جوزي طلب مني

لمحة نيوز

جوزي طلب مني أقرأ بند غلط في عقد قدام راجل مش بيشوف.
مديرك أدهم المنشاوي فقد بصره، ومش هيقدر يعتمد غير على صوتك.
وبعدين كمل
أول ما الموضوع يخلص، الحساب اللي باسمك هينزل فيه 5 مليون جنيه. لو فشلتي... هطلقك. والشقة باسمي، يعني هتخرجي من هنا من غير مليم.
بعدها بعشر دقايق، جوزي خرج البلكونة عشان يعمل مكالمة.
وسمعت ضحكة ست من الناحية التانية.
ضحكة أعرفها كويس جدًا.
صاحبتي المقربة من تسع سنين.
بس الاتنين كانوا ناسيين حاجة صغيرة جدًا.
انى عندي عادة عمري ما بطلتها
كل ليلة بشغّل جهاز التسجيل اللي في الصالة.
1
الليلة دي كانت يوم 2 يونيو.
الساعة كانت حوالي تسعة إلا عشرة بالليل.
كنت قاعدة على الكنبة في الصالة، وماسكة تقرير مالي ربع سنوي، وبقراه بصوت عالي زي ما بعمل كل ليلة عشان أدرب صوتي.
جهاز التسجيل الفضي القديم كان موجود على الرف التاني في المكتبة.
واللمبة الحمرا الصغيرة فيه كانت بتنور وتطفي بانتظام.
الجهاز ده كان هدية من إذاعة القاهرة ليا وأنا عندي 21 سنة، في أول ليلة طلعت فيها على الهوا في برنامجي اللي كان اسمه قبل نص الليل.
اشتغلت في الإذاعة ست سنين.
وطول السنين دي كان عندي عادة عمرها ما اتغيرت.
كل ليلة أقعد أقرأ بصوت عالي، وأسجل نفسي، وبعدها أسمع التسجيل من الأول عشان أعرف وقفت فين، ونطقت إيه غلط، ونبرة صوتي كانت مناسبة ولا لأ.
حتى بعد ما خسرت شغلي...
العادة فضلت زي ما هي.
يمكن فعلًا بعض المهن لما بتدخل جوا الإنسان، مبتطلعش منه بسهولة.
سمعت صوت المفتاح في الباب.
وبعد ثواني دخل كريم.
كان ماسك كيس كرز كبير.
مش أي كرز...
كان من النوع الغالي جدًا، الحبات كبيرة ولونها أحمر غامق.
طول التلات سنين اللي اتجوزناهم، دي كانت تقريبًا أول مرة كريم يدخل البيت ومعاه فاكهة غالية من غير ما يكون عندنا ضيوف.
حطيت الورق اللي في إيدي على جنب.
كريم دخل المطبخ، غسل الكرز، وحطه في طبق أبيض، ورجع قعد جنبي على الكنبة.
والأغرب إنه مسك واحدة وقدمها ليا بنفسه.
ساعتها عرفت.
أكيد فيه مصيبة.
بصلي وقال
أخبار شغلك مع الأستاذ أدهم إيه؟
قلت
كويسة. هو دقيق جدًا وصعب شوية في الشغل، بس عمره ما ضايقني.
هز راسه
كويس.
وبعدين فتح شنطة الشغل بتاعته.
طلع منها ملف ضخم جدًا، وحطه على ترابيزة القهوة قدامنا.
بصيت على الغلاف.
كان مكتوب عليه
عقد اندماج مجموعة المنشاوي ومجموعة الشرق للاستثمار.
كريم كان رئيس الإدارة القانونية في مجموعة المنشاوي.
والعقد اللي قدامي...
هو بنفسه اللي كتبه.
قال
التوقيع الرسمي هيكون يوم 18 يوليو. وإنتِ عارفة إن الأستاذ أدهم، من بعد الحادث، بقى عنده نظام ثابت قبل توقيع أي عقد مهم.
كنت عارفة.
من وقت ما فقد بصره، كان بيطلب إن شخص يقرأ بصوت عالي البنود الأساسية قدام الطرفين قبل التوقيع.
فتح كريم الملف.
فضل يقلب في الصفحات لحد ما وصل للصفحة 31.
وقف عند فقرة محددة بعلامة بالقلم الرصاص.
وقال
البند 17 3.
قرب الملف مني.
النسخة اللي أنا قدمتها للأستاذ أدهم في مايو، واللي هو وافق عليها، كان مكتوب فيها لو مجموعة المنشاوي اتأخرت أكتر من 30 يوم عن تسليم مشروع ميناء الساحل، تدفع غرامة قيمتها 0 1 من قيمة العقد عن كل يوم تأخير، على ألا يتجاوز إجمالي الغرامة 5 من قيمة العقد.
بصيتله.
والنسخة النهائية؟
ابتسم.
ابتسامة باردة.
وقال
النسخة النهائية بتقول إنه لو التسليم اتأخر أكتر من 30 يوم... مجموعة المنشاوي تنقل 51 من أسهم مشروع الميناء لمجموعة الشرق.
ما رديتش.
لأني كنت عارفة حاجة مهمة جدًا.
مشروع الميناء واقف من شهر مارس.
وفيه مشاكل ضخمة في التنفيذ.
بل إن الحادث اللي حصل هناك، وانهيار السقالة، هو أصلًا الحادث اللي تسبب في إصابة أدهم المنشاوي وفقدانه لبصره.
يعني التأخير مش مجرد احتمال.
التأخير شبه مؤكد.
وده معناه إن 51 من أسهم مشروع ميناء بمليارات الجنيهات هتروح لمجموعة الشرق...
