رجعت من السعودية
فتحت الباب والابتسامة المرسومة على وجهي لم تكن سوى قناع حديدي يخفي تحته بركاناً يغلي من القهر والدم والدموع. خمس سنوات قضيتها في لظى الغربة، أقتطع اللقمة من فمي، وأقف تحت هجير الشمس الحاړقة في صحاري السعودية، أتحمل إهانات الكفيل، وضغط العمل المتواصل، ونوم الأنفار في غرف ضيقة تخنق الأنفاس، كل ذلك من أجل هذا اليوم. من أجل القصر الذي ظننت أنني أبنيه ليكون حصناً لزوجتي وصغاري، فإذا به يتحول إلى مقپرة لكرامتهم، ومستنقع لشرور أقرب الناس إليّ.
حين انفتح الباب، انبعثت رائحة البخور الفاخرة الممزوجة برائحة المأكولات المشوية، وصدمتني تلك الأنوار الساطعة التي انعكست على جدران الصالون الرخامي. كانت أمي تجلس على أريكتها المذهبة كملكة متوجة، تفيض يداها بأساور الذهب التي اشتريتها بدموع عيني وشقاء عمري، وبجانبها أختي التي كانت تتمايل ضاحكة مع صديقاتها وقريباتها حول مائدة تضج بأفخر أنواع الأطعمة والحلويات، والمشروبات الباردة والساخنة، وحقائب الماركات العالمية ملقاة على المقاعد وكأنها ألعاب رخيصة. تنحنحت بصوت مبحوح، فتوقفت الضحكات فجأة، والتفتت الأعناق نحو الباب.
تسمرت أمي في مكانها، واتسعت عيناها بذهول وخوف لم تستطع إخفاءه، بينما تراجعت أختي خطوة إلى الخلف، وسقطت الضحكة من على وجهها لتتحول إلى شحوب المذنب. قالت أمي بصوت متلعثم حاولت أن تجعله مرحباً علاء؟ يا حبيبي! رجعت إمتى؟ ليه مقلتش عشان نعملك أحسن استقبال؟ خطوت إلى داخل الصالون، وكانت خطواتي ثقيلة كأنني أجر جبالاً، والټفت خلفي مشيراً لزوجتي مريم وأولادي بالدخول. دخلت مريم برأس منحنٍ، تمسك بيدي طفلينا الهزيلين، بثيابهم الرثة التي تفوح منها رائحة الانكسار والتراب. بمجرد دخولهم، تغيرت ملامح أمي وأختي،
الفصل الأول الابتسامة المسمۏمة وسراديب الخديعة
استدارت أمي بسرعة، وحاولت أن تستعيد توازنها، فأشارت لصديقاتها وقريباتها بالانصراف قائلة بنبرة مرتبكة معلش يا جماعة، علاء رجع من السفر فجأة، ولازم نقعد معاه... نتقابل بعدين. انصرف الجميع وهم يتهامسون وينظرون إليّ وإلى زوجتي مريم الشاحبة بنظرات فضولية قاټلة. بمجرد أن أُغلق الباب الخارجي، تبدلت الوجوه تماماً. اختفت نظرة الترحيب المزيفة من وجه أمي، وحلت مكانها نظرة الجبروت والسيطرة، وقالت بحدة جرى إيه يا علاء؟ داخل علينا بمرتك وعيالك كأنهم شحاتين وبتكسر فرحتنا قدام الناس؟ إنت ناسي إن الفلوس اللي اتبنى بيها البيت ده فلوسي أنا؟ أنا اللي كنت بدير كل حاجة وإنت في الغربة، لولايا أنا مكنش بقا عندك القصر ده!
نظرت إلى أمي، إلى الذهب الذي يغطي ذراعيها حتى الكوع، إلى الخواتم التي تكاد تخنق أصابعها، ثم نظرت إلى مريم التي كانت تقف في زاوية الغرفة، تحتضن يوسف وسارة، وجسدها يرتجف خوفاً من بطش هذه السيدة. قلت بنبرة باردة كالثلج معلش يا أمي، مريم كانت بتنظف ورا البيت والعيال كانوا بيلعبوا في التراب، وأنا اللي أصررت يدخلوا معايا. ارتاحي يا أمي، أنا مش جاي أعمل مشاكل، أنا جاي أرتاح وسطكم بعد خمس سنين شقى. تنفست أمي
الابن الساذج الذي يصدق كل كلمة تقوله، والتفتت إلى أختي قائلة شايفة يا عبير؟ أخوكِ برضه وعارف الأصول، مش زي الحية اللي معاه دي اللي دايماً تتبلى علينا.
