تظاهرت بالسفر لألمانيا
تظاهرت إني سافرت لألمانيا، ورجعت بالليل لقيت أختي بتشرب وبتحتفل، وأمي بتخدم على السفرة، وأبويا نايم ورا المطبخ. سمعتها بتقول لو رجعت تكلم الجيران تاني، هفرّق بينكم. ما صرختش، بس اتصلت بمحاميتي. وقتها شفت ساعة أبويا في إيد جوز أختي وفهمت إن فيه حاجة أسوأ بكتير كانت ناقصة.
الجزء الأول
أول مرة شكّ فيها أحمد إن أبوه وأمه عايشين كأنهم خدامين في بيتهم كانت بسبب جملة قالتها أمه يا ابني، ما تقلقش علينا إحنا خلاص اتعودنا على البرد.
أحمد فضل ثابت مكانه في مكتبه في القاهرة. كان عنده 41 سنة، وبيِدير شركة نقل ولوجستيات، وكانت الشركة لسه محققة أحسن أرباح ليها. بقاله شهور وهو بيبعت 4 آلاف جنيه كل شهر لوالديه في طنطا، عشان ما ينقصهمش علاج ولا أكل ولا تدفئة ولا حد يساعدهم في البيت. أخته منى كانت هي اللي بتدير الفلوس دي. وكل أسبوع كانت بتبعت له صور لبيت نضيف، وإيصالات مترتبة، ورسايل تطمنه إن كل حاجة تمام.
لكن صوت أمه في اليوم ده كان ضعيف بشكل غريب.
ماما، أنا دفعت تمن غلاية جديدة في نوفمبر.
سكتت شوية.
أيوه يا ابني منى هي اللي بتتكفل بكل حاجة.
من بعيد اتسمع صوت باب بيتفتح، وبعده صوت منى الناشف
بتتكلمي مع أحمد تاني؟ هاتي الموبايل.
وبعد ثواني، ظهرت أخته بصوت مليان هدوء مصطنع
ما تكبّرش الموضوع. ماما حساسة شوية، وبابا نايم. كل حاجة هنا تمام.
أحمد طلب يكلم أبوه. منى قالت له إنه مش قادر يتكلم. وقتها، ومن بعيد جدًا، سمع أبوه بيقول
يا عايدة، ما تقوليش حاجة تاني بعدين هتحصل مشاكل.
المكالمة اتقفلت.
الساعة 615 الصبح تاني يوم، أحمد اتصل بالموبايل القديم بتاع أبوه. أبوه اتأخر شوية قبل ما يرد، وكان صوته واطي جدًا.
بابا، قولي حاجة واحدة بس تكون حقيقية.
أبوه أخد نفس طويل وقال
ما تبعتش فلوس تاني.
ليه؟
عشان الفلوس مش بتوصل لنا.
اتسمعت خطوات، والمكالمة اتقطعت. وبعد 5 دقايق، منى بعتت لأحمد وقالت له إن أبوه بقى مشوش وإن الدكتور شاكك إنه عنده تدهور بسبب السن.
أحمد فتح تطبيق الكاميرات اللي كان مركبه من سنين. كل الكاميرات كانت مكتوب إنها غير متصلة بقالها 87 يوم.
في نفس الصبح، قال للعيلة إنه هيسافر ألمانيا لمدة 10 أيام. ونزل صورة من المطار، شنطة سودا وراه ولوحة مواعيد الرحلات باينة في الخلفية. منى ردت عليه تقريبًا فورًا رحلة سعيدة. ما تقلقش عليهم. هما أحسن من أي وقت فات.
أحمد ما ركبش أي طيارة.
ساب الشنطة مع مساعده، وغيّر البدلة لبنطلون جينز، وجاكت قديم وكاب، وأجر عربية وساق لحد البلدة اللي اتربى فيها في الغربية. لما وصل، ما راحش على بيت العيلة. استأجر أوضة في بيت قصادهم، واستنى لحد ما الدنيا ضلمت.
