ابني بص لمحل الحلويات

لمحة نيوز


نفسهم، حاجة معمولة بحب مش مجرد أكل مستشفيات بارد.
بصيت له باهتمام، فكمل وهو بيطلع ورقة رسمية أنا جاي أعرض عليكي تكوني أنتي الموردة الرسمية للمخبوزات الصحية للأطفال دي، إحنا محتاجين حد بقلب أم زيك يخبز لهم، حد يحسسهم إن الدنيا لسه فيها طعم حلو. في اللحظة دي، شفت ياسين وهو بيلعب بعيد، وافتكرت انكساره قدام الفاترينة، وقلت في سري يا سبحان الله، ربنا مخلانيش بس أأكل ولادي، ده خلاني أكون سبب في فرحة ولاد تانية تعبانة.
وافقت فوراً، وبدأت أقسم وقتي بين المحل وبين تجهيز وجبات الأطفال، وكنت بكتب على كل كيس عيش أو قطعة كيك رسالة صغيرة بخط إيدي كُل يا بطل عشان تخف وتلعب مع ياسين. الدنيا بدأت تفتح أبوابها أكتر، وعم حسن قرر يجدد المحل كله ويكتب على اليفطة بره بخط دهبي كبيرمخبوزات الأمل..
الفرع الجديد اللي افتتحناه بقى خلية نحل، واسم مخبوزات الأمل بقى علامة مسجلة في المنطقة كلها، بس النجاح ده ما غيرش فيا غير إن قلبي بقى يساع الكل أكتر. يوم الافتتاح الحقيقي لمؤسسة ستر وعز اللي شيرين هانم أسستها، كنت واقفة قدام أكتر من خمسين ست، كلهم عينيهم مكسورة زي ما كانت عيني من شهور، وواقفين مستنيين يسمعوا كلمة تبرد نار خوفهم من بكرة. شيرين هانم قدمتني وقالت بصوت مسموع الست دي هي اللي علمتني إن

القيمة مش في الشنطة ولا في العربية، القيمة في الإيد اللي بتعرف تطلع لقمة شريفة. وقفت قدامهم ومسكت النشابة في إيدي وقلت لهم يا ستات، أنا كنت واحدة منكم، بمسح السلالم والدموع في عيني، بس عمري ما سمحت للدنيا تمسح كرامتي.. النهاردة إحنا مش بنتعلم خبيز، إحنا بنتعلم إزاي نرفع راسنا بالسما وإحنا بنعجن. ياسين ابني كان واقف في آخر القاعة، لابس بدلة صغيرة وشايل بنتي الصغيرة اللي بدأت تمشي، وكان بيبص لي بفخر خلى روحي تترد فيا. بعد ما خلصت أول درس، لقيت عم حسن داخل عليا وشايل في إيده صينية بسبوسة من المحل القديم، وقعدنا كلنا نضحك ونحكي. عم حسن بص لي وقال خلاص يا بنتي، الأمانة وصلت، وياسين بقى راجل، والستر بقى دارك. في اللحظة دي، شفت شيرين هانم جايبة ابنها سيف عشان يلعب مع ياسين، واتحول الغل لصحوبية، والكسرة لانتصار. طلعت برا القاعة وبصيت للسما، كان ليل وهادي، وشميت ريحة الخبيز الطالع من الفرن، الريحة اللي كانت زمان وجع وبقت النهاردة حياة. مديت إيدي في جيبي وطلعت وصل النور القديم اللي كنت شايلاه من شهور للذكرى، وشديت عليه وقطعته ميت حتة ورميته في الهوا وأنا بقول الحمد لله يا رب، بعتها في وقتها وجبرت بالخاطر زيادة. ياسين قرب مني ومسك إيدي وقال ماما، بكره عيد ميلادي بجد، هنعمل إيه؟،
ضحكت من كل قلبي وقولتله بكره يا ياسين المحل كله هيفزع للغلابة، وأي طفل يقف قدام الفاترينة وعينه مكسورة، هيدخل ياكل أحلى تورتة في الدنيا.. ببلاش، عشان دي كانت دعوتك لربنا يا بطل. ونمت ليلتها وأنا لأول مرة مش شايلة هم بكرة، لأني عرفت إن اللي رزقني باللقمة وسط العتمة، مش هيسيبني أبداً وأنا في عز النور.
بدأت المؤسسة تكبر، وبقيت أشوف في عيون كل ست بتيجي تتعلم قصة أمل القديمة، كنت بعلمهم إن العجين مش بس مية ودقيق، ده صبر وقوة ولمة، وفي يوم، كنت بتمم على آخر دفعة تورتات طالعة للفندق، لقيت عم حسن داخل عليا المكتب وهو ماسك جورنال في إيده وعينه بتلمع بفرحة غريبة، حط الجورنال قدامي وقال اقري يا بنتي، اقري وشوفي ربنا لما بيريد يرفع اسم حد بيعمل إيه. بصيت في الجورنال لقيت صورتي وصورة عم حسن في صفحة كاملة، والعنوان بيقول قصة كفاح تتحول لأكبر مشروع وطني للمخبوزات.. من مسح السلالم لقمة النجاح، المقال كان مكتوب فيه كل تفاصيل التعب والصبر، وكان فيه إشادة بإننا بنشغل الستات المعيلات وبنفتح بيوت كانت مقفولة. في اللحظة دي، تليفوني رن، كان المهندس إبراهيم بيبلغني إننا فزنا بمناقصة توريد المخبوزات لكل ملاجئ الأيتام في القاهرة والمحافظات، وده كان حلمي اللي قولتهوله في سري يوم الافتتاح. بالليل،
روحت البيت، ولقيت ولادي التلاتة مستنييني، ياسين كبر وبقى في رابعة ابتدائي، والبنت الكبيرة بقت بتساعدني في الحسابات، والصغيرة اللي كانت بتنام على كتفي بقت بتجري في الشقة وتضحك، قعدت وسطهم وطلعت وصل النور القديم اللي كنت محتفظة بيه في محفظتي، الوصل اللي كان في يوم من الأيام همي التقيل، ووريته لياسين وقلتله شايف الورقة دي يا حبيبي؟ دي اللي خلتني أقف في الحر قدام الفرن، دي اللي خلتني أتحمل نظرات الناس، أوعى في يوم تنسى إن الشدة هي اللي بتصنع الرجال، وإن ربنا مبيسيبش حد تعب. ياسين خد الورقة وباس إيدي وقال أنا عمري ما هنسى يا ماما، وعمري ما هنسى طعم أول ساندوتش عم حسن إداهولنا. قمت وقفت وبصيت من البلكونة على نور المحل بتاعنا اللي مبيطفيش، وحسيت بروح علي جوزي طايرة حوالينا ومبسوطة باللي وصلنا له. الستر مش إنك تخبي فقرك، الستر هو إن ربنا يغنيك بعزة نفسك لحد ما الكل يتمنى يقرب منك. قفلت البلكونة وأنا مرتاحة، وعارفة إن بكرة فيه عجين جديد، وأمل جديد، وحكايات جبر خاطر مابتخلصش، لأن اللي معاه ربنا وعنده رضا، مبيخسرش أبدأ. ونمت ليلتها وأنا متممنة إن عيد ميلاد ياسين الجاي مش بس هيكون فيه تورتة، ده هيكون فيه فرحة بلد كاملة بحدوتة بدأت بدمعة وانتهت بأكبر انتصار.
تمت 
بقلم انجي الخطيب

 

تم نسخ الرابط