلك السنوات لم تجعل منها شخصًا حقودًا، بل جعلت منها إنسانة قوية تترفع عن الصغائر. اقتربت نور من شيرين، وبكل رقة طفولية ناضجة، وضعت يدها على كتف عمتها وقالت بصوت هادئ ومريح يا عمتي... بابا علمني إن القوة
مش
تم نسخ الرابط