في عيد ميلادي بنتي السادس

لمحة نيوز


إلى الشاشة ثم أغلق عينيه بقوة.
لأول مرة منذ عرفته رأيت دموعه تنزل دون أن يحاول إخفاءها.
قال بصوت مكسور
أنا كنت فاكر إن أمي بتحب بنتي...
لكن ده مش حب...
ده امتلاك.
ساد الصمت.
حتى وكيل النيابة لم يتكلم لعدة ثوان.
ثم قال بهدوء
أحيانًا أخطر أنواع الأذى بتكون جاية من الناس اللي بنفترض إنهم أكثر الناس حبًا لينا.
خرجنا من النيابة ونحن نحمل فوق أكتافنا سنوات كاملة من الخداع.
وفي المساء...
دخلت غرفة ليان.
كانت نائمة تحتضن دمية أرنب صغيرة اشتريتها لها بعد الواقعة.
جلست بجوارها.
مررت يدي على شعرها.
ففتحت عينيها نصف فتحة وهمست
ماما...
ابتسمت.
نعم يا قلب ماما؟
قالت وهي شبه نائمة
الدبدوب الوحش مش هيرجع تاني... صح؟
شعرت بدموعي تسبق كلماتي.
مسحت على خدها وقلت
أبدًا يا حبيبتي...
ولا أي حاجة

هتخوفك طول ما إحنا جنبك.
ابتسمت ابتسامة صغيرة.
ثم نامت مرة أخرى.
أما أنا...
فلم أستطع النوم.
ظللت طوال الليل أفكر في شيء واحد.
كم مرة نثق في أشخاص فقط لأن بينهم وبيننا صلة دم؟
وكم مرة يكون الخطر الحقيقي مختبئًا خلف كلمة عيلة؟
مرت الشهور.
وانتهت التحقيقات.
وصدر الحكم.
لم يكن الحكم مجرد عقوبة بالسجن، بل شمل أيضًا مصادرة الأجهزة المستخدمة، ومنع أي تواصل مباشر أو غير مباشر معنا أو مع ليان طوال مدة محددة وفق الإجراءات القانونية.
ولم أفرح بالحكم.
لأنني كنت أعرف أن العدالة قد تعاقب الجريمة...
لكنها لا تستطيع أن تمحو آثارها من القلوب.
احتاجت ليان جلسات طويلة حتى تتخلص من خوفها من الألعاب الجديدة.
كانت كلما رأت دبدوبًا في متجر تسألني
هو ده بيشوفنا؟
وكان السؤال يمزق قلبي في كل مرة.
لكننا
لم نستسلم.
اصطحبناها في رحلات.
ولعبنا معها.
وضحكنا كثيرًا.
حتى عادت ضحكتها الحقيقية تدريجيًا.
أما طارق...
فقد تغير تمامًا.
صار أكثر قربًا من ابنته.
وأكثر حرصًا على أن يشعرها بالأمان.
وكان يقول لي دائمًا
البيت مش جدران...
البيت هو المكان اللي الطفل يحس فيه إنه مش مراقب... ولا خايف.
وفي عيد ميلاد ليان السابع...
علقت الزينة من جديد.
وامتلأ البيت برائحة الكعك والفانيليا نفسها.
لكن هذه المرة...
لم يكن هناك أي طرود مجهولة.
ولا أي أجراس مفاجئة.
ولا أي خوف.
وقفت ليان أمام التورتة، وأغمضت عينيها قبل أن تطفئ الشموع.
فسألتها بعدها
إيه الأمنية اللي طلبتيها؟
ضحكت وقالت
مش هقول...
عشان تتحقق.
ثم احتضنتني بقوة.
وفي تلك اللحظة أدركت أن أجمل هدية يمكن أن يحصل عليها طفل ليست لعبة غالية، ولا
دبدوبًا ضخمًا، ولا صندوقًا ملفوفًا بورق ذهبي...
بل بيت يشعر فيه بالأمان، وأب وأم يقفان أمام أي خطر، مهما كان مصدره، ليبقيا طفولته نقية كما يجب أن تكون.
ومنذ ذلك اليوم، كلما رأيت دبدوبًا بنيًا في واجهة أحد المحلات، لم أعد أتذكر الكاميرا التي كانت مختبئة داخل عينه، ولا الوميض الأحمر الذي كاد يدمر أسرتنا.
بل أتذكر درسًا لن أنساه ما حييت...
أن الثقة هدية ثمينة لا تُمنح لمجرد صلة القرابة، وأن الخصوصية ليست رفاهية، بل حق يستحق أن نحميه بكل ما نملك، وأن الأم حين تشعر بالخطر على طفلها قد تتحول في لحظة إلى أقوى خط دفاع، لا تعرف التردد ولا الخوف، حتى لو كان الخصم أقرب الناس إليها.
وهكذا أُغلق ذلك الملف في سجلات المحكمة، لكنه ظل مفتوحًا في ذاكرتنا، يذكرنا كل يوم بأن الحقيقة قد تتأخر،
لكنها حين تظهر، تكشف الوجوه كما هي، بلا أقنعة، وبلا أعذار، وبلا رحمة.

 

تم نسخ الرابط