بعد سنوات من فقدان زوجتي
المنصة.
حاول رجلان الاقتراب مني، لكن ماجد رفع يده.
خلوه يمر.
جاءت جود معي، ملتصقة بساقي.
رأتها ريم.
وانكسرت.
لم يكن بكاءً هادئًا.
كان صوتًا خارجًا من عمق أم حُرمت من ابنتها.
قالت وهي ترتجف
جود.
اختبأت ابنتي خلفي.
بابا... هي تعرف اسمي؟
لم أكن قادرًا على التنفس.
سألتها
أنتِ حية؟
يا لها من سؤال غريب.
كانت أمامي.
لكن عقلي كان يحتاج أن يسمعها تقول ذلك.
حاولت ريم أن تقترب.
صرخت نورة
ولا خطوة.
توقفت ريم.
وهنا رأيته.
الخوف.
ليس الذنب فقط.
بل الخوف.
قال ماجد
فيصل... اسمعها.
التفت إليه بعنف
أنت كنت تعرف؟
انخفض وجهه.
من شهرين.
شعرت برغبة جارفة في ضربه.
شهرين؟
قال بسرعة
وجدتها بالصدفة في مستشفى خاص. كانت مع أمها. ما كانت باسم ريم. كانوا مسجلينها باسم تهاني آل ناصر.
قلت مذهولًا
وش؟
أغمضت ريم عينيها وقالت
بعد الحادث قالوا لي إنك ما تبغى تشوفني.
اخترقتني الجملة.
أي حادث؟
قالت بصوت مكسور
السيارة. الليلة اللي طلعت فيها. تشاجرت مع أهلي. كنت أبي أرجع للبيت. لك. ولجود. لكن صار الحادث في طريق الملك فهد. صحيت بعد أسابيع.
تدخلت نورة
صحيتِ مشوشة، ونحن اللي رعيناك.
نظرت إليها ريم.
أنتم حبستوني.
بدأ الحضور يتهامسون.
شد عبدالعزيز فكه وقال
انتبهي لكلامك.
كانت ريم ترتجف، لكنها أكملت
قالوا لي إن فيصل وقّع الطلاق، وإنه ما يبي يسمع عني، وإن جود أفضل من دون أم تركتها. ورّوني أوراق.
شعرت بدوار.
قلت
وأنا قالوا لي إنك متِ.
غطت فمها بيديها.
لا...
قلت بصوت مبحوح
أمك قالت لي.
نظرت ريم إلى نورة.
لم تكن نظرة مفاجأة.
كانت نظرة حزن قديم، كأن قطعة مرعبة من اللغز استقرت أخيرًا في مكانها.
قالت
قلتي لي إنه ما جاء المستشفى.
لم تنكر نورة.
بل قالت ببرود
سويت اللي كان لازم أسويه.
بدأت جود تبكي بصمت.
انحنيت قربها.
حبيبتي...
سألتني
هذي ماما؟
لم أعرف كيف أجيب.
ركعت ريم على بعد خطوات منا.
لم تندفع.
لم تطلب شيئًا.
فقط نزلت إلى مستوى ابنتها.
وقالت بصوت يرتجف
إيه يا عمري... أنا ماما.
نظرت جود إلي، تبحث في عيني عن إذن كي تصدق.
وهذا كسرني أكثر من كل شيء.
قالت هامسة
كنت أحسبك في السماء.
بكت ريم.
وأنا كنت أحسبك بعيدة عني للأبد.
لم تركض جود إلى حضنها.
كان الأمر أكبر من طفلة.
أكبر من خمس سنوات.
أكبر من كذبة.
لكنها خطت خطوة واحدة.
خطوة فقط.
ولم تلمسها ريم.
انتظرتها.
وفي ذلك الصمت، أخرج ماجد ملفًا من تحت الطاولة.
وقال
أنا ما جيت أتزوج.
ارتفعت همسات الحضور.
شحبت نورة.
ماجد.
قال بصوت واضح
جيت أجيب شهود.
أغلق المأذون ملفه وقال
واضح أن الموضوع خرج عن إطار العقد.
رد ماجد
ممتاز. إذن اسمع كشاهد.
فتح الملف.
قبل شهرين وجدت ريم. لم تكن تملك حرية الخروج وحدها. أمها كانت تتحكم بجوالها، ومواعيدها الطبية، وأوراقها الرسمية. لما كلمتها عن فيصل وجود،
أومأت ريم برأسها.
