قبل معاد طيارتي ١

لمحة نيوز


زعقت فيها: "دي أمــي!!"
ردت بصوت أعلى: "بالظبط! دايماً أمك! أمك الأول، أمك قبل أي حاجة.. كأني أنا مش موجودة، كأني شفافة! كنت متخيل إني هقضي أحلى سنين عمري مع كركوبة حاشرة مناخيرها في كل حاجة؟"
​في اللحظة دي، حسيت بتلج بينزل على صدري. ولأول مرة من ساعة ما دخلت المطبخ، الغضب اختفى، وحل مكانه هدوء مرعب.. هدوء ما قبل العاصفة.
طلعت موبايلي وطلبت النجدة عشان أبلغ عن التزوير والتعدي.
سارة شهقت وجريت عليا: "أحمد.. لا والنبي بلاش فضايح!"
​بس قبل ما إيدها تلمسني...
الموبايل في إيدي اهتز. جاتلي رسالة من رقم غريب.
فتحتها من غير تفكير، وفي اللحظة اللي قريت فيها المكتوب.. اتسمرت في مكاني كأن صاعقة ضربتني.
قريت السطور مرة تانية.. وتالتة.
وبعدين رفعت عيني ببطء ناحية سارة. كانت بتبص على شاشة الموبايل، ولما عينيها جت في عيني.. اللون اتخطف من وشها تماماً وبقت شبه الميتة.
همست بصوت بيرتعش: "لا..."
ورجعت لورا خطوة كأنها شافت عفريت.
​بصيت للشاشة تاني وأنا مش مصدق.
لأن الرسالة دي.. مكنتش عن أمي.
ولا عن التوكيل المضروب.
الرسالة كانت عن حاجة تانية خالص.. حاجة مكنتش أتخيل إنها موجودة أصلاً. حاجة خلت كل اللي شفته واكتشفته في المطبخ من شوية ده... يطلع ولا حاجة جنب المصيبة اللي أنا لسه عارفها حالاً!
صلي على الحبيب

​عينيا كانت متسمرة على شاشة الموبايل، والرسالة مفتوحة قدامي. الحروف كانت بتتهز، أو يمكن إيدي هي اللي كانت بتنتفض من هول الكارثة.
الرسالة مكنتش مجرد كلام.. دي كانت صورة، وتحتها تسجيل صوتي، ورسالة نصية طويلة.
​الصورة كانت لـ "سارة".. أو بالأصح، لواحدة

