تركت له والدته الراحله غرفة تخزين خضروات

لمحة نيوز


مينا جالسًا للحظات والرسالة ترتجف قليلًا في يده.
والده يعقوب سبب موته.
كانت الكلمات صعبة التصديق ومع ذلك، في تلك الغرفة الحجرية الباردة، بدت مألوفة بشكل غريب كأنها شيء شعر به طوال حياته دون أن يجرؤ على تسميته.
وجود يعقوب المستمر بعد الجنازة صمت والدته بعدها وتوقفها عن الغناء في أرجاء المنزل.
كلما ذُكر بيع الأرض أو جلب مستثمرين كانت تتجمد.
والأهم
أنها لم تسمح ليعقوب يومًا بدخول غرفة التخزين رغم أنها كانت تمزح دائمًا بأنها بلا فائدة.
وقف مينا واتجه نحو الرفوف.
خلف الصف الأخير من الجرار الفارغة، تغير شكل الجدار. أزال الغبار بيده فوجد بابًا حديديًا ضيقًا مثبتًا بشكل شبه متساوٍ مع الحجر. انفتح الباب من أول محاولة باستخدام المفتاح النحاسي الموجود في العلبة المعدنية.
عندما استدار، بدا الصوت عالياً جداً.
انفتح الباب إلى الداخل على نفق.
كان قديمًا. أقدم بكثير من الغرفة. كانت جدرانه خشنة، مبطنة جزئيًا بكتل حجرية عتيقة، ومنحوتة جزئيًا من الأرض نفسها. أجبر السقف مينا على الانحناء في بعض الأماكن. أخذ الفانوس من على الطاولة، ووجد علبة أعواد ثقاب جافة داخله، وبعد محاولتين، أشعل لهبًا ذهبيًا صغيرًا. دفع وهجه الظلام إلى الوراء بضعة أقدام فقط في كل مرة.
تبع النفق.
كانت الأرض تنحدر تحت قدميه تدريجيًا. في لحظة، لامس كتفه جدارًا رطبًا، فانتقلت البرودة إلى جسده مباشرة. ثم سمعه خافتًا في البداية.
صوت ماء.
لم يكن تقاطرًا بل حركة.
ازداد الصوت وضوحًا كلما تقدم، حتى اتسع النفق أخيرًا وانفتح على غرفة جعلته يتوقف فجأة.
ارتفع السقف عاليًا فوقه، يختفي بين أقواس مظلمة. أعمدة حجرية، بعضها طبيعي وبعضها منحوت، تحمل الأرض فوقه كأنها أضلاع معبد

