أبويا رجع بعد عشرين سنه غياب
ليها وقولت بصوت مخنوق كلمي أبويا.
مريم اتسمرت مكانها إيه؟!
كلميه فورًا!
في اللحظة دي، ميرفت حماتي جت علينا بسرعة.. صوتها ناعم بس عينيها زي الموس كارما يا حبيبتي.. في إيه مالك؟
المحامية نزلت من العربية يا مدام كارما، الفرح والقاعة مش هيفتحوا من غير إمضتك.. بلاش نعمل شوشرة وتعطيل ملوش لزمة.
سألتها ورق إيه ده؟
إقرار ذمة مالية عادي بتاع الجواز.
أنا لسه ماضية جوه في المحكمة والشهر العقاري!
ده توثيق داخلي يخص العيلة والشغل.
ريقي نشف تمامًا خلاص.. سيف يمضي معايا.
المحامية بصت لميرفت.. باصة سريعة.. خاطفة.. ومميتة.
ميرفت قربت ومسكت معصم إيدي..
يا بنتي بلاش عناد في أول يوم ليكي.. البنت العاقلة بتسمع كلام كبارها وتثق فيهم.
بصيت لإيدها اللي كبساني.. وبعدين للشنطة الجلد السودا.. وقولت بقوة افتحي الشنطة.
برقت عينيها إيه؟
بقولك افتحي الشنطة وريني الورق!
قبضة إيد ميرفت اتشدت أكتر.. وسيف جه في اللحظة دي.. نَفَسه مقطوع.. وال غضب باين ورا ابتسامة العريس المزيفة كارما.. إيه الدوشه اللي بتعمليها دي؟ في إيه؟
بصيت في عينه أنت اللي باعت العربية دي يا سيف؟
مردش بسرعة.. تردد.. والتردد ده كان الإجابة الكاملة.
عدت سؤالي أنت اللي باعتها؟
وطى صوته وفحيحه بقى زي التعبان اركبي العربية وانتي ساكتة عشر دقائق.. أمي عارفة هي بتعمل إيه كويس.
حسيت إن روحي بتسحب.. أبويا مكنش صح في نص الكلام.. ده كان صح في كل كلمة!
نترت إيدي من ميرفت وقُلت مش راكبة.
وش ميرفت اتقلب في ثانية.. الست الطيبة الحنينة اختفت.. وظهر مكانها وش قاسي، قديم، ومليان شر أنتي خلاص مضيتي وبقيتي مراته.. م تفتكريش إنك لسه ليكي حق الاختيار!
وقبل ما أتحرك، السواق مسكني من كوعي جامد.. مريم صرخت.. وكل حاجة حصلت في ثانية.. المصور
وفجأة.. صوت فرملة عربية فيرنا بيضا هز الشارع كله.. وقفت على المحور ورا الشيروكى.. الباب انفتح.. ونزل منها أبويا.
مكنش العجوز التعبان بتاع امبارح.. عينيه كانت بتطلع شرار.. وزعق بصوت زلزل المكان سيب بنتي!
ميرفت اتجمدت مكانها.. والدم هرب من وشها تمامًا ولطمت بوشوشة رأفت...
سيف بص له باستغراب أنتي تعرفيه يا أمي؟
أبويا مشي في اتجاهنا.. خطوة خطوة.. زي راجل داخل مكان حياته اتدمرت فيه زمان.. وبص لميرفت وقال أنا أعرف أمك كويس أوي يا سيف.. وأعرف هي عملت إيه في أم كارما زمان!
الرصيف كله سكت.. ميرفت ضحكت ضحكة صفرا، مهزوزة الراجل ده مجنون ومخرف.. ده هرب وساب بنته وهي لحم حمرا.. متسمعوش كلامه.
أبويا طلع ظرف قديم من جيب جاكيته وقال وهو عينه في عين ميرفت مبيشيلهاش كارما.. الست اللي واقفه قدامك دي وبتقولي عليها حماتك.. كانت آخر واحدة شافت أمك الليلة اللي أمك وقعت فيها من على سلم المستشفى!
نفسي هرب.. أمي ماتت بسكتة قلبية.. ده اللي قالوهولي.. ده اللي عشت بيه طول عمري.. سكتة قلبية! مش وقعة.. مش مستشفى.. ومش ميرفت!
سيف لف لأمه ووشه جايب ألوان أمي؟ الكلام ده إيه؟
ميرفت زعقت بعصبية كداب! الراجل ده كداب!
أبويا رفع الظرف لفوق وصوته بقى جهوري طب خلي المحامية بتاعتها تفسر لنا.. هي شايلة ليه في الشنطة السودا دي إقرار طبي بيقول إن كارما مريضة نفسيًا وغير مؤهلة، وعقد تنازل عن شقة أمها، وتفويض طبي بحالة طوارئ متمضي ومكتوب من قبل ما البنت تركب العربية حتى؟!
المحامية نجوى رجعت لورا خطوتين وعايزة تهرب.. بس على مين؟ مريم صاحبتي، بذكاء وسرعة، مدت إيدها من ورا السواق وخطفت الشنطة الجلد
المحامية حاولت تهجم عليها وتاخدها.. بس أبويا وقف في طريقها وحجزها بجسمه.
