قبل ما جوزي يموت بدقايق
كانت نازلة على الإزاز الأمامي وكأن العالم كله بيسيح وبيعيط. العربيات النقل كانت ماشية بتزحف وسط الضباب، والجبال على جانبين الطريق كانت طالعة زي وحوش ضخمة نايمة. تليفوني رن سبع مرات ورا بعض.
دي آية.
مكنتش قادرة أرد عليها.
هقولها إيه؟
أبوكي كان عنده شاليه سري؟
أبوكي كان مخبي ست؟
يمكن أبوكي يكون عنده ابن أو بنت تانية؟
التاكسي وقف قدام بوابة حديد مصدية أول ما الشمس غابت. الممر كان ضيق، الحشيش والزرع مالي المكان ومغطي الأرض، واليافطة اللي على البوابة كان مغطيها الخمار والتراب، بس كان مكتوب عليها فيلّا شاكر.
كنت هضحك من كتر الوجع.
حتى كدبه.. واخد اسم عيلتنا!
أديت السواق فلوس زيادة عشان يستناني، بس رفض وخاف يا مدام، مفيش شبكة هنا خالص والجو بيقفل.. أنا مش هقعد دقيقة واحدة.
وبعدها، أنوار الفانوس الأحمر بتاعة التاكسي اختفت وسط الضباب، ووقفت أنا لوحدي في الضلمة والمطر، وفي إيدي مفتاح جوزي الميت.
البوابة زيّت وطلعت صوت عالي ومزعج وأنا بزقها.
الشاليه كان مستني في آخر الممر الصخري، بالظبط زي ما شفته في الصورة. سقف أحمر، باب أزرق، وورد الأوركيد مغطي الحيطة.
بس كان فيه علامات حياة!
وفيه شبشب حريمي محطوط عند الباب.
والألعن من كده.. إن من جوه الشاليه، كان فيه صوت دندنة خفيف.. ست بتغني.
بتغني هدهدة أطفال عشان يناموا.
نفسي اتكتم..
أنا عارفة النغمة دي كويس أوي!
أحمد كان دايما بيدندن النغمة دي ل آية وهي لسه لحمة حمراء في السرير، كان دايما بيغنيها بصوت وحش برة اللحن.
طلعت السلالم..
صوابعي كانت بترتعش لدرجة إن المفتاح خبط في القفل وتجرح تلات مرات قبل ما أعرف أدخله في الخرم.
وقبل ما ألف المفتاح عشان أفتح.. الباب اتفتح لوحده!
كانت واقفة ست هناك.
مكنتش صغيرة في السن..
دي كانت أول
أنا كنت متوقعة هلاقي مراته التانيه، غندورة صغيرة وعينيها شريرة وحاطة روج على الكوباية. كنت مستنية أشوف ملامح كسوف، أو تناحة وغرور، أو حتى ذنب.
لكن الست اللي كانت واقفة قدامي كانت تقريبا في نفس سني. رفيعة، وشها باهت، شعرها مخصله الشيب الأبيض وملموم في ضفيرة سايبة. الفستان الأصفر اللي لابساه كان قديم بس نظيف وزي الفل. عينيها كانت واسعة وتعبانة، شبه عينين حد فضِل مستني كتير لدرجة إن الأمل جواه تحول لجرح بينزف.
ولثانية واحدة غريبة، ابتسمت وقالت بهمس أحمد؟
وبعدين شافتني و ميزتني كويس..
الابتسامة ماتت على وشها.
والمطر كان نازل بيننا بيفصلنا.
سألتها أنتي مين؟
رجعت خطوة لورا وكأن القلم نزل على وشها أنتي ميرفت..
لما سمعت اسمي بيطلع من بقها، حسيت إن جسمي كله بيولع نار أيوه أنا.
سندت بإيدها على حلق الباب عشان تثبت نفسها ومتقعش هو مات.. مش كده؟
مردتش عليها.
غمضت عينيها.. وطلع منها صوت.. مكنش صريخ، ولا شهقة، كان حاجة مكسورة وطالعة من مكان غريق جوة الروح، مكان ملوش كلام يوصفه.
أنا كرهتها في اللحظة دي بسبب الصوت ده!
ملهاش أي حق تعيط عليه وتتوجع بالمنظر ده.. ملهاش حق!
سألتها أنتي كنتي عارفة إنه عيان؟
هزت راسها قطع يجي من ست شهور.. وبعدها الفلوس كانت بتوصلني عن طريق البواب.. وبعدين مفيش حاجة بقت تيجي. أنا فهمت لوحدي.
كررت الكلمة وراها فلوس؟
فتحت عينيها وقالت برقة اتفضلي ادخلي جوه.
قلت لها بجفاء أنا مش جاية أشرب شاي.
قالت لي بصوت واطي عارفة.. أنتي جاية عشان الحقيقة.
جوه الشاليه، المكان كانت ريحته خشب صندل، رطوبة، وريحة أدوية.
مفيش أي مظاهر رفاهية ولا دلع. مفيش ستاير حرير، ولا مظاهر قصة حب مستخبية، ولا صور عشاق على الحيطة.
