ابني بص لمحل الحلويات

لمحة نيوز


ببيوت زمان، بس النجاح ده ما خلانيش أنسى أصلي ولا أنسى عم حسن اللي وقف جنبي في عز المحنة. في يوم من الأيام، وأنا قاعدة في مكتبي الصغير في الفندق، دخل عليا المهندس إبراهيم ومعاه ملفات كتير، وقالي بلهجة جادة أمل، إحنا جالنا عرض نفتح فرع ل مخبوزات الأمل في منطقة راقية جداً، والطلب كبير، بس فيه مشكلة صغيرة، الأرض اللي هنبني عليها المحل مملوكة لشركة كبيرة، وصاحب الشركة ده عاوز يقابل المسؤول عن المشروع بنفسه عشان يمضي العقود. رحت مع المهندس إبراهيم وأنا كلي ثقة، ودخلنا مكتب فخم جداً في برج من أبراج المعادي، وأول ما الباب اتفتح، شفت راجل قاعد وضهره لينا، وأول ما لف بالكرسي، كانت الصدمة.. الراجل ده كان جوز الست الشيك اللي أهانتني قبل كدة. هو بص لي باستغراب، وكأنه بيحاول يفتكر الملامح دي شافها فين، والمهندس إبراهيم قدمهولي وقالي ده الأستاذ ممدوح، شريكنا الجديد في الأرض. ممدوح بص لي بإعجاب مهني وقالي أهلاً يا شيف أمل، سمعت عنك وعن نجاحك كلام يحترم، بس غريبة، مراتي كانت بتوصف لي حد تاني خالص لما جابت سيرة المحل اللي حصلت فيه المشكلة إياها. ضحكت بمرارة وقلت له الصور بتخدع يا أستاذ ممدوح، والناس ساعات بتشوف اللي هي عاوزة تشوفه بس، مش الحقيقة. ممدوح سكت لحظة وكأنه فهم كل حاجة، وبعدين كمل كلامه مراتي حكت لي اللي حصل، ومن يومها وهي مش عارفة تنام من الكسوف، الحقيقة أنا اللي طلبت المقابلة دي، مش بس عشان الشغل، أنا عاوز أعتذر لك بالنيابة عنها، وعاوز أقولك إن القلم اللي إدتيهولها بكرامتك كان أحسن درس اتعلمته في حياتها. مضينا العقود،

