بعد سنوات من فقدان زوجتي
والدها وكأن الأم يمكن أن تُمحى من حياة ابنتها بتوقيع بارد.
والمكالمة التي قالت فيها نورة إن ريم ماتت.
شرحت محامية ماجد أن الحضانة والحقوق الأسرية ليست شيئًا يُرمى بورقة، وأن تزوير الإرادة والضغط على شخص مصاب وتغيير هويته جرائم لا تُغسل بنفوذ عائلة.
كنت أسمع وأشعر بالغضب.
غضب لأنني لم أعرف.
غضب لأنني كنت ضعيفًا حين كنت أحتاج لمحامين.
غضب لأنني صدقت الموت لأن الأغنياء يعرفون كيف يجعلون الكذب يبدو رسميًا.
قضت ريم تلك الليلة في فندق، تحت حماية ماجد ومحاميته.
أما أنا فأخذت جود إلى البيت.
لم ننم.
جلست ابنتي على سريري وهي تحتضن دميتها الصغيرة.
سألتني
ماما طيبة؟
صمتُّ.
لم أرد أن أكذب عليها.
ولم أرد أن أقتل أملًا وُلد للتو في قلبها.
قلت بهدوء
ماما سوت أشياء وجعتنا... لكن كمان صار لها أشياء وجعتها كثير. بنمشي شوي شوي.
سألتني
أنت تحبها؟
نظرت إلى النافذة.
كانت الرياض هادئة في الخارج، وأضواء السيارات تمر في الشارع مثل خطوط بعيدة.
قلت
جزء مني ما وقف يحبها أبدًا.
والجزء الثاني؟
تنفست ببطء.
الجزء الثاني زعلان جدًا.
احتضنت جود دميتها.
وأنا كمان.
في اليوم التالي، جاءت ريم إلى الشقة.
لم تدخل حتى قالت جود إنها تستطيع الدخول.
وقفت عند الباب ومعها حقيبة صغيرة، وفستان الزفاف داخل غلاف أسود.
كانت تبدو كامرأة هربت من شبحها.
نظرت إلى المطبخ.
الطاولة.
رسومات جود على الثلاجة.
الأريكة القديمة.
قالت بصوت خافت
باقي ريحة القهوة المحروقة.
قلت
باقي أسويها غلط.
ابتسمت ابتسامة صغيرة.
ثم رأت صورتها على الرف.
الصورة الوحيدة التي لم أستطع إخفاءها.
هي تحمل جود بعد ولادتها.
متعبة.
جميلة.
قبل أن ينطفئ شيء داخلها.
وضعت يدها على صدرها.
حسبت إنك مسحتني.
قلت
حاولت ألف مرة.
وقدرت؟
لا.
خرجت جود وهي تحتضن دميتها.
قالت بجدية
تقدرين تجلسين... بس مو هنا. هذا مكان بابا.
أطاعتها ريم.
مرت أسابيع ثقيلة ومرتبكة.
زيارات تحت إشراف.
أخصائية نفسية للأطفال.
محامون.
طلبات للمحكمة.
إثباتات رسمية.
تقارير طبية.
إفادات ضد والدي ريم.
حاولت الصحافة الاقتراب حين شمّت رائحة فضيحة عائلة معروفة في الرياض، لكن ماجد أبعدهم قدر المستطاع.
كان يدين لي بذلك.
لم أكن أعرف بعد هل سامحته أم لا.
لكنني كنت أعرف أنه أعاد ريم دون أن يطلب مني إيمانًا أعمى.
في إحدى الأمسيات واجهته.
قلت
كان تقدر تقول لي قبل.
قال
لو قلت لك بدون أدلة، كنت بتروح لبيت أهلها، وكانوا بيخفونها مرة ثانية.
قلت بغضب
خلتني أشوفها لابسة فستان زواج قدامك.
أنزل نظره.
أعرف.
كان هذا قاسيًا.
نعم.
سألته
تحبها؟
هز رأسه ببطء.
مو بالطريقة اللي تفكر فيها. كنت أبي أساعدها. ويمكن كنت أبي أصلح ذنبي لأني أنا اللي أخذتك ذيك الليلة للمكان اللي بدأت فيه كل القصة.
لم أرد.
فالمغفرة أيضًا لها وقتها الخاص.
ريم لم تطلب العودة إلى
وهذا أنقذها في عيني.