بدل كل ده، كان فيه كتب
وبعدين شفت الكرسي المتحرك!
كانت قاعدة عليه بنت في آخر الصالة ناحية البلكونة.
مكنتش طفلة صغيرة..
دي كانت مراهقة، يمكن عندها ١٠ سنين.
جسمها كان نحيل وضعيف، رجليها متغطية بشال، وشعرها مقصوص قصير. وشها كان باصص ناحية المطر برة، وكانت مبتسمة لحاجة مفيش حد شايفها غيرها.
قلبي وقف..
الست مشيت ورا نظرات عينيا وقالت دي تارا.
تارا..
بنت أحمد!
الفكرة دخلت في صدري زي السكينة اللي بتدبح.
البنت لفت وشها أول ما سمعت اسمها..
وعينيها جت في عينيا..
كانت عينين أحمد بالظبط! نفس العينين اللي قضيت اتنين وعشرين سنة ببص فيهم على سفرة العشا، وفي سراير المستشفيات، وعلى رصيف المحطات، وفي أيام الأحد الصبح.
العينين أهي تاني.. بس في وش تاني خالص.
ركبي سابت ومبقتش شايلاني، الست جريت عليا أرجوكي اتفضلي اقعدي.
زقيت إيدها بعيد عني متلمسينيش!
تسمرت مكانها..
والبنت اللي على الكرسي بربشت بعينيها براحة وقالت بابا؟
مكنش سؤال.. ده كان شبه الدُعا والتمني.
الست راحت لها بسرعة وقعدت على ركبها جنبها لأ يا تارا.. ده مش بابا.
وش البنت اتقبض وزعلت بس بابا وعدني هيجيب لي ورد أوركيد.
زوري اتقفل ومبقتش قادرة أطلع النفس.
أحمد جاب لي ورد أوركيد البيت مرة واحدة زمان، من حداشر سنة بالظبط. بنفسجي. وأنا فاكرة اليوم ده كويس لأن استغربت وقتها.
سألته بدلع وهزار الورد ده لمين يا سيدي؟
قال لي عشان نجدد بيه روح البيت.
وأنا صدقته..
يا رخص الثقة لما بتتباع وتتشري بالسهولة دي!
سألت الست عندها كام سنة؟
قالت لي عشر سنين.
بحملق فيها باستغراب بس باين عليها أكبر من كده!
ردت هي عيانة من سنين طويلة، ومكبرتش من وقت ما جالها حمى شديدة.
زعقت فيها
الست نزلت راسها في الأرض وقالت تاني عشر سنين.. نموها وقف بعد السخونية.
سألتها والكلمة بتطلع بالعافية من بوقي وأبوها؟
الست بصت لي ساعتها، وملمحتش في عينيها لا انتصار ولا بجاحة، مكنش فيه غير الرعب والخوف أحمد مكنش أبوها.
الأوضة سكتت تمامًا ومبقاش مسموع فيها غير صوت المطر برة.
ضحكت بمرارة بس دي عينيه بالظبط!
همست وهي بتموت من الخوف أيوه.. لأنها أخته!
حسيت إن الأرض بتتسحب من تحت رجلي إيه؟ أخته إزاي؟
الست قامت براحة وكأن كل عظمة في جسمها بتوجعها أبوها يبقى ابو أحمد برضه!
زعقت أنتي مجنونة؟ ده مستحيل!
قالت لي لأ مش مستحيل.. بس الحكاية قبيحة وتوجع.
مشت لحد صندوق خشب تحت السلم وفتحته. طلعت منه دوسيه بلاستيك ملفوف بقماش. إيديها كانت بترتعش وهي بتمدهولي.
مكنتش عايزة آخده.. بس أخدته.
جوه الدوسيه كان فيه تقارير مستشفى، شهادة ميلاد، وجوابات قديمة.
اسم البنت كان تارا شاكر.
الأب شاكر
أنا عارفة الاسم ده كويس أوي ابو احمد!
تارا اتولدت لما كانت سعاد حماتى عندها واحد وستين سنة!
همست لأ.. مش ممكن.
وش الست اتلوى من الحزن مش اتولدت من بطنها.. دي اتولدت من عارها!
قعدت قدامي ولمت إيديها في حجرها وقالت أنا اسمي ناهد. كنت ممرضة في دار الرعاية الخاصة اللي الحاجة سعاد قعدت فيها بعد ما جتلها الجلطة. مكنتش قادرة تتكلم كويس، بس كانت بتعرف تكتب. وفي ليلة عاصفة ومطيرة، سابت لي ورقة.
ناهد فتحت ورقة تانية وحطتها قدامي.
الخط كان معوج ومكسر، بس أنا ميزته وعرفته من قوائم طلبات البيت القديمة ووصولات التبرع للجوامع هو مخبي البنت.. خدوها منه.
إيديا سقعت وبقت زي التلج مين اللي مخبيها؟
صوت ناهد وطي أوي وهي بتقول أبو أحمد.
بحملق فيها ومش مصدقة بس الحاج شاكر مات من
قالت ناهد أيوه مات.. بس مماتش راجل صالح.
الأوضة كأنها ضلمت أكتر.
ناهد حكت