قبل ما جوزي يموت بدقايق
لي كل حاجة.
أبو أحمد كان راجل ذو نفوذ وقوة في منطقتهم القديمة. الناس كلها بتهابه وبتحترمه. كريم وشهم برة البيت، ومجرم ووحش جوه بيته. قبل وفاته بسنين، جاب بنت صغيرة يتيمة تشتغل عندهم اسمها كريمة. كان عندها ستاشر سنة. ملهاش أهل ولا صوة ولا عزوة.
تجوزها فى السر و لما كريمة حملت، اختفت فجأة من المنطقة والكل افتكر إنها هربت.
بس هي مهربتش..
هي ماتت وهي بتولد في عيادة مستخبية تحت بئر سلم في طريق بنها.
والطفلة أخدوها بعيد، اتقلت من إيد لإيد، وحبسوها في أوض ضيقة، ولما عيت وبقت مش قادرة تتحرك رجعوها تاني.
الحاجة سعاد مكتشفتش الحقيقة دي غير بعد ما جوزها مات، لما لقت حسابات وورق دافع قديم وجوابات.
الطفلة دي تبقى أخت أحمد من الأب..
تارا.
ولما سعاد حاولت تحكي للعيلة وتكشف السر، أخو أحمد الكبير هددها إنه هيحجز عليها في مصحة للأمراض العقلية. مكنش عايز فضايح، ولا عار، ولا عيلة تشارك في الميراث والأملاك.
وأحمد عرف السر ده كله من حداشر سنة!
وفي نفس الوقت ده.. اشتري الشاليه ده في العين السخنة.
وجاب تارا وكريمه يعيشوا هنا.
مش عشان دى مراته الثانية..
دي أخته المستخبية.. الجرح الحي اللي بيمشي على الأرض!
مكنتش قادرة أخد نفسي، وهمست طب ليه مقاليش؟ ليه مخبي عليا؟
عينين ناهد اتملت دموع كان عايز يقولك، وكتير أوي كمان. بس بنتك كانت صغيرة، وبيتك كان هادي ومستقر. وأخوه الكبير كان حاطط عيون ومراقب كل خطوة، وكان فيه تهديدات بقضايا ومحاكم. أحمد كان خايف ياخدوا تارا منه ويرموها أو يقتلوها قبل ما يقدر يثبت ورقها ويأمنها.
قلت بصدمة أخوه؟
عقلي فجأة جاب صورة مدحت وبان قدام عيني.. أخو أحمد الكبير، اللي كان واقف جنب الترب في العزا، بيمسح دموع تماسيح من على
ناهد هزت راسها مدحت عارف إنها عايشة، بس عمره ما عرف يوصل للمكان ده. أحمد خلاني أحلف إني مأفتحش الباب لأي حد مهما كان، إلا لو معاه المفتاح اللي فيه وردة الأوركيد.
صوابعي قفلت على المفتاح النحاس وجمدت عليه طب والصورة؟ سألتها، أنتي كنتي حامل فيها!
ناهد نزلت راسها في الأرض بخجل مكنتش حامل.. كنت مخبية الدوسيهات والملفات الطبية تحت الفستان والساري. في اليوم ده، كان فيه حد بيراقبنا وماشي ورانا من القاهرة، فأحمد خلاني أقف الوقفة دي عشان محدش يشك في اللي أنا شايلاه ومخبياه.
الصورة اتحفرت في ذاكرتي وولعت فيها. الإيد اللي على البطن.. ضحكة جوزي..
صورة واحدة ولقطة واحدة كانت هتهد اتنين وعشرين سنة من عمري وعشرتي!
الحقيقة ساعات بتكون قاسية.. مش عشان هي دايما أوحش.. ساعات بتكون قاسية لأنها بتيجي حلوة بس بعد فوات الأوان.
تارا ندهت بصوت واطي من البلكونة يا أبلة؟
لفيت وشي..
كانت باصة لي أنا.. مش لناهد.
باصة لي وبتقولي أنتي ميرفت بتاعة بابا؟
قلبي اتقسم نصين في الحتة اللي كنت قفلاها وكاتماها من ساعة ما دخلت المستشفى. قمت براحة ورحت لها.
لما قربت منها، كانت رقيقة وضعيفة زي لمبة ورق في وسط ريح ومطر. صوابعها كانت متلوية، ومعصم إيدها رفيع جداً، بس عينيها.. عينين عيلة شاكر المستحيلة دي.. كانت بتبص في وشي وبتحقق فيه بثقة أنا مستحقهاش ولا عملت حاجة عشان آخدها.
همست لها أيوه يا حبيبتي.. أنا ميرفت.
ابتسمت وقالت بابا كان بيقول إن ريحتك بتبقى شبه الياسمين لما بتزعلي وتغضبي.
من غير ما أحس، ضحكت..
وبعدين عيطت.
