طعنة غدر منى السيد

لمحة نيوز

لحياتي الطبيعية، أركز في شغلي وفي نفسي. بابا وماما كانوا محاوطيني بكل الحب والأمان، ومحسسونيش بأي ذنب.
وفي يوم، كنت قاعدة في الأوضة بقرأ كتاب، لقيت ماما بتنادي عليا وصوتها مستغرب نادين... تعالي يا بنتي، فيه واحدة واقفة على الباب وعايزاكي بالاسم.
قمت واستغربت، رحت ناحية الباب. فتحت، ولقيت واحدة واقفة، ملامحها هادية بس باين عليها التعب والكسرة، شابة في أواخر العشرينات. بصتلي وابتسمت ابتسامة خفيفة وقالت مساء الخير يا نادين. أنا أميرة.
جسمي كله اتخشب. أميرة؟ الخطيبة القديمة لطارق واقفة قدام باب بيتي؟
وسعت لها الباب وأنا مذهولة أميرة؟ اتفضلي... ادخلي.
دخلت أميرة وقعدت في الصالة، ماما جابتلها عصير وبصتلي بقلق وسابتنا لوحدنا. أميرة بصت للمكان وبعدين بصتلي وقالت أنا جيت عشان أشكرك... وعشان أقولك إن قضية الشقة أنا كسبتها إمبارح، والشقة رجعتلي بالكامل.
قولتلها بنبرة هادية مبروك يا أميرة، ده حقك وشقاكي. بس إنتي عرفتي بيتي منين؟
أميرة سكتت ثواني، وطلعت تليفونها، وفتحت صفحة شات. ورتني الشات وقالت أنا عرفت بيتك وعرفت كل حاجة عنك من الشخصية اللي كانت بتبعتلك الرسايل. الشخصية دي كلمتني أنا كمان بعد ما كسبت القضية، وقالتلي إنك بنت حلال وتستاهلي إننا نقف جنبك.
بصيت للشاشة، وبقيت أقرا الكلام. وفجأة عيني وقعت على الاسم وصورة الأكونت المبعوث منه الكلام لأميرة. الاسم مكنش منى أخت طارق... ولا كان حد من قرايبه.
الاسم كان صدمة تالتة ورابعة، صدمة خلتني أدرك إن اللعبة أعمق بكتير من مجرد غيرة إخوات أو حقد قرايب. الأكونت كان باسم البشمهندس حسام... المهندس اللي كان بيشطب الشقة لطارق! والست اللي كانت بتتكلم في التليفون مكنتش ست أصلاً... ده كان برنامج تغيير صوت، وحسام هو اللي كان بيلعب الخيوط دي كلها من ورا الستار!
بصيت لأميرة وقولت بذهول المهندس حسام؟ هو ليه يعمل كل ده؟ وليه يخرب على طارق ويساعدنا إحنا الاتنين؟
أميرة نزلت عينها للأرض ووشها احمر، وقالت بصوت واطي عشان حسام يبقى...
عشان حسام يبقى أخويا الصغير يا نادين.
الكلمة نزلت عليا زي الصاعقة. بصيت لأميرة وأنا مش قادرة أربط الكلام ببعضه. حسام المهندس اللي كان بيشطب الشقة لطارق، واللي أنا شفته مرتين تلاتة بيتكلم معاه في الترتيبات، يبقى أخو أميرة؟ يعني كل ده كان ملعوب؟
أميرة خدت نفس طويل وكملت كلامها وعينها مدمعة حسام لما شافني وأنا بموت بالبطيء بعد ما طارق سابني وأخد شقايا وفلوس عمري اللي سافرت الغربة عشان أعملها، حلف إنه مش هيسيبه يتهنى. طارق مكنش يعرف إن حسام أخويا، لأن حسام شغال في المحافظة تانية وبيرجع على الشغل علطول، ولما طارق أعلن عن مسابقة أو طلب مهندس ديكور يشطب الشقة على النت، حسام دخل له بأكونت الشغل وقدم له عرض بسعر رخيص جداً عشان طارق يوافق ويسيل لعابه. طارق مكنش يعرف إنه بيدخل الشيطان بيته برجليه.
