تركت له والدته الراحله غرفة تخزين خضروات

لمحة نيوز

تركت له والدته الراحلة غرفة تخزين خضروات بدت عديمة الفائدة؛ لكنه لم يكن يعلم أن ما تحتها، على عمق 6 أمتار، هو شيء لم يكن من المفترض أن يراه أحد أبدًا.
تركت له والدته الراحلة غرفة تخزين خضروات، بدت عديمة القيمة، لا تحمل سوى الرطوبة وأشياء نسيها الجميع منذ سنوات طويلة.
الغرفة القديمة كانت تفوح برائحة الأرض المبتلة والخشب العتيق، ممزوجة بذكريات ثقيلة، كأن المكان لم يُفتح منذ زمن، أو كأنه كان ينتظر عودة شخص بعينه.
عندما استلم مينا ميراثه، لم يشعر بالفرح، فقط مزيج غريب من الحزن والقبول، فكل ما تبقى له كان منزلًا متواضعًا وبعض الأثاث وتلك الغرفة المنسية.
قال له عمه يعقوب وهو يوقع الأوراق بنبرة حاسمة، إن الغرفة بلا أي قيمة، وإن والدته كانت تستخدمها لتخزين الخضروات قبل أن تُهجر لسنوات طويلة.
نصحه أن يبيع كل شيء ويرحل، لكن مينا لم يرد، فقد كانت العودة للقرية تحرك داخله أشياء ظن أنها انتهت، أو دُفنت مع الماضي ولن تعود أبدًا.
أصوات قديمة بدأت تتسلل إليه، ضحكة والدته، صرير الأرضيات، رائحة الخبز، وأيام لم يكن يعرف حينها أنها ستكون آخر ما يتبقى له منها.
قرر البقاء أيامًا قليلة، مجرد وقت قصير لترتيب الأمور، لكنه لم يكن يعلم أن تلك الأيام ستغير كل شيء، أو ربما تكشف له ما كان مخفيًا طوال حياته.
في الليلة الأولى، لم يستطع النوم جيدًا، كان المنزل يئن بصوت خافت، كأنه يتنفس، بينما الصمت حوله كان ثقيلاً لدرجة جعلته يشعر بأن هناك من يراقبه.
في الصباح، وقف في الفناء الخلفي ممسكًا كوب القهوة، وعيناه توقفتا عند القبو، بناء منخفض من الطوب، تغطيه الكروم وكأنه يحاول إخفاء نفسه.
شعر بشيء يدفعه للنزول، إحساس غامض لا يمكن تفسيره، لكنه كان قويًا

