طعنة غدر منى السيد
المحتويات
جداً، كأن مفيش أي حاجة حصلت إمبارح، كأن مكسرش بخاطري قدام الناس صباح النور يا حبيبتي. صاحية متأخر يعني؟ المهم، أنا كلمت المهندس وهيعدي على الشقة بكره عشان يبدأ في تركيبات السباكة الأخيرة، عايزك تيجي معايا عشان لو ليكي رأي في شكل الحوض أو الخلاطات.
البرود اللي بيتكلم بيه استفزني. مفيش حتى كلمة انتي زعلتِ إمبارح؟ ولا معلش متزعليش مني بخصوص الخاتم. مفيش أي اعتبار لمشاعري.
قولتله بهدوء مميت طارق، إنت مش شايف إننا المفروض نتكلم في اللي حصل إمبارح الأول قبل ما نشوف السباكة والشقة؟
سكت ثانية وبعدين قال بنبرة فيها سنة زهق تاني يا نادين؟ هنرجع نفتح موضوع إمبارح؟ ما إحنا خلاص جبنا الشبكة والموضوع خلص والناس كلها باركتلنا. أنا قولتلك اللي معايا وقتها وخلاص، مش لازم نعمل من الحبة قبة ونعطل الشغل في الشقة عشان خاتم.
دموعي كانت هتنزلو بس حبستها، وقولتله الموضوع مش موضوع خاتم يا طارق، الموضوع طريق كلامك ونظرتك ليا. إنت حسستني إني حمل عليك وإني بطمع في حاجة مش من حقي، في حين إنك في نفس اليوم كنت جايب لمامتك خاتم أغلى ومفكرتش ثانية.
صوته حدّ فجأة وقال نادين! أمي دي خط أحمر، بلاش تحطي نفسك في مقارنة معاها. بعدين أنا قولتلك كان معايا كاش كام في جيبي وقتها. خلاص بقى اقفلي السيرة دي. هتيجي بكره معايا الشقة ولا أروح لوحدي؟
في اللحظة دي، افتكرت كلام الست في التليفون اسأليه الشقة دي كانت بتاعة مين قبلك؟. حسيت إن دي الفرصة إني أرمي الكلمة وأشوف رده فعلة، يمكن تطلع الست دي كدابة وأرتاح، ويمكن تطلع صح وأفوق.
قولتله بصوت ثابت وموجّه هاجي معاك يا طارق... بس قولي، الشقة دي بجد إنت مغيرتش فيها أي تقسمية من يوم ما استلمتها؟ يعني مكنتش متوضبة على ذوق حد تاني قبلي؟
الدنيا سكتت تماماً من الناحية التانية. الخط مكنش قاطع، كنت سامعة صوت نفسه بس كان سريع ومكتوم. السكوت ده طول لدرجة إني حسيت بقلبي بيقع تاني.
بعد ثواني، طارق قال بصوت متغير تماماً، صوت ماليان توتر وحذر إنتي... إنتي بتقولي كده ليه؟ حد قالك حاجة عن الشقة؟
السؤال بتاعه مكنش إجابة، كان تأكيد على إن فيه مصيبة مستخبية ورا الحيطان دي. رجعت خطوة لورا وسندت على الحيطة وأنا حاسة إن الأرض بتلف بيا. طارق مخبي عليا حاجة كبيرة، والرسالة المجهولة طلعت مش مجرد كلام تافه لخربشة البيوت... دي كانت أول خيط في حقيقة كاملة أنا معرفش عنها أي حاجة.
نبرة التوتر اللي في صوته خلت كل شكوكي تتحول لليقين. السكوت اللي ساد بيننا على
رديت عليه ببرود عكس النار اللي بتاكل فيا بقول كده عادي يا طارق، أصل الشقة تفصيلتها غريبة شوية، كأنها كانت معمولة لذوق حد تاني خالص غير ذوقك اللي أنا عارفاه. إنت ليه اتوترت كده؟
حاول يجمع نفسه بسرعة، وضحك ضحكة صفرا ماليانة تصنع وقال أتوتر؟ وأتوتر ليه يا بنتي؟ أنا بس استغربت سؤالك اللي ملوش معنى ده. الشقة زي ما قولتلك ورث، وأنا اللي مقسمها على ذوقي من كام سنة. عموماً، بلاش كلام ملوش لزمة في التليفون، بكره لما نتطابق في الشقة نبقى نتكلم. هعدي عليكي الساعة أربعة، خليكي جاهزة.