سكتت شوية وبصت للكوباية اللي في إيدها وكملت حسام كان بينقل لي كل حاجة. كان بيشوف طارق وهو بيصرف فلوسي عليكي وعلى أمه، ويوم ما نزلتوا تختاروا الدهب، حسام عرف من طارق كل التفاصيل، وعرف إنه مستخسر فيكي الخاتم اللي بستة آلاف جنيه في نفس الوقت اللي جاب لأمه خاتم غالي من ورا أبوه. حسام استعمل برنامج تغيير الصوت عشان يكلمك، وكان باعت لمنى أخت طارق يوقع بينها وبين أمها برضه عشان يخلي البيت كله يضرب في بعضه. حسام مكنش عايز يخرب عليكي يا نادين، هو قالي إنك بنت غلبانة وملكيش ذنب، وكان عايز يفوقك قبل ما تدبسي في شقة عليها قضايا وتلاقي نفسك في الشارع.
قعدت مذهولة، مش عارفة أزعل إن اتلعب بيا بالشكل ده، ولا أفرح إن ربنا سخر لي الناس دي عشان أكتشف حقيقة البني آدم اللي كنت هربط اسمي باسمه.
قولت لأميرة وصوتي هادي أنا مش زعلانة يا أميرة، بالعكس، أنا بشكر حسام وبشكرك. طارق كان غاميني ومكنتش هفوق غير بصدمة تكسرني بجد بعد الجواز.
أميرة قامت وقفت وطبطبت على كتفي أنا لازم أمشي دلوقتي يا نادين. حسام بره مستنيني في العربية، ومكنش حابب يدخل عشان ميعملش ليكي حرج. بس كان لازم أجي وأقولك الحقيقة كاملة عشان ضميرنا يرتاح، وعشان تعرفي إن حقنا رجع، وإنك كنتي سبب في إن الحقيقة تظهر قدام الحاج عادل.
مشيت أميرة، وقبل ما تقفل الباب، بصتلي وقالت خلي بالك من نفسك، طارق مش هيسكت، حسام قالي إن طارق قالب الدنيا وبيدور على
اللي عمل فيه كده، وممكن يجي ليكي تاني.
قفلت الباب وسندت ضهري عليه وأنا بحس بجبل انزاح من على صدري، بس في نفس الوقت فيه قلق جديد بدأ يتسحب لقلبي. طارق مش هيسكت. طارق خسارته المرة دي كبيرة؛ خسر الشقة، وخسر فلوس أميرة، وأبوه طرده من البيت، وجوازته مني باظت وفضحته في المنطقة كلها. واحد زي ده لما يضيع منه كل حاجة، بيبقى زي الذيب الجريح، مبيفكرش غير في الانتقام.
عدا يومين، والحياة بدأت تاخد مجرى هادي شوية. بابا نزل شغله عادي، وماما بدأت تفتح شبابيك البيت تاني وترجع الضحكة لبيتنا. كنت قاعدة في الصالة العصر وسامعة صوت أم كلثوم في الراديو وماما بتعمل شاي، وفجأة تليفون البيت رن.
رحت رديت ألو؟
جالي صوت راجل كبير، تعبان ومكسور ألو... نادين؟ أنا الحاج عادل يا بنتي.
اتعدلت في قعدتي وقولت باحترام أهلاً يا حاج عادل، خطوتك عزيزة. اتفضل.
الراجل اتنهد تنهيدة طالعة من ضلوعه وقال يا بنتي أنا بكلمك وأنا عيني في الأرض من أبوكي ومنك. أنا عرفت كل حاجة، وعرفت إن طارق كان عامل مصايب من ورايا، والمهندس حسام جالي إمبارح الورشة وحكالي على كل حاجة ووراني المستندات اللي تثبت إن طارق كان بياخد فلوس البنت التانية. أنا طردت طارق من البيت وكتبت الورشة والمحلات كلها باسم إخواته البنات، وقولتله مملكش عندي مليم واحد شقى. بس أنا بكلمك عشان أحذرك يا بنتي... طارق عقله طار، وعرف إن حسام هو اللي عمل كده، وعرف إن حسام أخو أميرة، وعرف كمان إن أميرة جاتلك البيت.
