دفنا ابويا يوم السبت

لمحة نيوز

دَفَنَّا أبويا يوم السبت، وبعدها علطول البنك كلمني وبلغني إنه سابلي ورث قيمته 7 8 مليون جنيه يعني 780 فدان من الفلوس.
ولأني كنت خايفة على أمي من طمع أهلها من ناحية الأخوال والخالات وإنهم ييجوا يمتصوا دمها ويستغلوها، قولت لها كدبة بيضا
يا أمي، بابا مسبش في البنك غير 180 ألف جنيه بس، يدوب يمشونا أنا وإنتي كام شهر لغاية ما نقف على رجلينا.
أمي عيطت وخبطت على صدرها وهي بتأكدلي بدموعها
يا بنتي يا حبيبتي، أنا فاهمة طبعًا، والله ما هفتح بوقي بنص كلمة ولا مخلوق برا البيت هيعرف.
لكن النتيجة؟ تاني يوم الصبح، وقبل حتى ما ألحق أصحى من النوم، لقيت صوت دوشة وكلام كتير واصل لحد باب الشقة برا.
أول ما فتحت الباب، لقيت تمان تنفار من قرايبنا من ناحية أمي واقفين ومحشورين في ممر العمارة لدرجة إن المكان مكنش مستحمل.
خالتي الكبيرة طنط زينب واقفة وفي إيدها كيس فيه ريش لحمة داني طازة، ومرت خالي خديجة حاضنة في حضنها لحاف قطن قديم وتقيل، أما جوز أختي الطماع طارق فكان حاطط وصل أمانة بين صوابعه بتبجح.
أمي، الحاجة فاطمة، كانت واقفة ورا خالص في آخر الزحمة، منكمشة على نفسها وعينيها حمرا ومنتفخة من العياط، ومش قادرة ترفع عينها في عيني.
أنا مقولتش غير جملة واحدة بس، خلت

الكل يتسمر في مكانه زي الأصنام
هو أبويا يدوب لسه ميت ومكملش أسبوعه، وإنتوا جايين تجروا تقسموا فلوس كفنه؟
الممر كله برا الشقة فجأة بقى هس، مفيش فيه حرك، لدرجة إنك تسمع دبة النملة.
كيس اللحمة اللي في إيد خالتي زينب كان لسه بينقط دم، ونقط الدم الحمرا نازلة ببطء من كيس البلاستيك وبتنزل تف تف على دواسة الباب اللي قدام شقتنا.
مرت خالي خديجة كانت حاضنة اللحاف القديم وبنص جسمها كده بدأت تفرك وتحشر نفسها عشان تدخل من ورك الباب.
أما الإيد اللي كانت ماسكة وصل الأمانة بتاعة طارق جوز أختي، ففضلت متعلقة في الهوا، والضحكة اللي كانت على وشه اتجمدت وبقت صفرا من الكسوف.
ستى أم أحمد جدتي لأمي كانت أول واحدة تفوق من الصدمة، سندت بإيدها على الحيطة، وبرقت عينيها لفوق وصوتها طلع مسرسع وكلة غل
جرى إيه يا هنا؟ إنتي بتكلمي الكبار واللّي أكبر منك بالطريقة دي؟ أبوكي مات خلاص وغار، وأمك ملهاش غير بيت أبوها وأهلها هما اللي هيشيلوها، وإنتي عايزة تقفلي الباب في وشنا وتطردينا؟
أمي كانت واقفة ورا خالص، وعينيها ورمت وبقت زي عينين السمكة من كتر البُكا، فضلت شادة في طرف العباية بتاعتها وبتقولي بصوت واطي ومكسور
يا هنا يا بنتي، بلاش القساوة دي مع قرايبك، الأخوال والخالات جايين
عشان خايفين علينا وعايزين يطمنوا.
خايفين علينا؟
قولي خايفين ال 180 ألف جنيه اللي أبويا سابهم يطيروا من إيديهم!
مسكت مقبض الباب الجامد ووقفت سدة مكن مكاني ومتحركتش خطوة لورا
اللي خايف علينا يرفع سماعة التليفون ويسأل، مش ييجي شايل لحاف في إيد والمسدس أو وصل الأمانة في الإيد التانية، إنتوا جايين تقعدوا في البيت غصب وتطالبوا بفلوس؟
خالي الكبير عم أحمد كح كحة كذابة عشان يعمل فيها كبير العيلة وصاحب الكلمة
يا هنا، إنتي بقيتي لسانك طويل وكلامك دَبش ليه كده؟ أبوكي مات وساب وراه أقساط الشقة، وقسط العربية، ومصاريف الجنازة والعزا، إنتي حتة بت صغيرة هتقدري تشيلي كل الحمل ده لوحدك؟ إحنا جايين هنا عشان نساعدك إنتي وأمك نصفي الحسابات ونرتب الورق.
طارق راح مادد وصل الأمانة لغاية عيني ووشي
أيوا بالظبط، خلينا نحسبها صح الأول، أبوكي الله يرحمه كان مستلف مني 60 ألف جنيه، والورق أهو أبيض وأسود وممضي، وبما إن العيلة كلها متجمعة هنا، اديني فلوسي بقى دلوقتي.
الورقة كان مكتوب عليها بخط واضح وصل أمانة، وفي خانة المستلم كان اسم أبويا حسن.
بس السحبة الأخيرة في حرف النُّون من اسم حسن كانت طالعة لفوق زي الخطاف، وأبويا كان مدرس لغة عربية طول عمره، خطه كان زي الساعة ومستحيل
يكتب بالطريقة المعوجة دي.
مديت إيدي عشان آخد الورقة وأشوفها كويس، بس طارق رجع إيده بسرعة البرق
تتفرجي بعينك بس، إياكي تفتكري إنك هتقدري تقطعيها.
خالتي زينب دخلت في الكلام بسرعة عشان تسنده
يا هنا، متلوميش جوز أختك إنه مستعجل، البيت عنده مخروب ومصاريف المدارس والدروس الخصوصية طيرت الفلوس ومزنوقين في قرشين، وأبوكي مسبش غير المبلغ البسيط ده، وإحنا قرايب ودم واحد، والأولى إن الفلوس تروح للي محتاجها ورايح في داهية الأول.
يعني أمي مش محتاجة الفلوس دي عشان تعيش وتصرف؟
أول ما سألت السؤال ده، عينين الكل بلا استثناء لفت وبصت لأمي.
شفايف أمي فاطمة اتهزت، والدموع كانت نزلت شلالات على وشها، وقالت بصوت مخنوق
أنا مش مستعجلة على حاجة... أهم حاجة العيلة تفضل مع بعضها ومنتحرمش من بعض، أنا لو هاكل عيش ناشف بملح هكون راضية.
استغربت من رد فعل أمى بس نظرتها كانت فيها رعب منهم اكتر من احساسها بالحاجه ليهم .
ستي أم أحمد راحت مخبطة على فخدها وصوتت
سمعتي يا بت؟ أمك عاقلة وبتفهم وبتشتري خاطر أهلها إزاي؟ مش زيك إنتي، لسه عيلة فِعصة وبتفضلي القرش على دمك وقرايبك!
الجيران في الدور اللي فوق فتحوا الباب وبدأوا يبصوا من على السلم، وتحت في مدخل العمارة كان فيه ناس وقفت تتفرج
على الخناقة.
لما ستي شافت
 

تم نسخ الرابط