طلبُت من مريم أن تأخذ الأولاد وتصعد إلى الجناح العلوي، لكن أمي قاطعتني بسرعة وقالت جناح علوي إيه يا علاء؟ الجناح العلوي ده محجوز لعبير وجهازها، مريم والعيال قاعدين في الأوضة اللي جنب المطبخ تحت، دي واسعة ومكفياهم. نظرت إلى مريم، فرأيت في عينيها نظرة توسل ألا أتكلم وألا أفتعل شجاراً الآن. أومأت لها برأسي، فانسحبت بهدوء مکسورة الجناح كعادتها طوال سنوات غيابي. جلست مع أمي وأختي، وبدأت أستمع إلى أكاذيبهم التي لا تنتهي؛ كيف أن مريم كانت تبذر الأموال، وكيف أنهم كانوا يطعمونها ويطعمون أولادي من خيرهم الخاص، وكيف أن الأسعار في مصر غالية وأن الفلوس التي كنت أرسلها لم تكن تكفي لبناء الطوب، فكانت أمي تدفع من مدخراتها القديمة. كنت أهز رأسي بالموافقة، وأبتسم، بينما كان قلبي ېنزف دماً، وعقلي يسجل كل كلمة، وكل تفصيلة، وكل غدر.
الفصل الثاني ليل الشكوى ودموع مريم
عندما انتصف الليل، وتأكدت أن أمي وأختي قد نامتا في غرفهما الفاخرة، تسللت هابطاً إلى الغرفة المجاورة للمطبخ. فتحت الباب ببطء، ففاحت في وجهي رائحة الرطوبة والكمكمة. كانت الغرفة ضيقة، تحتوي على سرير واحد متهالك ومرتبة موضوعة على الأرض. رأيت ابنتي سارة وابني يوسف ينامان متلاصقين على المرتبة الأرضية، وجسداهما النحيلان مغطيان ببطانية قديمة وممزقة، بينما كانت مريم تجلس في زاوية الغرفة تبكي بصمت مطبق، واضعة رأسها بين ركبتيها.
اقتربت منها، وجلست على الأرض بجانبها، ووضعت يدي على كتفها الهزيل. انتفضت مريم خوفاً، وعندما رأتني،
كنت أسمع كلماتها، وكل كلمة كانت كالمطرقة التي تدق في رأسي. أخرجت من جيبي هاتفاً صغيراً، وأريتها الحساب البنكي الذي كنت أحول عليه الأموال طوال خمس سنوات؛ حساب باسم أمي، كان به أكثر من مليوني جنيه مصري، غير الأموال التي أرسلتها لبناء الفيلا وتشطيبها وتأثيثها. مسحت دموعها وقلت لها بصوت حازم ممتلئ بالقوة اشهدي يا مريم، واصبري معايا كام يوم بس. وحق كل لقمة رز مبلولة ماية أكلتوها، وحق كل دمعة نزلت من عينك وعين عيالي، وحق كسر خاطري وخاطركم، لأخليهم يدفعوا الثمن غالي أوي. بس اسمعي كلامي... قدامهم أنا لسه علاء الأعمى اللي بيصدق أمه. نظرت إلي مريم بعينين متسعتين، ورأت في عيني نظرة لم تعهدها من قبل؛ نظرة رجل ماټ فيه الخۏف ووُلد فيه الاڼتقام.
الفصل الثالث شمس الحقيقة في دكان الحسابات
في الصباح الباكر، استيقظت وذهبت إلى السوق. اشتريت أفضل أنواع اللحوم والفواكه والملابس الجديدة لزوجتي وأولادي، وعدت إلى الفيلا. عندما رأت أمي الأكياس، لمعت عيناها بطمع
وقالت بسم الله