قلبي انقبض وقولت بخوف هو ناوي على إيه يا حاج؟
الحاج عادل قال بصوت مرعوش طارق نزل من البيت إمبارح وهو قالب وشه وشايل غل الدنيا، وعرف إن حسام مسافر بكره الصبح يخلص ورق الشقة في المحافظة التانية، وطارق مهدد إنه هيخلص حقه من الكل. أنا بلغت الشرطة بس طارق تليفونه مقفول ومش عارفين طريقه. خلي بالكم من نفسكم يا بنتي، وقولي لأبوكي ياخد باله وهو راجع من المحل بالليل.
قفلت مع الحاج عادل وركبي بتخبط في بعضها. جريت على ماما وحكيتلها، وماما علطول كلمت بابا في التليفون وقالتله يقفل المحل بدري ويجي. النور كان بدأ يقطع في المنطقة كالعادة في التوقيت ده من اليوم، والشوارع بدأت تضلم.
الساعة جت تمانية بالليل، وبابا مكنش لسه وصل. كنت واقفة في المطبخ بعمل لقمة ناكلها، وسامعة صوت الهوا بره عالي وبيخبط في شيش الشبابيك. وفجأة، سمعت صوت حركة غريبة بره باب الشقة. صوت خربشة خفيفة، كأن حد بيحاول يفتح الباب بمفتاح أو بآلة حادة.
تصلبت في مكاني. ماما كانت جوة في الأوضة بتتوضى عشان تصلي العشا. مشيت على طراطيف صوابعي ورحت ناحية الباب. قربت عيني من العين

السحرية وبصيت.
الممر بره كان ضلمة كحل بسبب قطع النور، بس كان فيه كشاف صغير منور، وتحت لضمته شفت الوش اللي كنت دايماً بشوفه في كوابيسي. طارق!
طارق كان واقف، شعره منكوش، وعينه حمرا زي الدم، وماسك في إيده حديدة صغيرة وبيحاول يدخلها في قفل الباب عشان يفتحه. ملامحه مكنتش ملامح البني آدم اللي كنت أعرفه، كان شكله مرعب، كأنه قاصد يهد البيت على اللي فيه.
جسمي كله سقع وتلجت في مكاني. صرخت بصوت مكتوم وجريت على جوة ماما! ماما اقفلي باب الأوضة عليكي بسرعة! طارق بره وبيحاول يكسر الباب!
ماما اتخضت وطلعت تجري معايا، وفي اللحظة دي سمعنا صوت خبطة قوية وهبدة على باب الشقة. طارق بدأ يرزع بكل قوته ويصرخ بصوت عالي ماليان غل افتحي يا نادين! افتحي يا خاينة يا بتاعة العقود! والله ما هسيبك ولا هسيب اللي خربوا بيتي! افتحي بدل ما أطربقها فوق دماغكم!
الجيران بدأت تفتح الشبابيك وتزعق، وصوت طارق كان بيزيد جنون. مسكت التليفون وإيدي بتهتز لدرجة إنه كان هيقع مني، ومكنتش عارفة أتصل بمين... ببابا اللي في الطريق؟ ولا بالشرطة اللي هتاخد وقت؟
وفجأة، وأنا ببص من شباك الصالة اللي بيطل على الشارع، شفت عربية ملاكي وقفت بسرعة ورا نزل منها شخصين بيجروا باتجاه مدخل العمارة. شفت المهندس حسام وأميرة! حسام كان باين عليه إنه عرف إن طارق مراقبه أو جاي هنا، وجاي يلحقنا.
بعدها بثواني، صوت الرزع على الباب سكت فجأة، واتحول لصوت خناقة وزعيق وشتيمة بره في الطرقة. صوت طارق وهو بيصرخ إنت جيتلي برجليك يا حسام؟ يا ابن... وصوت ضرب وهبد على الحيطة وجري على السلم.