مريم فتحت الشنطة.. وطلعت الورق.. وإيديها بدأت تترعش ووشها بقى لونه زي الليمونة.. وبصتلي بصدمة كارما...
في إيه يا مريم؟ انطقي!
بلعت ريقها بالعافية وقالت جوه الشنطة.. في تقرير حادثة!
ركبي سابت ومبقتش شيلاني حادثة مين؟
مريم بصت للأرض وقالت بصوت مرعوب حادثتك أنتي.. بتاريخ النهارده.. والساعة مكتوبة بعد معاد الفرح بكام ساعة.. والسبب مكتوب بصيغة قانونية نظيفة حادث سير أليم للعروسة أثناء سفرها بمفردها!
بصيت لسيف.. كان وشه مرعوب.. بس مكنش شكل حد بريء ومصدم.. كان شكل حد عارف ومشارك، وخايف من الفضيحة والحبس.. مرعوب مش أكتر.
ميرفت جزت على سنانها ووشوشت بغل بنت غبية.. مكنتش عارفة تقصدني أنا، ولا تقصد المحامية اللي بوظت الدنيا، ولا تقصد نفسها.
أبويا قرب مني خطوة.. وبص لسيف بنظرة خلت سيف يسيب دراعي تلقائيًا ويخاف، وأبويا قالي والجملة دي نزلت عليا زي الصاعقة
كارما.. أمك مماتتش عشان أنا سبتكم وهربت..
صوته اتشرخ ودموعه نزلت أمك ماتت عشان ميرفت عملت معاها نفس الفخ ده بالظبط من عشرين سنة.. وأنا هربت بيكي عشان أحميكي!
الكلام موصلنيش كله مرة واحدة.
وقع عليا زي زجاج مكسر بيغرز في جسمي.
أمي.
نفس الفخ.
ميرفت.
الموت.
في اللحظة دي، مكنتش واقفة بره مكتب التوثيق بفستاني الأبيض والطرحة، والناس بتتفرج عليا والدموع سايحة مع الكحل.
أنا رجعت طفلة عندها خمس سنين تاني.
واقفة جنب الشباك.
حاضنة عروستي المكسورة.
وبسأل أمي هو بابا مش هيرجع البيت تاني ليه؟
وأمي، بعينين ورمامة من العياط وإيدين بترتعش، مكنتش بتقول غير جملة واحدة في ناس بيمشوا يا كارما.. عشان لو قعدوا، وجودهم هيموت الكل.
عشرة وعشرين
دلوقتي بس، الجملة دي اتفتحت جوايا زي الجرح اللي بينزف.
ميرفت لفت لأبويا وابتسمت ابتسامة باردة وساقعة، ابتسامة متطلعش من وش بني آدم أبدًا أنت لسه لسانك ومطوتك حامية في الكلام والدراما يا رأفت.
أبويا مرمش حتى وانتي لسه فاكرة إن فلوسك تقدر تِدفن الجثث وتداري العار.
سيف كان بيبص بينهم، وشه بقى أبيض زي الملائفة ومرعوب ماما.. هو الراجل ده بيقول إيه؟
وفجأة.. طاخ!
ميرفت ضربته بالقلم!
قلم قوي، صوته رن على الرصيف كله وكل الناس سكتت.
جزت على سنانها وقالت له بفحيح اقف راجل! متتصرفش قدام الشغالين والناس زي العيل الخايف!
في ثانية واحدة، في حاجة جوايا اتقفلت من ناحية سيف.. سيف اللي كان لسه من دقيقة بيجرني من دراعي ويقولي اركبي.. سيف اللي كان عارف ومشارك لدرجة تخلي الذنب باين في عينه.. بس وأنا باصة لأثر صوابع أمه المعلمة على خده، فهمت حاجة أوحش بكتير.. الواد ده كمان اتربى جوه القفص الحديد بتاعها.
ده مش هيشفع له ولا هيحميه.. بس ده فسرلي نظرة الرعب اللي في عينيه.
مريم صاحبتي قربت مني، وحاضنة الشنطة الجلد السودا في صدرها وبترتعش كارما.. إحنا لازم نطلب البوليس فورًا.
أبويا رد بصوت واطي وهادي إحنا طلبناه خلاص.
عيني ميرفت برقت وبصت له بصدمة.
ومن آخر الشارع، بدأ شخصين يمشوا في اتجاهنا.. لابسين لبس مدني، ووشوشهم صارمة ومفيهاش هزار..
واحد منهم طلع كارنيه ورفعه في وش الكل مباحث الأموال العامة والجنايات.. مفيش مخلوق يتحرك من مكانه.
نجوى المحامية، كل شجاعتها وثقتها طارت في الهوا، وقالت برعب أنا ماليش دعوة.. أنا كنت بنفذ الأوامر والتعليمات وبس!
ميرفت لفت راسها ببطء.. البصة اللي بصتها للمحامية كانت كفيلة تخليها تخرس ومتنطقش بحرف.. بس مكنتش
فتح الظرف اللي في إيده، وطلع منه ورق مصفر وقدم،