في عيد ميلادي بنتي السادس
لون وجه طارق في الظلام، وسقطت ملامحه تمامًا وهو يتراجع للخلف حتى اصطدم بالدولاب، وقال بصوت حاد يملأه الذهول والإنكار مستحيل... أمي وأبويا يعملوا كده؟ كاميرا؟ بيراقبونا؟.
أعدت إشعال النور، وبدأت أفتش في تفاصيل اللعبة بحذر، حتى عثرت على فتحة صغيرة جدًا مستخفية تحت القماش الكثيف عند ثنايا رجله اليمنى، وبداخلها برز سن معدني صغير كأنه مفتاح تشغيل أو منفذ شحن دقيق. كانت يداي ترتعشان بعنف، وشعرت برغبة عارمة في الصراخ والاتصال بحماتي لأقذف في وجهها بكل ما أوتيت من غضب، لكن غريزة الحماية داخلي أخرستني. لم أتصل بأحد من عائلته، ولم أتهم أحدًا في العلن، بل أخرجت هاتفي وصورت الدبدوب من كل زاوية، وركزت على العين المخترقة والكتلة الصلبة في ظهره، ثم وضعته في عمق درج المكتب وأغلقت عليه. تذكرت فورًا أخويا مروان؛ فهو ليس مجرد شقيق، بل رجل شرطة يعمل في قطاع المباحث الجنائية، ويمتلك خبرة واسعة في التعامل مع الجرائم الغامضة. اتصلت به، وجاءني صوته الرصين ليقطع حبل أفكاري المتلاحقة. حكيت له كل شيء بالتفصيل، من أول الخناقة التي دارت قبل ثمانية أشهر، وعبارات حماتي المسمومة لطفلتي، وصولاً إلى علبة الهدية الذهبية والعين الغائرة والوميض الأحمر. استمع إليّ مروان للآخر دون أن يقاطعني بكلمة واحدة، وكنت أسمع زفيره الثقيل عبر الهاتف، مما أكد
مرت ثلاثة أيام كانت الأثقل في حياتي وحياة طارق. تحول بيتنا إلى مقبرة للصمت، كنا ننظر إلى بعضنا البعض بعيون يملؤها الشك والخزي؛ كيف يمكن لأجداد أن يتجسسوا على حياة ابنهم وحفيدتهم؟ هل كان الهدف هو تتبع تفاصيل حياتنا لإيجاد ثغرة يسحبون بها البنت منا؟ أم كانت رغبة مريضة في إثبات أنني أم شديدة وغير صالحة عبر تسجيل لقطات مقتطعة من سياقها؟ في اليوم الثالث، كانت الإجابة تصاغ في مكان آخر. تحركت قوة الأمن بناءً على البلاغ الرسمي والتقرير الفني للمباحث التكنولوجية، الذي أثبت أن الدبدوب يحتوي على جهاز بث لاسلكي متطور وكاميرا دقيقة متصلة بخادم سحابي Cloud يُدار من خلال تطبيق محمل على هاتفين محددين. وفي صباح ذلك اليوم، وقفت سيارة الشرطة قدام باب بيت أهل جوزي في حيّهم الهادئ. نزل الضباط ومعهم مروان، وطرقوا الباب بقوة القانون. فتح حماي الباب والذهول
لم تنتهِ القصة عند لحظة القبض عليهم، بل كانت تلك مجرد بداية لسلسلة طويلة من الصدمات التي لم يكن أحد منا مستعدًا لها.
بعد أسبوع من الواقعة، استدعانا وكيل النيابة مرة أخرى لإطلاعنا على نتائج الفحص الكامل للأجهزة الإلكترونية المضبوطة.
جلستُ بجوار طارق في غرفة الانتظار، وكانت يدي متشابكة مع يده بقوة، بينما كانت ليان في بيت أخي مروان
خرج مروان من المكتب، ونظر إلينا نظرة لم أفهم معناها في البداية.
قال بصوت منخفض
ادخلوا... لكن حضروا نفسكم.
دخلنا.
فتح الخبير التقني جهاز الكمبيوتر أمام وكيل النيابة، ثم بدأ يعرض الملفات التي استخرجها من الهاتف المحمول الخاص بحماتي.
في البداية ظهرت عشرات الفيديوهات.
لكنها لم تكن كلها من بيتنا.
كان هناك تسجيلات لبيوت أخرى...
بيوت أقارب...
وأصدقاء...
بل وحتى منزل شقيقة حماتي نفسها.
اتضح أن الدبدوب لم يكن أول كاميرا سرية تستخدمها.
بل كانت تمتلك هوسًا غريبًا بمراقبة الجميع.
كانت تحتفظ بكل شيء.
مشاجرات عائلية.
خلافات بين الأزواج.
بكاء أطفال.
حتى الأحاديث الخاصة التي يفترض ألا يسمعها أحد.
وكانت تكتب تحت كل ملف ملاحظات غريبة.
يصلح للضغط.
وقت مناسب للتشهير.
دليل لو احتجته.
شعرت بقشعريرة تسري في جسدي.
لم أكن أمام امرأة متسلطة فقط...
بل أمام شخص اعتاد تحويل أسرار الناس إلى أسلحة.
لكن الصدمة الأكبر جاءت بعد دقائق.
فتح الخبير ملفًا يحمل اسم ليان.
توقفت أنفاسي.
ظننت أن الكاميرا صورت شيئًا داخل بيتنا.
لكن الحقيقة كانت مختلفة.
كانت هناك عشرات الصور القديمة لابنتي منذ ولادتها.
صور لم نرسلها لها.
وصور التقطتها بنفسها في زيارات قديمة قبل المقاطعة.
وكانت تجمعها كلها في مجلد واحد.
ثم كتبت أسفله عبارة واحدة
لازم
نظر طارق