فتحت باب الشقة بحذر وأنا بترعش، وطلعت راسي بره. الممر كان ضلمة بس صوت الخناقة كان
نازل على السلالم بسرعة. شفت أميرة طالعة تجري وتصرخ نادين! اقفلي الباب وكلمي الإسعاف والشرطة بسرعة! طارق معاه مطواة!
سمعت صرخة مكتومة من تحت، صرخة وجع هزت العمارة كلها. الصوت مكنش صوت طارق... ده كان صوت حسام!
نزلت جري على السلالم ومش شايفة قدامي، وماما بتصرخ ورايا وتقولي ارجعي يا نادين، بس رجلي كانت بتتحرك لوحدها. وصلت للدور اللي تحت، وشفت المشهد اللي وقف الدم في عروقي.
حسام كان واقع على الأرض، وحاطط إيده على جنبه والدم بيملا المكان تحت كشاف التليفون بتاع أميرة اللي كانت بتصرخ بانهيار وبتطبطب عليه. وطارق... طارق كان واقف على أول السلم، وماسك المطواة في إيده وهي ماليانة دم، وباصصلي بنظرة جنون كامل، وقال بصوت فحيح مرعب أهو أول واحد خالص حقه... والدور عليكي يا نادين...
طارق رفع المطواة وبدأ يتحرك خطوة لفوق ناحيتي، وعينه متبتة في عيني...
الزمن وقف في اللحظة دي. رجلي اتسمرت في مكانها وأنا باصة للمطواة اللي في إيده والدم اللي بينقط منها على السلم. طارق مكنش في وعيه، كان كأنه شيطان ملوش ملكة، وعينه ماليانة غل وسواد يقطع النفس. خطوة ورا خطوة كان بيطلعها ناحيتي، وكل خطوة كانت بتموتني مية مرة.
في ثانية واحدة، لقيت أميرة بتصرخ بأعلى صوت عندها وبتحدف عليه شنطتها وتلفونها وأي حاجة تيجي تحت إيدها وهي بتبكي بانهيار سيبها يا مجرم! كفاية اللي عملته فينا! الجيران بدأت تفتح الأبواب وصوت زعيق ملى العمارة، بس مفيش حد كان متجرأ
يقرب من طارق وهو ماسك السلاح وبيلوح بيه زي المجنون.
طارق اتوشح ناحية أميرة وزعق اقعدي في جنبك إنتي حسابك معايا بعدين! ورجع بصلي وكمل طلوع وهو بيقول بفحيح مرعب إنتي السبب في كل اللي جرا لي... إنتي وأهلك اللي صغرتوني ورميتوا حاجتي بره!
وفجأة، ومن غير ما حد يتوقع، سمعنا صوت هبده قوية تحت عند مدخل العمارة، وصوت بابا وهو بيصرخ بقلب أب محروق على بنته نادين! يا بنتي! بابا مكنش لوحده، كان معاه اتنين من قرايبنا ومناديين من المنطقة اللي شافوا طارق وهو داخل العمارة بالمنظر ده.
طارق التفت وراه بخضة، واللحظة اللي اتشتت فيها دي كانت كفاية لحسام. حسام رغم إنه كان بينزف وواضح إن الطعنة كانت في جنبه، بس جمع كل قوته وقام اتنفض من على الأرض ورمى جسمه كله على رجل طارق بكل غل. طارق اختل توازنه ووقع على السلالم بالمشقلب، والمطواة طارت من إيده ورنت على الأرض.
بابا والرجالة طلعوا يجري، وفي ثواني كانوا فوق طارق، كتفوه تماماً ونزلوا فيه ضرب لحد ما قطع النفس ومبقاش قادر يتحرك. أنا جريت علطول على السلم، مشيت وسط الزحمة والصراخ لحد ما وصلت لحسام. قعدت على ركبي جنبه وأنا برتعش، وأميرة كانت حاطة إيدها على جرحه وبتبكي حسام! امسك نفسك يا حبيبي... الإسعاف جاية والله جاية!
حسام كان وشه أصفر وبيتنفض من الساقعة، بس بصلي وابتسم ابتسامة مكسورة وقال بصوت واطي ومكتوم الحمد لله... إنك بخير يا نادين... طارق مكنش... مكنش هيسيبك.