ما كنت أتذكر كل شيء. كان عندي فراغات. لكن كنت أتذكر ضحكة جود. أتذكر يدين فيصل وهي مليانة غبار شغل. أتذكر مطبخنا الصغير. وهم كانوا يقولون لي إنها أوهام.
نظرت إلى نورة.
هل أعلنتم وفاتها؟
قال ماجد
ما فيه شهادة وفاة.
سقطت الجملة فوق صدري كصخرة.
تذكرت.
لم أرَ شهادة وفاة.
لم أرَ قبرًا.
لم أحضر جنازة.
فقط مكالمة.
وصوت بارد.
وباب مغلق.
أكمل ماجد
راجعت الجهات الرسمية. لا يوجد تسجيل وفاة باسم ريم آل ناصر. الموجود أوراق خاصة، تقارير طبية مشكوك فيها، وهوية استخدمت لعزلها عن فيصل.
احمر وجه عبدالعزيز.
هذا تشهير.
قال ماجد
وفيه تقارير طبية. ورسائل. وتسجيلات.
حاولت نورة التقدم نحو ريم.
وقفت أمامها.
لا تلمسينها.
نظرت إلي بنفس احتقارها القديم.
تبقى أنت نفس العامل اللي لبس بدلة.
قلت وأنا أحدق في عينيها
وأنتِ تبقين أم دفنت بنتها وهي حية.
حبست الجملة أنفاس المكان.
ازداد بكاء ريم.
التفت ماجد إلى الحضور.
هذا الزواج كان مرتبًا منهم لإجبار ريم على الزواج مني تحت اسم مزور. وأنا قبلت أكمل اللعبة فقط لأخرجها من بيتهم، وأخلي كل هذا يصير أمام شهود. برا فيه محامون وجهات رسمية ينتظرون.
صرخت نورة
كذاب!
لكن صراخها جاء متأخرًا.
في آخر الممر دخل رجلان بلباس رسمي، ومعهما امرأة ترتدي عباءة سوداء أنيقة وتحمل حقيبة
تنفس ماجد كأنه ألقى حجرًا من صدره.
هذه محاميتي.
حاول عبدالعزيز المغادرة.
كان أبي يقول دائمًا إن الأثرياء لا يهربون بأنفسهم، بل يرسلون من يهرب نيابة عنهم.
لكن هذه المرة حاول عبدالعزيز أن يركض خطوتين قبل أن يوقفه أحد الرجال.
تحولت المزرعة المثالية إلى فوضى.
مدعوون ينهضون.
أكواب تسقط.
العازفون يجمعون أدواتهم.
امرأة كبيرة تتمتم بالأذكار.
وجود تضع يديها على أذنيها.
حملتها بين ذراعي.
نظرت ريم إليها وكأنها تريد لمسها ولا تجرؤ.
سألت بصوت مكسور
أقدر؟
لم تسألني أنا.
سألت جود.
نظرت إليها ابنتي طويلًا.
صدق أنتِ ماما؟
إيه.
ليش ما جيتي أعياد ميلادي؟
انهارت ريم.
لأنهم خلوني أصدق إنك ما تبغين تشوفيني. ولأني كنت ضعيفة قبل ما أطلع من البيت. ولأني أخطأت. ولأنهم أخذوا حياتي مني، وتأخرت كثير حتى لقيت الطريق.
فكرت جود قليلًا.
ثم مدت يدها الصغيرة ولمست خد ريم.
قالت ببراءة
وجهك يشبه وجهي.
ضحكت ريم وسط بكائها.
وأنتِ تشبهيني أكثر.
لم يتعانقا بعد.
لكن العالم بدأ يتحرك مرة أخرى.
وكان ذلك كافيًا.
في تلك الليلة لم يكن هناك زفاف.
كانت هناك إفادات داخل إحدى غرف المزرعة، ثم في مركز الشرطة.
كانت هناك أوراق.
وأسئلة.
وجروح تُفتح أمام موظفين وأختام رسمية.
حكت ريم كل شيء.
الشعور بالذنب.
ضغط أهلها.
الحادث.
الأسابيع المشوشة.
الشهور التي قضتها في استراحة عائلية خارج الرياض.
الأطباء
هوية تهاني.
الكذب عن رفضي لها.
صور جود التي أخفوها عنها حتى أرتها إحدى العاملات خبرًا عن شركتي.
وحكيت أنا ما عندي.
الرسالة.
الطلاق.
التنازل عن الحضانة الذي أنهاه محامو