قفل الخط بسرعة كأنه بيهرب من الأسئلة. رميت التليفون على السرير وقعدت وأنا حاسة إن الدنيا بتلف بيا. طارق كداب، كداب ومخبي حاجة كبيرة. رد فعله وسؤاله حد قالك حاجة عن الشقة؟ أكدلي إن الست الغامضة دي معاها حق في كل كلمة قالتها.
مسكت التليفون تاني ودخلت على الرقم المجهول. كتبت برعشة في إيدي أنا سألته واتوتر، قوليلي مين أميرة دي؟ وإيه حكاية الشقة والسبعين ألف؟ أرجوكي ردي عليا. فضلت باصة للشاشة مستنية علامة القراية، بس الرسالة مأخدتش غير علامة صح واحدة، الرقم اتقفل.
يومي عدا كأنه سنة. مكنتش باكل ولا بتكلم مع حد. ماما كانت بتبصلي بنظرات كلها قلق، بس أنا كنت بتهرب من عيونها عشان عارفة إن لو اتكلمت هنهار، وأنا مش عايزة أبان ضعيفة قدام حد لحد ما أفهم الحقيقة كاملة. نمت الليلة دي بالعافية، وكل ما أغض عيني أشوف نفسي واقفة في شقة غريبة، والحيطان بتضيق عليا، وفيه صوت ست بيضحك في الخلفية.
تاني يوم، الساعة جت أربعة بالدقيقة. لقيت طارق بيكلمني وبيقولي إنه تحت البيت. نزلت وأنا حاطة قناع البرود على وشي، ركبت العربية وقولتله بطرف لساني مساء الخير.
بصلي بطرف عينه وهو بيدور العربية، ملامحه كانت مشدودة ومش طبيعية، بس حاول يتكلم عادي مساء النور يا حبيبتي. مجهزالك مفاجأة في الشقة، المهندس جاب عينات الرخام بتاعة المطبخ عشان تختاريهم بنفسك.
مرديتش، فضلت باصة من الشباك على الطريق والبيوت اللي بتعدي بسرعة. كنت بفكر، يا ترى الشارع ده مشي فيه مع أميرة دي؟ يا ترى كان بيجيبها هنا؟ وصلنا العمارة، ونزلنا. ركبنا الأسانسير في سكوت تام، وكل ما الدور يعلى، ضربات قلبي كانت بتعلى معاها.
فتح باب الشقة، ودخلنا. الشقة كانت في مرحلة المحارة والتشطيبات الأساسية،
مشيت في الطرقة بخطوات بطيئة. كل ركن بقيت أبص له بنظرة مختلفة. دخلت الأوضة الكبيرة اللي المفروض هتبقى أوضة النوم. بصيت على الحيطة، ولقيت في زاوية دارية ورا الباب كتابة خفيفة بالرصاص ممسوحة، بس لسه باينة. قربت وعيني اتسعت من الصدمة. كانت مكتوب أ ط... بيت العمر.
حسيت بركبي سابت. أ يعني أميرة. ط يعني طارق. الكلام ده مكتوب من فترة، الشقة دي فعلاً كانت بتتوضب لواحدة تانية! الشقة دي مكنتش ورث مهجور زي ما قالي، دي كانت حلم لقصة تانية خالص وهو جاي يكملها بيا!
سمعت صوت خطواته ورايا. مسحت عيني بسرعة والتفتت له قبل ما يلاحظ. كان واقف على الباب وباصصلي بنظرة غريبة، كأنه بيراقب ردود أفعالي. قال بنبرة هادية زيادة عن اللزوم واقفة هنا ليه يا نادين؟ الأوضة دي لسه مفيهاش حاجة تتشاف.
بلعت ريقي وقولتله وأنا بحاول أتحكم في نبرة صوتي طارق... إنت ليه اخترت الشقة دي بالذات؟ وليه قولتلي إنها ورث مع إن شكلها بيقول إنها كانت متباعة أو مأجرة لحد قبل كده؟
وشه اتغير، وملامحه اتشنجت. قرب مني خطوتين وقال بحدة هو إنتي مفيش وراكي غير السيرة دي؟ من إمبارح وإنتي أسئلتك غريبة وتلميحاتك بايخة. فيه إيه يا نادين؟ حد من أصحابك ملا دماغك بكلام فارغ؟ ولا إنتي بتدوري على أي مشكلة عشان تطلعي تطلبي حاجات زيادة زي موضوع الخاتم؟
لما جاب سيرة الخاتم، حسيت إن كرامتي اتهانت تاني. قولتله بصوت عالي لأول مرة متحورش الموضوع يا طارق! وماترميش بلاك عليا! أنا مش غبية. الكتابة اللي ورا الباب دي بتاعة مين؟ أ وط... مين أ دي؟ مين أميرة يا طارق؟!