ماما نزلت تجري وجايبة معاها ملاية شاش وقطن، وبدأنا نضغط على الجرح عشان نوقف الدم اللي مكنش راضي يقف. الدقائق دي كانت كأنها سنين، لحد ما سمعنا صوت سرينة الإسعاف والشرطة وهي بتملا الشارع بره.
الشرطة دخلت العمارة، وأول حاجة عملوها إنهم كلبشوا طارق اللي كان شبه غايب عن الوعي ووشه متبهدل من الضرب، وأخدوا المطواة حطوها في كيس أدلة. المسعفين

طلعوا بسرعة، شالوا حسام على النقالة وأميرة جريت وراهم وهي ماسكة إيده وبتعيط. بابا بص لطارق وهو بيتجر على السلالم وقاله بقرف مكانك السجن يا نصاب... ده إنت وعيلتك كلها.
قعدنا في القسم لحد الصبح. بابا وأنا وأميرة اللي سابت حسام في المستشفى بعد ما الدكاترة طمنوها إن الطعنة جت سطجية وملمستش حاجة جوه بس احتاجت خياطة ونقل دم سريع. عملنا المحضر، وأميرة قدمت كل الرسايل والتهديدات اللي طارق كان باعتها ليها ولحسام قبل كده، وأنا قدمت الرسايل اللي جاتلي والموقف اللي حصل على الباب وشهادة الجيران.
الموضوع مكنش مجرد خناقة، ده اتقلب لقضية شروع في قتل مع سبق الإصرار والترصد، ده غير النصب والتزوير في أوراق الشقة اللي أميرة كسبت قضيتها. طارق اتمهدت له سكة طويلة جوه السجن مش هيطلع منها بسهولة.
بعد يومين من الحادثة، رحت أنا وبابا وماما المستشفى عشان نزور حسام ونطمن عليه. وصلنا الأوضة ولقيناه قاعد على السرير، وشه بدأ
يرد فيه الدم شوية، وأميرة قاعدة جنبه بتأكله. أول ما دخلنا، حسام حاول يقوم يقعد باحترام بس بابا حلف عليه ما يتحرك خليك مكانك يا بطل، إنت عملت اللي رجالة بشنبات متقدرش تعمله. أنا مديون لك بحياة بنتي.
حسام ابتسم وبص في الأرض بخجل وقال متقولش كده يا عمي، نادين ملهاش ذنب في القذارة اللي طارق كان عايش فيها، وأنا لو كنت سبته كان ضميري هيموت. أنا كنت عايز أحمي أختي وأجيب حقها، وفي نفس الوقت مكنتش هسمح لبنت تانية تتدمر حياتها بسببه.
قعدنا نتكلم، وعيني جت في عين حسام كذا مرة. كان فيه في نظرته حاجة غريبة... حاجة هادية، مريحة، عكس النظرات الباردة والحسابات اللي كنت بشوفها في عين طارق. حسام بني آدم شقي وتعبان، وبيحب أخته ومستعد يضحي بنفسه عشانها.
وأحنا خارجين، أميرة مشيت معايا في الطرقة وقالتلي بصوت واطي نادين... حسام من ساعة ما شافك أول مرة مع طارق في الشقة وهو بيشطب، وقالي البنت دي خسارة في طارق، نقية وزيادة عن اللزوم ومبتفكرش في المظاهر. هو مكنش بيعمل كده بس عشان ينتقم لأميرة... هو كان بيعمل كده عشانك إنتي كمان.
الكلام لمس قلبي، بس مكنتش قادرة أفكر في أي حاجة تخص الارتباط دلوقتي. أنا كنت طالعة من تجربة هدتني، ومحتاجة وقت أصلح فيه الحاجات الكثيرة اللي اتكسرت جوايا.
مر شهر... وشهرين... وتلت شهور. الحياة بدأت ترجع لطبيعتها تماماً. طارق لبس القضية وتجدد له حبس في حبس، والحاج عادل أبوه قاطع أخباره تماماً ومبقاش يروح له ولا يسأل عنه، والحجة نادية لزمت بيتها من الكسفة والفضيحة في المنطقة بعد ما الناس كلها عرفت إن غوايشها وفلوسها من شقى بنات الناس.