نسخة طبق الأصل من سارة! بس اللي في الصورة دي كان وشها شاحب زي الموتى، شعرها الطويل اللي كنت بحبه مقصوص بطريقة عشوائية بشعة، ولابسة هدوم بيضا مبهدلة زي بتاعة المستشفيات. كانت ماسكة حتة كرتونة مكتوب عليها بخط إيد أنا حافظه أكتر من اسمي:
"أحمد.. الحقني.. أنا سارة الحقيقية!"
​حسيت إن الأكسجين اتسحب من المطبخ كله. دماغي بدأت تودي وتجيب في ثواني. إزاي دي سارة؟ أومال مين اللي واقفة قدامي دي؟!
نزلت بعينيا بسرعة أقرا الرسالة النصية المبعوتة من الرقم الغريب، وكان مكتوب فيها:
​"يا أستاذ أحمد، أنا ممرض في مصحة (......) للأمراض العقلية المجهزة في أطراف البلد. المريضة اللي في الصورة دي دخلت عندنا من 6 شهور متكتفة. اللي جابوها ورقهم كان سليم واسمها فيه متسجل 'سمر'.. بس هي بقالها 6 شهور بتبكي وتتحايل عليا أكلمك، وبتحلف إن اسمها 'سارة'، وإن أختها التوأم 'سمر' اللي هربانة من أحكام في قضايا نصب وقتل، هي اللي حبستها وخدت مكانها عشان تستولى على ثروتك. أنا ماكنتش مصدقها لحد ما شفت صورتك إمبارح في مجلة اقتصادية ومعاك اللي المفروض إنها خطيبتك.. ساعتها بس اتأكدت إن المريضة دي مابتكدبش!"
​ست شهور؟!
الكلمة رنت في ودني زي جرس إنذار. شريط ذكرياتي في الست شهور اللي فاتوا عدى قدام عيني زي البرق!
الفترة اللي "سارة" اتغيرت فيها فجأة. العصبية اللي ظهرت عليها بدون مبرر، ريحة البرفان اللي اتغيرت بحجة إنها بتجدد، طريقتها في شرب القهوة، كرهها المفاجئ لأمي اللي كانت بتعشقها، وحتى إلحاحها الغريب والمستمر في الفترة الأخيرة إني أعملها توكيل عشان "تسهل عليا شغل الشركة وأنا
مسافر"!
يا نهار أسود.. أنا كنت عايش تحت سقف واحد مع شيطانة متجسدة في ملامح أكتر إنسانة حبيتها!
​بلعت ريقي اللي بقى بطعم الدم، ورفعت عيني ببطء للمخلوقة اللي واقفة قدامي.
كانت لسه بتبصلي برعب، بتحاول تقرا ملامحي عشان تعرف أنا شفت إيه في الموبايل.
قلت بصوت مبحوح، طالع من أعماق صدري، وكأني بنطق تعويذة الموت:
— "سـمر..؟"
​الاسم ده كان كفيل إنه يمسح أي أثر للمسكنة أو الخوف من على وشها.
في كسر من الثانية، لغة جسدها اتغيرت تماماً. كتافها اللي كانت ضماهم بخوف اتفردوا، ونظرة الرعب اللي في عينيها اتحولت لبرود جليدي، وابتسامة ملتوية مرعبة اترسمت على شفايفها.
​سقفت بإيديها تسقيفة بطيئة ومستفزة، وقالت بصوت خشن، مختلف تماماً عن نبرة "سارة" الناعمة اللي كنت متعود عليها:
— "برافو يا أحمد.. برافو بجد. تصدق إنت أذكى من اللي متجوزاهم قبلك؟ التانيين ماتوا وهم مقتنعين إني الملاك البريء اللي بيحبهم."
رديت وأنا حاسس إن في بركان هينفجر جوايا، ووقفت أداري أمي ورا ضهري:
— "سارة فين يا فاجرة؟! عملتي في أختك إيه؟"
​ضحكت بصوت عالي مستفز وقالت:
— "ماتقلقش عليها، هي بتاخد جلسات كهربا محترمة هناك بتخليها تنسى اسمها. الصراحة كان صعب عليا أقتلها، دي لحمي ودمي برضه.. فقلت أستلف حياتها، وأستلف عريسها المليونير الساذج اللي بيمضي على أي حاجة من غير ما يقراها. بس بصراحة.. أمك دي كانت حشرية ومقرفة، وكانت هتبوظلي الخطة!"
​اتحركت خطوة ناحيتها عشان أهجم عليها وأخنقها بإيديا، بس قبل ما أعمل كده، حسيت بدوخة مرعبة ضربت راسي، وزغللة شديدة في عيني، كأني هفقد الوعي. مسكت في ترابيزة
المطبخ عشان ما أقعش.
​"سمر" شافتني وأنا بترنح، فابتسامتها وسعت أكتر وقالت بشماتة:
— "تؤ تؤ.. براحة على نفسك يا عريس. إنت شكلك نسيت إنك شربت عصير البرتقال بتاعك الصبح كالعادة؟ الدوخة والزغللة دي معناها إن السم اللي بحطهولك بقالي شهرين بدأ يوصل للقلب. الدكتور قالي إنك لو سافرت دبي النهارده والمجهود زاد عليك.. هتموت بسكتة قلبية طبيعية جداً في الطيارة، والتوكيل كان هيخلي كل قرش بنيته في حياتك.. بتاعي أنا."
​الرؤية بدأت تشوش قدامي، وأمي ورايا بتصرخ وتستنجد، بس فجأة...
صوت مفتاح بيلف في باب الفيلا الرئيسي قطع الصمت.
خطوات تقيلة وسريعة جاية في الصالة، وبتقرب من المطبخ.
​حاولت أصلب طولي، وتخيلت إن السواق رجع، أو البوليس وصل!
باب المطبخ اتفتح بقوة.. بس اللي دخل ماكنش البوليس.
​دخل شخص أنا أأتمنه على عمري، شريك كفاحي وصاحب عمري، ومدير حسابات شركتي "طارق".
قلتله بصوت ضعيف وأنا بتنفس بصعوبة:
— "طارق.. الحقني.. اتصل بالبوليس.. دي مش سارة.. دي طلعت.."
​بس طارق مابصليش.
طارق قفل باب المطبخ وراه بالمفتاح، وحط إيده في جيب الجاكيت، وطلع مسدس أسود بكاتم صوت. بص لـ "سمر" بنظرة عتاب وقالها ببرود:
— "مش قلتلك يا غبية بلاش تضربي أمه عشان الجيران ماتسمعش؟ شغل النساوين ده كان هيضيع خطتنا ويودينا في داهية!"
​سمر ردت عليه وهي بتعدل شعرها وتضحك:
— "ماخلاص يا طارق.. هو كده كده عرف كل حاجة، والسم شكله طول قوي معاه.. خلص عليه إنت بقى، خلينا نلحق ندفنهم هما الاتنين قبل ما النهار يطلع."
​طارق رفع المسدس في وشي أنا وأمي، وابتسم ابتسامة صفرا، وصباعه بدأ يضغط على الزناد.
..
للباقي شوف الجزء الثاني من القصه 

 

تم نسخ الرابط