مدفون. في وسط الغرفة بركة صافية، تتدفق إليها عين ماء من قلب الصخر. كان الماء ينساب فوق الحجر كخيط فضي، يتجمع في الحوض، ثم يختفي من جديد عبر مجرى ضيق يقود إلى أعماق الأرض. انعكس ضوء الفانوس على السطح، فتلألأ ببريق ذهبي هادئ.
على عمق ستة أمتار، أسفل غرفة التخزين القديمة، وتحت الأرض الجافة والحقول المنهكة، كان هناك نبع خفي يتنفس في الظلام.
شعر مينا فجأة، وبشكل غريب، أنه يجب أن يخفض صوته.
بالقرب من البركة، كان هناك حامل معدني ثلاثي، قديم لكنه متماسك. وبجانبه صندوق خشبي، وإلى جواره صندوق آخر ملفوف بقطعة قماش سميكة.
كان اسم والده مكتوبًا عليه
يوسف غارسيا كامبو
وضع مينا الفانوس على الأرض وفتح الصندوق.
في الداخل كانت خرائط ملفوفة، ودفتران جلديان قاسيان من شدة القِدم، وحزمة صور مربوطة بشريط، وجهاز تسجيل صغير بداخله شريط، إضافة إلى ظرف مغلق كُتب عليه بخط يد والده.
إلى مينا إذا قررت والدتك يومًا أن الحقيقة أهون من الصمت.
وقف مينا ممسكًا بالظرف، وتدفقت إليه ذكرى واضحة ومؤلمة؛ رائحة الزيت على سترة والده، وخشونة لحيته حين كان يقبّل جبينه، وضحكته التي كانت تملأ البيت حياة. قضى سنوات يصدق موتًا بسيطًا، حتى أصبحت فكرة وجود حقيقة أشد قسوة أمرًا يصعب تقبله.
فتح الرسالة.
ابني،
إذا كنت تقرأ هذه الكلمات، فإما أنني عشت بما يكفي لأخبرك بنفسي، وأردت لك أن تعرف مرتين أو أنني لم أفعل، وأن والدتك نفذت أخيرًا ما طلبته منها.
النبع الموجود تحت هذا المنزل حقيقي. أقوى من أي بئر في هذا الوادي، وأنقى. لقد فحصته سرًا. خلال سنوات قليلة، سيشتد الجفاف أكثر. هناك من يعلم بوجود هذا الماء. أخبرت أخي يومًا، بدافع الثقة ولأنني كنت أظن أن العائلة أكثر
أمانًا من الغرباء.
كان يعقوب يريد شراء حق الوصول في هدوء. لا ليعين القرية، بل ليملأ الماء في زجاجات، ثم يرسله عبر الأنابيب بعيدًا. كان يقول إن البلدة تحتضر، وإن العاقل يغتنم ما بقي قبل أن تجف الأرض.
قلت له لا.
وإن أصابني سوء، فتذكّر أنني قلت له لا.
انزلق الحبر عند هذه الجملة قليلًا، كأنها كُتبت على عجل أو في لحظة غضب.
أما ما بعد ذلك فكان واضحًا ودقيقًا إحداثيات، وملاحظات مسح، وإشارة إلى وصية قديمة كتبها الأب والجد عند كاتب عدل منذ سنوات، تُقرّ بأن ماء النبع حق مشترك إذا أُعلن عنه رسميًا. كان هذا الجزء مهمًا. أدرك مينا ذلك فورًا، حتى قبل أن يفهم كل شيء. إن صحّت الوثائق، فالماء تحت المنزل ليس مجرد مورد ثمين، بل حق محمي.
وإن كان يعقوب يعلم هذا منذ البداية
نظر مينا إلى جهاز التسجيل.
كانت يداه ترتجفان حين ضغط زر التشغيل.
امتلأت الغرفة بتشويش خافت، ثم خرج صوت والده. أضعف مما في الذاكرة، لكنه واضح لا يُخطئ.
إن كان هذا التسجيل يعمل الآن، فهذا يعني أن صبري أو وقتي قد نفد.
سكتة قصيرة، ثم صوت خفيف وهو يضبط الجهاز.
أنا يوسف غارسيا. هذا تسجيل بتاريخ السابع عشر من سبتمبر، عام ألف وتسعمئة وثمانية وتسعين. تم فحص النبع أسفل مخزن الخضراوات القديم. التدفق أقوى مما توقعنا. حاول يعقوب مرة أخرى أن يدفعني لتوقيع اتفاق أولي للوصول إلى ماء الوادي. قال إن الأمر لا يحتاج أن يعرفه أحد الآن. رفضت. وإن متّ قبل أن يُحسم هذا الأمر، فليُعلم أنني لم أوافق على أي بيع. وأي ورقة تحمل اسمي تُعدّ مزوّرة، ما لم تؤكدها روزا أو إيلينا.
صمت.
ثم خفُت صوته قليلًا
إن سمع ابني هذا يومًا فأنا آسف. كان عليّ أن أنتظر حتى أوثّق كل شيء. ظننت أن القرابة تعني
الوفاء. كان ذلك خطئي.
توقف الشريط.
وقف مينا، والجهاز في يده، لا يتحرك.
كان والده يعلم. كانت أمه تعلم. ولسنوات تركها وحدها هنا، مع كل ذلك. مع ابتسامة يعقوب، وضغطه، ومع الخوف الذي كانت تخفيه خلف صمتها، كأنه ثوب ترتديه كل يوم على مائدة المطبخ.
كان يظن صمتها عنادًا. أو ضيقًا. ثم رحل، هاربًا من القرية، من ثقلها، ومن الحزن الذي جعل كل شيء صاخبًا. ولم يفهم أبدًا ذلك الجمود الذي كان يظهر على وجهها كلما دخلت شاحنة يعقوب إلى الفناء.
الآن فهم.
حين خرج إلى ضوء النهار، كانت الشمس تميل نحو الغروب، وقميصه يلتصق بظهره من العرق. أغلق البابين خلفه، ووقف في الحديقة، ينظر إلى البيت كأنه لم يعد يعرفه.
ظل واقفًا هناك حتى جاءه صوت من خلف الجدار
هل بدأتم الحفر بالفعل؟
استدار بعنف، فاصطدم كتفه بشجرة التين.
كان يعقوب واقفًا عند البوابة، يده على المزلاج، يبتسم. رجل ضخم، عريض الوجه، بشعر رمادي كثيف، يحمل في ملامحه بقايا وسامة صارت أخطر بعدما تعلّم كيف يستخدمها. كان يرتدي حذاء عمل، وسترة تفوح منها رائحة وقود خفيفة.
شعر مينا بالرسالة في جيبه، كأنها قلب ينبض.
قال بهدوء مجرد إزالة بعض الخردة.
تجاوزت عينا يعقوب نظرة مينا، واتجهتا نحو غرفة التخزين، ثم عادتا إليه ببطء. قال بابتسامة خفيفة لطالما أحببتَ الألغاز. ثم دخل دون أن ينتظر دعوة.
وأضاف وهو يتجول بنظره اسمع، تحدثتُ مع مشترٍ في المدينة. زوجان من قرطبة. سيأخذان المنزل كما هو. نقدًا. بلا تعقيد.
لا.
خرجت الكلمة سريعة، حاسمة.
لم تختفِ الابتسامة عن وجه يعقوب. لا؟
قال مينا، وهو يثبت نظره فيه قلتُ لا.
للحظة قصيرة، انكشف شيء قاسٍ تحت ملامح الرجل، شيء بارد لا يشبه تلك الابتسامة. ثم اختفى كأنه لم
يكن.
هزّ كتفيه باستخفاف. كما تريد. لكن لا تُطل التفكير. أماكن
 

تم نسخ الرابط