أنا رجعت لشغلي، وبقيت بنزل وأتحرك وأنا حاسة بسلام داخلي مكنتش حساه وأنا مع طارق. مكنش فيه حد بيحسب عليا الكلمة، ولا حد بيبصلي بنظرة تخليني أحس إني تقيلة عليه.
في يوم جمعة، كنت قاعدة مع بابا وماما بنشرب شاي بعد الغدا، وجرس الباب رن. بابا قام فتح، ولقيت صوت مألوف جداً بيرحب ببابا. قمت وقفت وبصيت... كان حسام!
حسام كان جاي ومعاه علبة شوكولاتة شيك، ولابس قميص أبيض وبان عليه إنه بقى زي الفل وصحته رجعت له. دخل وسلم على بابا وماما باحترام، وبعدين بصلي وابتسم إزيك يا نادين؟ عاملة إيه؟
قولتله بابتسامة حقيقية الحمد لله يا حسام، إنت عامل إيه؟ وصحتك بقت إزاي دلوقتي؟
رد وهو بيقعد الحمد لله، بقيت حديد وجاهز للشغل كمان.
قعدنا، وكان باين إن فيه كلام حسام عايز يقوله بس محرج من بابا. بابا حس بالموضوع، فابتسم وقال لحسام خير يا بشمهندس، شكل فيه وراك مصلحة وجايب الشوكولاتة دي عشان تمشيها؟
حسام اتنحنح، ووشه احمر، وبص لبابا بكل جدية وقال بصراحة يا عمي... أنا جاي وطالب قربك. أنا عارف إن نادين مرت بظروف صعبة، وعارف إن الوقت يمكن يكون مش مناسب أوي، بس أنا مكنتش عايز أستنى أكتر من كده. أنا شفت نادين في أصعب مواقفها، وعرفت قيمتها ونقائها، وأنا مش جاي أقدم شبكة بآلاف مؤلفة ولا أعمل مظاهر كدابة... أنا جاي أقولك إني هبقى ليها السند والأمان، وحقها ورقبتي فداها. أنا شقتي ملكي في المحافظة التانية وجاهزة، ومستعد أعمل أي حاجة ترضيها وترضيك.
الأوضة بقت هادية تماماً. ماما بصتلي بابتسامة وفرحة كانت دايما مستنياها، وبابا بصلي وقال بهدوء الرأي رأيك يا نادين. حسام راجل وإحنا جربناه في وقت الشدة، والراجل بيبان في وقت الضيق مش في وقت الفرح. قولي رأيك إيه؟
بصيت لحسام، وافتكرت كل اللي عدا. افتكرت طارق اللي كان بيستخسر فيا الستة آلاف جنيه، وافتكرت حسام اللي أخد طعنة في جنبه وفدا بدمه عشان يحميني. المقارنة مكنتش محتاجة تفكير.
بس جوايا كان لسه فيه خوف صغير... خوف البدايات الجديدة. بصيت لحسام وقولتله بهدوء حسام... أنا موافقة نفتح صفحة جديدة ونتعرف، بس أنا مش عايزة استعجال. أنا عايزة أحس إن الخطوة دي حقيقية ومبنفسدش فيها أي حاجة من اللي فاتت.
حسام عينه لمعت بالفرحة وقال بسرعة وأنا مستعد أستنى العمر كله يا نادين، المهم إننا نبدأ صح.
اتفقنا إن حسام يجي يقعد معانا ونتكلم وناخد وقتنا تماماً. مشي حسام الليلة دي، وأنا دخلت أوضتي
ورحت ناحية الشباك. بصيت للسما اللي كانت صافية، وحسيت بنسمة هوا باردة ومريحة بتخبط في وشي.
الدنيا لسه فيها حاجات كتير معرفهاش، ولسه الحكاية ليها فصول جاية مع حسام وأميرة والرحلة الجديدة اللي هبدأها. بس اللحظة دي،
ولأول مرة من سنة كاملة، حسيت إن قلبي خفيف... خفيف أوي، ومفيش أي حاجة تقيلة عليه.

تم نسخ الرابط