بما يكفي ليجعله يتحرك دون تفكير أو محاولة للتراجع.
فتح الباب بصعوبة، وعندما انفتح أخيرًا، اندفعت منه برودة مفاجئة، كأن المكان كان يحتفظ بأنفاسه لسنوات، وانتظر هذه اللحظة ليطلقها دفعة واحدة.
نزل الدرج ببطء، وكل خطوة كانت تثير الغبار، بينما الضوء الخافت بالكاد يكشف ملامح المكان، الذي بدا فارغًا أو هكذا ظن في البداية.
رفوف مهترئة، صناديق متعفنة، أدوات قديمة، لا شيء يستحق الانتباه، مجرد غرفة مهجورة تؤكد كلام عمه غرفة بلا أي قيمة تُذكر.
تمتم بسخرية وهو يهم بالمغادرة، لكنه توقف فجأة، حين لاحظ أن جزءًا من الأرض مختلف، مضغوط بشكل غير طبيعي، كأنه أُعيد ترتيبه بعناية.
انحنى ولمس التراب بيده، الإحساس كان واضحًا، هذه الأرض لم تكن كما تبدو، هناك شيء دُفن هنا، شيء لم يكن من المفترض أن يُكتشف.
بدأ قلبه يتسارع دون سبب واضح، وسؤال واحد تردد في ذهنه وهو ينظر للأسفل ماذا كنتِ تخبئين يا أمي؟
خرج مسرعًا، أحضر مجرفة، وعاد لنفس النقطة، ثم بدأ الحفر دون تردد، وكأن قوة خفية تدفعه للاستمرار مهما كان ما سيجده في النهاية.
في البداية كانت الأرض لينة، لكن كلما تعمق، أصبحت أكثر صلابة، والعرق بدأ يتساقط من جبينه، ومع ذلك لم يتوقف، كأن التراجع لم يعد خيارًا.
وعند عمق يقارب المتر، اصطدمت المجرفة بشيء صلب. صوت معدني حاد شقّ الصمت، فتجمّد في مكانه للحظة بدت أطول مما ينبغي.
أزاح التراب بيدين مرتعشتين، ليظهر سطح معدني بارد وغريب، لا يشبه أي شيء توقعه، وكأن ما تحته ليس مجرد مخبأ عادي.
تجمّد مينا.
انحنى على ركبتيه وراح يزيح التراب بكلتا يديه. تساقط الصدأ تحت أصابعه، كاشفًا عن غطاء حديدي دائري، عريض كغطاء بالوعة، مثبت بإحكام داخل طوق حجري، وفي وسطه مقبض
حلقي غائر، اسودّ من فرط القِدم.
جلس للحظة، مدركًا فجأة مدى وحدته.
خلف سور الحديقة، كانت القرية تعجّ بالحياة؛ صوت جرار بعيد، نباح كلب، جرس كنيسة يعلن الساعة. أما هنا فلم يكن أي شيء يبدو حقيقيًا.
أدخل أصابعه في الحلقة وسحب.
في البداية لم يحدث شيء.
ثم، فجأة، انكسر الختم بصوت صرير طويل ومؤلم، ارتد صداه في القبو كأنفاسٍ محبوسة تُطلَق بعد عقود تحت الأرض.
كان الظلام كثيفًا تحت الغطاء.
ليس ظلام غرفة مهجورة، بل عمق بئر؛ فتحة ضيقة، عمودية، مبطنة بحجر قديم. وجّه ضوء المصباح إلى الأسفل، فظهرت درجات حديدية مثبتة في الجدار.
ستة أمتار على الأقل.
وفي القاع، التقط الضوء انحناءة تشير إلى مستوى آخر.
حدّق مينا.
لم تكن غرفة التخزين غرفة تخزين أصلًا.
هذا لم يكن طبيعيًا.
وجد نفسه ينزل السلم قبل أن يمنح عقله فرصة للاعتراض.
كان الهواء يبرد مع كل درجة، والرائحة تتغير؛ ليست رائحة عفن أو إهمال، بل رائحة ماء معدني، وحجر رطب، ولمحة خفيفة من زيت مصباح كأن المكان استُخدم مؤخرًا، رغم أن الفكرة بدت سخيفة.
وعندما لامس حذاؤه الأرض في الأسفل، وجد نفسه داخل غرفة صغيرة، لا تتجاوز مساحة قبو، مبنية من حجر قديم، وسقفها مقبب. وعلى عكس الغرفة العلوية، بدا كل شيء هنا محفوظًا؛ الغبار موجود، نعم، لكن ليس بالقدر الذي يوحي بهجرٍ كامل.
كانت هناك طاولة خشبية ملاصقة للجدار، وسرير صغير مطوي ومثبت بسلسلة، ورفوف تصطف عليها جرار فارغة، وفانوس، وموقد كيروسين صدئ.
وفي وسط الطاولة كان هناك صندوق من الصفيح.
لم يكن موضوعًا بعشوائية ولا متروكًا للنسيان.
وُضع هناك كأنه ينتظر.
عبر مينا الغرفة ببطء، بشعور غريب سيتذكره لاحقًا بوضوح أكبر شعور أنه دخل مكانًا أُعدّ لشخص واحد فقط
له هو.
كان الصندوق مغلقًا، لكن المفتاح لا يزال في موضعه.
وتحته ظرف قديم مائل إلى الصفرة، كُتب عليه بخط يد والدته
إلى مينا إذا قررت أخيرًا النزول.
انقطع نَفَسه.
جلس على السرير فجأة، بعدما شعر أن ساقيه لم تعودا تقويان على حمله، وفتح الظرف بحذر أكثر مما فتح أي رسالة في حياته.
ابني،
إذا كنت تقرأ هذه الكلمات فأنا قد رحلت، وأنت فعلت الشيء الوحيد الذي كنت أتمناه أن تنزل إلى هنا.
كان لديك دائمًا فضول والدك حتى عندما حاولت إقناع نفسك أنك كبرت على هذا المكان.
أولًا لا تَبِع المنزل. لا ليعقوب ولا لأي شخص يأتي معه خاصةً إن بدا عليهم الحماس.
ثانيًا سامحني لأنني أخفيت هذا عنك. هناك أمور لا ينبغي أن تُقال إلا في وقتها حين يكون الإنسان مستعدًا لتحمّلها.
الغرفة التي أنت فيها بناها جدك جابرييل عام ١٩٥٧، في زمن الجفاف الشديد. عندما بدأت الآبار تنضب في هذا الجانب من الوادي، اكتشف شيئًا تحت أرضنا وأقسم ألا يستخدمه إلا عند الضرورة.
وبعد سنوات اكتشفه والدك أيضًا.
وكان ذلك سبب موته.
توقف مينا عن القراءة.
شعر أن الغرفة تضيق حوله.
والده، يوسف، توفي حين كان في الثانية عشرة. قيل له إنها حادثة تعطلت فرامل الشاحنة على طريق جبلي. موت سريع قاسٍ بلا معنى.
هكذا كانوا يشرحون الموت للأطفال.
عاد يقرأ وقلبه يخفق بقوة في حلقه.
يعقوب كذب عليّ كذب على الشرطة وكذب عليك. لم أستطع إثبات ذلك طوال حياتي لكنني لم أشك فيه يومًا.
خلف الرف الذي يحمل الجرار الفارغة يوجد باب آخر.
استخدم المفتاح النحاسي في الصندوق وخذ الفانوس. لن يكفيك ضوء الهاتف.
اتبع النفق حتى تسمع صوت الماء.
ما ستجده هناك هو الحقيقة أولًا ثم هو لك وبعد ذلك للقرية.
وإن علم يعقوب أنك عرفت سيأتي
مبتسمًا في البداية.
لا تثق بالابتسامات التي تأتي سريعًا.
أمك
ظل
 

تم نسخ الرابط