أبويا رجع بعد عشرين سنه غياب
وصور قديمة، وشريط كاسيت ملفوف في كيس بلاستيك
بقالي عشرين سنة بعيد.. عشان ميرفت كانت ممشية ورايا ناس مراقبة كل شبر ممكن أظهر فيه.
أمك كانت عارفة، وحلفتني وقالت لي لو جرالي حاجة متقربش من البنت ولا تظهر إلا وأنت معاك الدليل اللي يوديهم في داهية ويحبسهم.
عينيا حرقاتني منوع والدموع نزلت أنت سيبتني أعيش وأنا فاكرة إنك بعتني وسبتني؟!
شفايفه اتهزت بوجع أيوه.
الصراحة والاعتراف ده وجعني أكتر من أي عذر كداب.
سألته وصوتي مخنوق ليه؟
عشان أمك وهي بتموت رجتني وقالت لي حافظ على البنت تعيش.. قبل ما تدور على براءتك يا رأفت.
ميرفت ضحكت تاني، بس المرة دي الضحكة كان طالع معاها صوت غُلب وكسرة مدارية براءتك؟ أنت كنت حتة سواق! شمام ومقضيها قعدات.. راجل ملوش عازة هرب من ديونه وساب مراته!
أبويا بص للظباط ومالتفتش ليها مراتي، ميرفت الشناوي، كانت شغالها مساعدة حسابات في أول شركة فتحتها ميرفت الألفي.. وفي سنة 2004، مراتي لقت دفاتر وورق يخص نقل ملكية أراضي بطرق غير قانونية، وجمعيات طبية وهمية، وبوالص تأمين على حياة ستات غلابة.. والستات دول كلهم ماتوا بعد كده في حوادث!
الجو على الرصيف بقى ساقع ومرعب.
بصيت لميرفت.. منكرتش! كانت باصة لأبويا بغل وكره يعمي.
همست بصوت مكسور أمي كانت عارفاكي؟
عين ميرفت جت عليا.. ولأول مرة في اليوم ده، ابتسمت لي ابتسامة حقيقية، كأنها شايفة كارما بجد يااااه.. ده أنا كنت عارفاها كويس أوي.
جسمي قشعر.
كملت ميرفت ببرود أمك كانت غبية.. زيك بالظبط.. الستات الحلوة اللي طالعة من بيوت فقر دايماً فاكرين إن الحق ده سلاح.. مبيفهموش إن الحق ملوش عازة إلا لو في حد قوي وعنده سلطة عايز يسمعه!
متحكمتش في نفسي.. وقبل ما حد يلحقني.. طاخ!
ضربتها بالقلم على وشها!
العقد
ميرفت لفت وشها ليا ببطء.. مكنش على وشها علامات صدمة.. كان فيه وعيد وشر هتندمي على القلم ده ندم عمرك كله يا كارما.
رديت عليها وأنا بنهج أنا ندمانة فعلاً.. ندمانة إني اتجوزت ابنك!
سيف اتهز كأني ضربته هو كمان بالقلم كارما.. أنا مكنتش أعرف كل حاجة!
لفيت عليه وزعقت بس كنت عارف إن في عربية! وعارف إن في ورق! وعارف إني مش عايزة أركب ومع ذلك كنت ماسك دراعي وبتجبرني!
شفايفه اتفتحت.. ومعرفش ينطق بكلمة.. والسكوت ده كان الإجابة الكاملة.
الظابط خد الشنطة الجلد من مريم وفتحها وبدأ يقلب في الورق بتركيز.. وشه كان بيقفل وبيقسى مع كل ورقة بيقراها طلب دخول مستشفى أمراض عقلية.. تقرير فحص طبي ونفسي.. تنازل عن أملاك ومنقولات عقارية.. محضر حادثة طريق جاهز.. وتصريح دفن وجنازة!
معدتي اتلوت وقلبت.. تصريح دفن!
مش علاج.. مش مستشفى.. دول كانوا مرتبين جنازتي وموتي من قبل ما أقطع تورتة الفرح حتى!
ميرفت ضمت إيديها ببرود وثبات الورق ده كله مزور وملوش أي أساس.
المحامية نجوى انهارت وبدأت تعيط وتصرخ لأ يا فندم أرجوكي ملوش أنا.. أنتي اللي قولتلي جهزي كل ده! أنتي اللي قولتلي بعد المهدئ ما يشتغل مش هتقاوم.. وقولتلي إن السواق عارف الطريق وهيقلب العربية فين بالظبط!
السواق لما سمع الكلام ده، حاول يهرب ويجري.. بس أبويا كان أسرع.
رغم سنه، كان زي الأسد.. مسك السواق من ياقة قميصه ورزعه في العربية الشيروكي بقوة لدرجة إن الورد اللي على المرايات اتقطع واترمى على الأرض.. وزعق فيه أنت لمست بنتي يا كلب!
الظباط دخلوا وفكوا بينهم وكلبشوا السواق.