طلبت وقتًا لتتعرف على جود.
وطلبت السماح دون أن تطالب بالمغفرة.
وحكت لي حقيقة خروجها من البيت أول مرة.
الفقر.
التعب.
الخجل من أنها اختارت الحب ثم لم تعرف كيف تعيشه بعيدًا عن الرفاهية.
لم تبرر.
قالت لي ذات مساء في أحد منتزهات الرياض بينما كانت جود تلعب قريبًا
أنا تركتك. هذا كان خطئي. الباقي فعلوه بي، لكن هذه كانت غلطتي أنا.
أوجعني أن أسمع ذلك.
لكنه أراحني أيضًا.
لأنني كنت أحتاج أن يكون لجزء من القصة اسم صحيح.
قلت
جود بكت عليك ليالي كثيرة.
أغمضت عينيها.
أعرف.
قلت بحدة هادئة
لا. ما تعرفين.
تقبلت الضربة.
عندك حق. ما أعرف.
بعد أشهر، نادتها جود ماما للمرة الأولى.
حدث ذلك بلا استعداد.
سقط الآيس كريم من يد جود في أحد المجمعات، فانحنت ريم لتنظف فستانها.
قالت جود بانزعاج
ماما، قولي لبابا لا يضحك.
لم أكن أضحك.
كنت أبكي.
تجمدت ريم في مكانها.
لم تفهم جود الزلزال الذي أحدثته بكلمة واحدة.
سألت
وش فيكم؟
احتضنتها ريم ببطء.
وهذه المرة، احتضنتها جود أيضًا.
لم نستعد السنوات الخمس.
لا أحد يستعيد ذلك.
ريم لم ترَ أول سن سقط لجود.
ولا أول يوم مدرسة.
ولا حمى عمر الثلاث سنوات.
ولا الليلة التي سألتني فيها جود إن كانت النجوم يمكن أن تنطفئ.
وأنا لم أستعد المرأة التي رحلت وتركت رسالة قاسية في سرير طفلتها.
التي عادت كانت امرأة أخرى.
وأنا أيضًا كنت رجلًا
لم نعد إلى الزواج كما كنا.
على الورق، كانت الأمور معقدة؛ لأن موتها لم يحدث أصلًا، والطلاق نفسه كان محل اعتراض بسبب التلاعب والضغط والتزوير.
يا للسخرية.
الأوراق كانت تربطنا حين كانت الحياة قد مزقتنا.
لكننا لم نستعجل.
تعلمنا أن نجلس على الطاولة نفسها.
أن نتحدث دون أن نمزق بعضنا بالكلمات.
أن نسمح لجود أن تحب دون أن تختار طرفًا.
خسر والدا ريم الكثير.
ليس كل شيء.
الأغنياء نادرًا ما يخسرون كل شيء.
لكنهم خسروا السيطرة.
وكانت السيطرة عندهم أغلى من المال.
فُتحت تحقيقات في التزوير، والضغط، واحتجاز إنسانة وعزلها عن حياتها.
اختفت نورة من المناسبات الاجتماعية التي كانت تحرص على حضورها.
واضطر عبدالعزيز لبيع أحد أملاكه لدفع تكاليف محامين لم يستطيعوا شراء الصمت كاملًا.
وشهدت ريم ضدهما.
وهي ترتجف.
لكنها شهدت.
يوم خرجت من المحكمة، قالت لي
اليوم طلعت من بيت أهلي فعلًا.
احتضنتها.
ليس كزوج بعد.
بل كشاهد.
كرجل يعرف معنى أن تعبر بابًا كان يبدو مستحيلًا.
بعد عامين، أصبحنا نعيش في شقة مضيئة في الرياض، فيها نباتات تحاول ريم ألا تجعلها تذبل.
جود أصبحت في الثامنة.
ولديها فرشاتا أسنان في الحمام، لأنها تقول إن واحدة تخص بيت قبل، والثانية تخص بيت الآن.
أنا ما زلت أصمم البيوت.
وريم تعمل في معرض فني صغير، ليس المعرض القديم، مكان لا ينطق أحد فيه اسم عائلتها وكأنه مفتاح.
أما ماجد،
جود سامحته قبلي.
وأنا ما زلت أصب له قهوة أقل مما يطلب.
الحياة لم تعد كما كانت.
كانت أفضل من ذلك.
كانت حقيقية.
أحيانًا، في الليل، أرى