مش بصوت عالي، ولا بمنظر جميل.. كنت بعيط بسكات، وحاطة إيدي على بوقي، والمطر بيخبط في السقف،
ناهد لفت وشها الناحية التانية عشان تحترم خصوصيتي ودموعي.
تارا رفعت إيدها الضعيفة ولمست معصم إيدي بابا تأخر أوي المرة دي.
قعدت على ركبي قدامها تارا...
إزاي الواحد ممكن يقول لطفلة الدنيا أصلاً رمياها ومخليها عنها، إن الراجل الوحيد اللي رجع عشانها واهتم بيها.. مش هيرجع تاني أبدًا؟
قلت لها هو عند ربنا دلوقتي.
ابتسامتها اختفت هيقعد كام يوم هناك؟
غمضت عيني ودموعي نازلة على طول يا تارا.. مش هييجي تاني.
فضلت تبص لي وقت طويل أوي وهي ساكتة.. وبعدين لفت وشها للمطر برة وقالت بصوت يقطع القلب طب ومين اللي هيجيب لي ورد الأوركيد بعد كده؟
السؤال ده دمر ناهد تمامًا، وانفجرت في العياط ودفنت وشها في طرحتها.
مسكت إيد تارا، ولأول مرة من ساعة ما أحمد مات، فهمت نظرة الرعب والخوف اللي كانت في عينيه وهو بينازع.
هو مكنش خايف إني أكتشف خيانته..
هو كان مرعوب وميت من الخوف إني أمشي وأسيب الحمل والواجب اللي هو ملحقش يكمله!
في الليلة دي، أنا قعدت ومشيتش.
ناهد عملت شاي، ماشربتهوش. تارا نامت بعد ما أخدت دواها، وكانت لافة صوابعها على دلاية الأوركيد اللي أنا أديتهالها من غير ما أفكر.
على نص الليل، ناهد سلمتني جواب أحمد الأخير.
قالت لي هو قالي مدهولكيش إلا لو جيتي بنفسك هنا.
فتحت الجواب تحت النور الأصفر الضعيف
ميرفت حبيبتي،
لو أنتي واقفه هنا وبتكتبي أو بتقري الكلام ده، يبقى أنتي كسرتي وعدك ليا.. ولأول مرة في حياتي أكون فرحان وممتن إنك مسمعتيش كلامي.
أنا كنت عايز أحميكي من ذنب أبويا، ومن جشع وطمع أخويا، ومن جبني أنا شخصيًا. بس الحماية دي تحولت لاسم تاني وهو الكدب.
تارا ملهاش ذنب، وناهد ملهاش ذنب.
فيه دوسيه وملف مستخبي ورا برواز صورة آية الكرسي اللي في الصالة، فيه كل الورق والمسندات اللي تثبت حق تارا في ورثي ونصيبي من أملاك العيلة القديمة.
أنا ملحقتش أمضي على كل الأوراق في الوقت المناسب..
سامحيني..
ولو المسامحة دي كتيرة عليا وصعبة، على الأقل اعملي الحاجة الوحيدة اللي أنا فشلت أعملها..
خديها معاكي البيت، ورجعيها بيتها.
إيديا كانت بتهتز لدرجة إن الكلام زغلل في عيني.
ورا برواز آية الكرسي، لقيت دوسيه بني. جوه كان فيه عقود ملكية، تحاليل DNA، كشوفات حساب بنكية قديمة، وطلب قضائي مش ممضي.
وكان فيه كمان فلاشة Pen Drive ملزوقة ببلاستر في ضهر الدوسيه.
وقبل ما أسأل ناهد الفلاشة دي عليها إيه.. أنوار فوانيس عربيات ضربت في الشباك المغرقان مية برة وجت على وشنا!
ناهد اتجمدت في مكانها من الرعب.
محدش فينا بقا بيتحرك.
فيه عربية وقفت برة الشاليه.. وبعدين عربية تانية.. وعربية تالتة!
تارا صحيت وهي بتصرخ صرخة مكتومة وخايفة.
ناهد وشوشت برعب لأ.. مش ممكن!
تليفوني نور في ضلمة الأوضة.
تلاتة وعشرين مكالمة فائتة من بنتي آية..
وراسلة جديدة من رقم مجهول.
فتحت الرسالة، كان مكتوب فيها
مدام ميرفت، كان أكرم لك تسمعي كلام جوزك وتنفذي وصيته.
وبرة.. الباب الأزرق اتخبط عليه تلات خبطات بطيئة ومرعبة.
وبعدين طلع صوت مدحت أخو جوزي من ورا الخشب، كان بيتكلم بنبرة ناعمة وحنينة بس كلها سم وتقرف
يا مدام ميرفت.. يا مرات أخويا العزيزة.. افتحي الباب. إحنا جايين عشان نتكلم في موضوع البنت الصغيرة دي.
ومن ورايا.. كانت تارا ضامة مفتاح الأوركيد على صدرها وبتترعش وهي بتموت من الخوف.
وقف قلبي لثواني