الناس كلها كانت طلعت تليفوناتها وبتصور.. الكاميرات
ميرفت لما لمت الكاميرات والتليفونات، اتقلب حالها في ثانية.. وشها انكمش، وحطت إيدها على خدها اللي ضربتها عليه وبدأت تعيط وتولول مرات ابنى اتجننت! البنت مش في وعيها ومضغوطة بسبب الفرح.. والراجل ده جاي يسمم دماغها يوم دخلتها.. أرجوكي يا كارما يا بنتي.. قولي لهم الحقيقة!
مدت إيدها عشان تمسكني.. رجعت خطوة لورا.
دموعها نشفت واختفت قبل ما تنزل على دقنها حتى.. في اللحظة دي فهمت إن أبويا مجاش ينقذني من سوء تفاهم.. ده جه ينقذني من مفرمة.. وأنا كنت داخلة المفرمة دي برجليا ولابسة فستان فرحي.
الظابط سأل أبويا وفين الأدلة الأصلية والمستندات القديمة اللي معاك؟
أبويا بصلي وقال في الخزنة.. الخزنة بتاعة ميرفت الشناوي أمي.. والمفتاح كان مستخبي في السحارة القديمة بتاعتها.
قلبي وقف وصل النذر بتاع المسجد!
أبويا هز راسه ورا برواز جوه السحارة.
افتكرت البرواز الخشب الصغير اللي شفته الفجر ورجعته مكانه من غير ما أبص وراه.. الخشب كان قديم والضهر بتاعه مهزوز.. أمي كانت سايبالي أول الخيط.. وأنا بغبائي كنت هضيع كل الإشارات.
ميرفت شكلها فهمت اللعبة، عشان ملامح وشها اتغيرت.. مكنش خوف.. كان حسابات وخطط بتترتب في دماغها.. بصت لسيف بلمحة سريعة ومفيهاش كلام.. بس الواد أطاعها فوراً.
قرب مني وصوته بيرتعش كارما.. عشان خاطري.. أياً كان اللي ماما عملته بلاش نفضح الدنيا في الشارع والفضائيات.. هنقعد ونتكلم ونحل كل حاجة.. أنا وأنتي هنصلح ده.. أنا بحبك.
بحبك؟ الكلمة بقت مقرفة ومشوهة وهي طالعة من بقه.
سألته وأنا باصة في عينه أنت كنت هتقعد في القاعة والكوشة ومستني المعازيم وأنت عارف إنهم بيموتوني؟
عينيه اتملت دموع لأ..
كنت هتسأل عليا وتقول مراتي فين؟
بلع ريقه ماما قالت لي إنهم هياخدوكي
أرتاح؟ ضحكت ضحكة مكسورة طالعة بدموع أهل بيتك مجهزين ورق دفتي وتصريح الجنازة يا سيف!
أنا مقريتش الورق!
أنت مكنتش عايز تقراه.. كنت مغمي عينك بمزاجك!
الكلمة دي قضت عليه تمامًا.. كتافه نزلت.. وفي الثانية دي، شفت العيل الصغير اللي جوه البدلة.. عيل ضعيف.. مرفه.. ومرعوب.
همس بضعف أنا آسف.
تمنيت لو كان أنكر أو زعق.. كلمة آسف دي صغيرة أوي ورخيصة قدام المصيبة اللي كان هيعملها.
البوليس سحب تليفون ميرفت.. ومقاومتش.. والموضوع ده قلق أبويا أوي.. بدأ يبص حواليه بشك، على الشبابيك، العربيات، ووشوش الناس في الشارع.
وقال بسرعة كارما.. لازم نروح نجيب مفتاح الخزنة دلوقتي حالا.
الظابط كشر البنت هتيجي معانا المديرية عشان تدي أقوالها.
أبويا زعق ميرفت مش شغالة لوحدها يا فندم! أول ما الموضوع ده يتسرب والناس تعرف، الخزنة دي هتبقى أول حاجة هيحاولوا يوصلوا لها ويدمروها!
ميرفت ابتسمت.. ابتسامة خفيفة أوي.. الابتسامة دي خلت الدم يتجمد في عروقي.
الظابط لقط اللمحة دي وقالي السحارة فين؟
قُلت في شقتي.. في الهرم.
الظابط قال في اللاسلكي وجهوا قوة لشقة الهرم فورًا.
أبويا هز راسه برفض ست الشغالين وصاحبة البيت معاهم نسخة من المفتاح.. أي حد يقدر يدخل الشقة قبل ما القوة بتاعتك توصل!
ابتسامة ميرفت وسعت أكتر.
وفي اللحظة دي.. تليفوني هز في إيدي.. رقم غريب.. بصيت للشاشة وفتحت الخط.
مكنش في صوت في الأول.. مجرد نَفَس عالي ومخنوق.
وبعدين صوت ست عجوزة بتوشوش برعب كارما يا بنتي.. إياكي تيجي الشقة!
قلبي طلع في حنجرتي مين معايا؟
أنا أم أحمد جارتك.. في الشارع تحت.. في راجلين غراب طلعوا شقتك، قالوا إنهم من شركة الفراشة والديكور بتاعة الفرح.. وكسروا الكالون ودخلوا الشقة!
أبويا شتم بصوت
بصيت لميرفت.. كانت