بس المرة دي وأنا شريكة بنسبة في الأرباح مش مجرد موظفة، ورجعت المحل القديم لعم حسن، ولقيته لسه واقف مكانه، بصيت له وقولت له يا عم حسن، الفرع الجديد ده هيكون ملكك أنت، أنا مجرد بديره، والخير اللي أنا فيه ده كله سببه اللحظة اللي فتحت لي فيها الباب وأنا مكسورة. عم حسن عينه دمعت وقال الخير ده بتاع ربنا يا بنتي، وأنتي كنتي الأمانة اللي ربنا اختبرني بيها. وفي يوم عيد ميلاد ياسين، عملت أكبر حفلة في الشارع، وعزمت كل الستات اللي كنت بمسح عندهم سلالم، بس المرة دي قعدتهم معايا على نفس التربيزة، وأكلنا كلنا من نفس التورتة اللي ياسين كان بيتمناها، وياسين وقف في وسطنا وقال بصوت عالي ماما هي أحلى شيف في الدنيا، وربنا بعتلنا التورتة وكل حاجة حلوة عشان ماما طيبة، بصيت للسما وشكرت ربنا، وحسيت إن الستر مش بس فلوس، الستر هو إنك تعيش عزيز النفس، وتشوف ولادك فخورين بيك قدام الدنيا كلها
الحياة بدأت تبتسم، بس الدنيا دايما بتحب تختبرنا في عز الفرحة. بعد شهر من توقيع العقود، كنت قاعدة في المحل القديم مع عم حسن بنراجع حسابات اليوم، وفجأة دخلت علينا الست شيرين ده كان اسمها اللي عرفته بعدين بس المرة دي كانت لوحدها، ومن غير نظارة شمس ولا منظرة، كانت باينة مكسورة بجد ووشها شاحب. عم حسن وقف وقفة هجومية وتلقائية، بس أنا شاورتله يهدى. شيرين قربت من الرخامة وسندت إيدها وهي بتترعش وقالت بصوت واطي أنا مش جاية أعمل مشاكل يا أمل، أنا جاية أطلب منك طلب، وعارفة إن ماليش عين. بصيت لها بهدوء وقولت خير يا مدام شيرين؟. قالت والدموع في عينيها ممدوح جوزي دخل العناية
المركزة النهاردة الصبح، جلطة مفاجئة، والدكاترة بيقولوا الحالة صعبة.. ابني سيف من ساعة ما شاف أبوه وهو بيقع مش راضي ياكل ولا يشرب، وكل شوية يصرخ ويقول عاوز التورتة اللي طنط أمل عملتها، العقل الباطن عنده ربط بين التورتة وبين آخر يوم شاف فيه أبوه مبسوط قبل ما يتخانق معانا بسبب اللي حصل في المحل.. أنا مستعدة أدفع أي حاجة، بس اعمليلي تورتة صغيرة لابني، يمكن يرضى ياكل. قلبي رق، مكدبش عليكي، الأمومة اللي جوايا غلبت أي وجع قديم. قمت من مكاني ولبست المريلة وقلت لعم حسن ولّع الفرن يا حاج، فيه طفل محتاج يطمن. اشتغلت بقلب أم، وعملت تورتة على شكل بطل خارق زي ما سيف بيحب، وكتبت عليها بابا هيكون زي الفل. لما خلصتها، شيرين كانت بتبكي وبتقول أنا آسفة يا أمل، أنا كنت فاكرة إن الفلوس بتخلي البني آدم فوق الناس، بس اكتشفت إننا كلنا ضعفا قوي قدام المرض والوجع. خدت التورتة ومشيت، ومر أسبوع والتاني، لحد ما في يوم لقيت عربية ممدوح بيه واقفة قدام المحل، ونزل منها وهو ساند على عكاز، ومعاه شيرين وسيف. سيف جري عليا وحضني، وممدوح بيه قرب من عم حسن وسلم عليه بإيد بتترعش وقال أنا جيت أشكركم، التورتة دي كانت أول لقمة سيف ياكلها، وكانت السبب إنه يهدى ويخليني أرتاح وأنا شايفه بياكل. شيرين قربت مني وقالت قدام الكل أمل، أنا قررت أفتح مؤسسة خيرية لتعليم الأرامل والمطلقات المهن اليدوية، وعاوزاكي تبقي أنتي المدربة والمسؤولة عنهم، عشان تعلميهم إزاي يبقوا زيك، عزيزات نفس وشاطرات. بصيت لعم حسن وضحكت، الدنيا لفت لفت ورجعتني لنفس الست اللي أهانتني، بس المرة دي
وأنا أستاذتها. ياسين ابني كان واقف بيتفرج، مسكت إيده وقلتله شفت يا ياسين؟ الحق مبيضيعش، واللي بيسامح وهو قادر، ربنا بيعليه أكتر وأكتر. ومن يومها، مبقاش اسمي أرملة ولا خدامة، بقى اسمي أمل اللي بتخبز الأمل في قلوب الناس قبل ما بتخبزه في الفرن، وبقت حياتي حكاية بيحكيها الصغير قبل الكبير عن جبر الخواطر وصبر السنين.
المحل مابقاش مجرد مكان للبيع والشراء، بقى خلية نحل، والناس بدأت تتجمع عشان تشوف أمل اللي قصة كفاحها بقت على كل لسان. وفي ليلة من ليالي الشغل التقيلة، وأنا واقفة بطلع صواني المينيو الجديد، دخل واحد المحل كان باين عليه التعب والهيبة في نفس الوقت، لابس بدلة رسمية بس فكك الكرافتة كأنه لسه مخلص شغل شاق، قعد في الركن الهادي اللي عم حسن خصصه ليا ولولادي، وطلب كوباية شاي سادة وقرصتين من اللي لسه طالعين.
عم حسن غمزلي وقالي بصوت واطي الراجل ده بقاله تلات أيام بييجي في نفس الميعاد، يطلب نفس الطلب، ويفضل يبص عليكي وأنتي بتشتغلي وانتي مش واخدة بالك، وشكله مش زبون عادي. قلبي انقبض شوية بس كملت شغلي، ولما جيت ألم الأطباق، الراجل ده وقف فجأة وقالي بصوت هادي ورزين تسلم إيدك يا شيف أمل، أنا لفيت بلاد كتير ودقت حلويات في أفخم فنادق باريس، بس عمري ما دوقت لقمة فيها روح زي لقمتك دي.
شكرته بكسوف وكنت لسه همشي، بس هو كمل كلامه أنا اسمي الدكتور مراد، استشاري تغذية ومسؤول عن تنظيم الوجبات في أكبر مستشفى أورام للأطفال في مصر.. إحنا عندنا مشكلة مع الأطفال اللي بيفقدوا الشهية بسبب الكيماوي، وهما محتاجين حاجة مغذية وفي نفس الوقت تفتح
 

تم نسخ الرابط