الاسم نزل عليه زي الصاعقة. خطوتين لورا رجعهم، وعينه برقت بخوف حقيقي مكنش قادر يداريه. حاول يتكلم بس الحروف تاهت من لسانه لثواني، وبعدين زعق عشان يداري على كدبه إنتي اتجننتي؟ أميرة مين وزفت مين؟ وإيه الكتابة دي أصلاً؟ تلاقيها من العمال اللي كانوا هنا! إنتي جاية تفتشي ورايا وتعمليلي فيها قاضي؟
في اللحظة دي، تليفوني رن في جيبي. طلعته بسرعة وأنا عيني في عينه. كان نفس الرقم المجهول! فتحت الخط وفتحت السبيكر علطول من غير ما أفكر، وقولت أهو الرقم اللي كشفك بيرن... اتفضلي قولي اللي عندك قدامه!
جاء صوت الست من السبيكر، بس المرة دي مكنش واطي، كان واضح وحاد وقوي، وصداه ملى
الأوضة الفاضية قوليله يا نادين إن أميرة تبقى خطيبته القديمة
طارق هجم على التليفون عشان يقفله، بس أنا بعدت عنه وزقيت إيده بقوة وعياطي انطلق مكنتش قادرة أوقفه. الست كملت كلامها اسأليه يا نادين، الدهب اللي جابه لأمه إمبارح، مش ده كان الفلوس اللي باقية من حق أميرة؟ هو بيستخسر فيكي عشان إنتي مجرد غطا للسرقة اللي عملها، وعشان الشقة دي لسه مكتوبة بعقد شرا بينه وبين أميرة، وأميرة رافعة عليه قضية دلوقتي وهتاخد الشقة دي منك في الآخر!
الخط قطع. المكان بقا هادي لدرجة تخوف. أنا كنت بنهج وببكي بجنون، ببص لطارق اللي كان وشه أصفر زي الليمونة، وعرقه نازل على جبهته. مكنش قادر ينطق كلمة واحدة ينكر بيها. الحقيقة المرة ظهرت كلها في ثواني.
قرب مني وهو بيترعش وحاول يمسك إيدي نادين... اسمعيني بس... الكلام ده مش كله صح... أميرة دي كانت ماضي والست دي بتتبلى عليا عشان تخرب بيتنا...
نفضت إيده عني بكل قوتي وصرخت فيه ماتلمسنيش! ماتلمسنيش يا كداب! الشقة دي عقد شرا؟ الفلوس اللي بتدفعها دي فلوس واحدة تانية؟ شبكتي أنا بفلوس واحدة شقيت وتعبت فيها عشان تيجي إنتي تذلني على خاتم بستة آلاف جنيه؟! إنت إيه؟ بني آدم إيه؟
سبته وجريت على باب الشقة. كنت بجري في الطرقة وأنا مش شايفة قدامي من كتر الدموع. سمعت صوته وهو بيتحرك ورايا وبيزعق نادين! استني هنا! متمشيش وتفضحينا في العمارة! نادين!
مسمعتش لسلامه، فتحت الباب وخرجت السلالم جري، مكنتش قادرة حتى أستنى الأسانسير. نزلت للشارع وأنا حاسة إن الهوا مبيخشش صدري، والناس بتبص عليا وأنا عياطي مسمع للكل. أخدت أول تاكسي قابلني ورميت نفسي في الكنبة اللي ورا، وقولت للسواق وأنا بشهق أرجوك... اطلع بيا على طول...
طول الطريق كنت حاطة إيدي على وشي وببكي بحرقة مش على الخاتم، ولا على الشبكة، أنا ببكي على نفسي... على الثقة اللي اديتها لواحد ميسواش، على الأيام اللي عديت فيها مواقف كتير كنت فاكراها طباع صعبة وطلعت نذالة وكدب. أنا كنت مجرد عروسة حبر على ورق، بيسد بيا خانة وبيستعملني كستار لجريمته مع واحدة تانية.
وصلت البيت، طلعت السلالم وأنا بهدومي المتبهدلة ووشي الضايع. أول ما فتحت الباب، ماما شافتني بالمنظر
متابعة القراءة