بشكل قانوني تمامًا.
عقد رسمي.
ورق سليم.
وتوقيع أدهم المنشاوي بنفسه.
كل اللي محتاجينه...
إن الشخص اللي هيقرأ له العقد قبل التوقيع يخدعه.
والشخص ده كان أنا.
كريم قال بهدوء
إنتِ كل اللي هتعمليه إنك لما توصلي للبند ده، تقري النص القديم.
بصيتله.
فكمل
أدهم مش بيشوف. وأعضاء مجلس الإدارة محدش فيهم هيقعد يراجع 31 صفحة حرف حرف أثناء الاجتماع. كلهم هيعتمدوا على اللي إنتِ هتقريه.
سألته مباشرة
مجموعة الشرق هتدفعلك كام؟
سكت.
لثانية واحدة بس، ملامحه اتغيرت.
وبعدين ضحك.
كأني طفلة سألت سؤال أكبر من سنها.
قال
إنتِ مش محتاجة تعرفي.
وبعدين قرب الطبق ناحيتي.
اللي يهمك إن نصيبك 5 مليون جنيه.
بصيتله من غير ما أتكلم.
قال
الحساب جاهز أصلًا. فتحتهولك في بنك الساحل، وباسمك إنتِ.
رفعت حاجبي.
حساب باسمي؟
أيوه.
فتحته إزاي؟
قال بمنتهى العادية
الأسبوع اللي فات أخدت بطاقتك شوية.
جسمي كله شد.
أخدت.
هو قالها كأن أنا اللي اديتهاله.
بس أنا عمري ما اديتله بطاقتي.
فضلت باصة له.
فقال
متبصليش كده يا سلمى. خليني أقولك الموضوع بصراحة.
رجع بضهره للكنبة.
وأخد حبة كرز تانية.
لو عملتي اللي بقولك عليه، هيبقى معانا 5 مليون زيادة. السنة الجاية نغير العربية. وإنتِ لو عايزة تدرسي حاجة جديدة أو تبدأي مشروع، براحتك.
وسكت شوية.
وبعدين نبرة صوته اتغيرت.
إنما لو رفضتي...
حط حبة الكرز في بقه ومضغها ببطء.
هطلقك.
فضلت ساكتة.
فكمل
الشقة دي باسمي. إنتِ بقالك سنة من غير شغل. مفيش دخل. مفيش فلوس. وحتى أمك شايفة إنك المفروض تسمعي كلامي.
وبعدين مال ناحيتي شوية.
وفيه حاجة أهم.
بصلي في عيني.
لو الموضوع اتكشف... ال مليون هيدخلوا حساب باسم مين؟
ما رديتش.
ابتسم.
باسمك.
وبعدين أشار لنفسه.
أنا رئيس الإدارة القانونية في الشركة. وإنتِ اللي هتكوني قريتي البند بصوتك، والفلوس اتحولت لحسابك. لو الموضوع وصل للشرطة، تفتكري هيصدقوا مين؟
في اللحظة دي حسيت إني لأول مرة بشوف الراجل اللي متجوزاه فعلًا.
كان بيتكلم عن جريمة ممكن تدمر شركة كاملة...
وتضيع مشروع بمليارات...
وتدخلني السجن مكانه...
وهو بنفس الهدوء اللي ممكن يسألني بيه
ناكل إيه بكرة؟
بصيت للطبق اللي قدامي.
حبات الكرز كانت حمرا غامقة ولامعة.
لسبب ما، شكلها وقتها خلاني أحس إنها نقط دم متجمدة.
الموبايل اللي في جيب هدومي اهتز.
طلعته.
كانت رسالة من أمي.
فتحتها.
جوزك كلمني وفهمني كل حاجة. اسمعي كلامه. الست اللي مش بتشتغل لازم تعرف حدودها وتحافظ على بيتها.
قريت الرسالة مرة.
وبعدين مرة تانية.
وقلبت الموبايل على وشه فوق الترابيزة.
دلوقتي فهمت.
كريم ما بدأش خطته النهارده.
هو كان بيرتب كل حاجة من قبل ما يرجع البيت.
حتى أمي...
جهزها قبلي.
خدت نفس طويل.
ورفعت عيني ناحيته.
ابتسمت.
وقلت
ماشي يا كريم.
بصلي بتركيز.
فكملت
هقرأ البند زي ما إنت عايز.
وشه ارتاح فورًا.
طلع النفس اللي كان حابسه.
وقرب مني وربت على راسي زي ما الواحد يطبطب على قطة أخيرًا بطلت تقاوم.
وقال
كنت عارف إنك عاقلة وهتفهمي.
وبعدها قام.
مسك موبايله وخرج للبلكونة.
قفل الباب الزجاج، لكنه كالعادة ما قفلوش للآخر.
كريم كان عنده عادة من أول جوازنا.
لما يخرج البلكونة يدخن، يشغل المكالمة على السبيكر عشان إيديه تفضل فاضية.
تلات سنين...
وأنا حافظت عاداته أكتر ما كنت حافظاه هو شخصيًا.
زي ما الواحد بيتعود على صوت التلاجة بالليل.
سمعته بيقول
خلاص. وافقت.
وبعدين سمعت صوت ست من الناحية التانية.
ضحكت ضحكة خفيفة.
وقالت
ما أنا قلتلك.
إيدي وقفت فوق الورق.
الصوت ده...
مستحيل أغلط فيه.
سمعته آلاف المرات.
في الجامعة.
في سكن البنات.
في الكافيهات.
وفي استوديو الدور السابع في الإذاعة.
تسع سنين كاملة وأنا بسمع الصوت ده.
منى.
أقرب واحدة ليا.
منى ضحكت وقالت
سلمى دي؟ أنا عارفاها أكتر منك. طول عمرها مبتعرفش تعمل حاجة
 

تم نسخ الرابط