الساعة 930 بالليل، بدأت عربيات توصل. منى كانت عاملة عزومة. ومن الشباك، أحمد شافها وهي بترفع الكوباية وبتشرب مع جوزها ياسين، وسط ضحك كذا شخص قاعدين حوالين السفرة.
وفجأة ظهرت عايدة.
كانت لابسة مريلة قديمة وشايلة صينية تقيلة. واحدة من الضيوف طلبت منها عيش زيادة من غير حتى ما تقوم من مكانها. منى ما بصتش لها أصلًا.
وبعد كام دقيقة، خرج أبوه من باب جانبي وهو ماسك طبق أكل بارد. ما كانش جاي من أوضته كان خارج من أوضة صغيرة جنب المطبخ.
أحمد عرف فورًا الساعة المعدنية اللي في إيد ياسين؛ كانت نفس الساعة اللي كان جابها لأبوه بأول مرتب كبير قبضه في حياته.
وفي اللحظة دي فهم إن الفلوس ما كانتش أسوأ حاجة اتسرقت من أبوه وأمه.
بعد ما النور اتطفى بالليل، عدى الشارع ودخل من البوابة الخلفية. فتح بحذر باب الأوضة اللي جنب المطبخ.
واللي شافه جوا خلّاه يحط إيده على بقه عشان ما يصرخش باسم أمه.
حكايات_ميراا
سيبوا لايك ومتنسوش الصلاة على النبي ﷺ
باقي القصة هتنزل هنا أحمد وقف مكانه للحظات، مش قادر يستوعب اللي شايفه.
الأوضة كانت ضيقة، وفيها سرير حديد قديم، وبطانية خفيفة جدًا، وكرسي مكسور في الركن.
لكن اللي خلّى قلبه يتقبض مش شكل الأوضة
كانت أمه نايمة على السرير، ووالده قاعد على الأرض جنبها.
أحمد قرب خطوة، فسمع أبوه بيقول بصوت مكسور
نامي يا عايدة بكرة عندنا شغل بدري.
أحمد حس إن دماغه وقفت.
شغل إيه يا بابا؟
أبوه اتجمّد مكانه.
أمه فتحت عينيها بسرعة، ولما شافت أحمد، شهقت وحطت إيدها على بقها.
أحمد؟!
جري عليها .
إنتِ بتعملي إيه هنا؟!
أمه بدأت تعيط.
إوعى تعمل مشكلة يا ابني بالله عليك.
مشكلة إيه؟! إنتِ وأبويا نايمين هنا ليه؟!
أبوه بص له، وبعدها بص ناحية الباب.
اخرج من هنا دلوقتي.
مش هخرج قبل ما أفهم.
سكت أبوه فترة طويلة، وبعدين قال
منى قالت لنا إنك سافرت ألمانيا.
أحمد اتنهد بسخرية.
وأنا أصلًا ما سافرتش.
أبوه رفع عينه له.
كنت عارف.
الجملة وقعت على أحمد كأنها صدمة جديدة.
كنت عارف إيه؟
أبوه قرب منه وهمس
كنت عارف إنك هترجع في يوم من الأيام بس كنت خايف ترجع بدري.
أحمد مسك إيد أبوه.
قولّي الحقيقة كلها.
قبل ما أبوه يرد، سمعوا صوت خطوات جاية من ناحية المطبخ.
أمه اتوترت فجأة.
استخبى يا أحمد!
ليه؟
منى!
أحمد وقف، لكن أبوه شده ناحية دولاب صغير في الركن.
لو شافتك هنا، هتبوّظ كل حاجة.
أحمد استخبى وهو مش فاهم.
الباب اتفتح.
دخلت منى، وفي إيدها سلسلة مفاتيح.
بصت لأبوها وأمها، وقالت ببرود
لسه صاحيين؟
أم أحمد ردت بسرعة
كنا بننام.
منى قربت من أبوها.
وبعدين؟ الجيران كلموك تاني النهارده؟
أبوه سكت.
منى ابتسمت ابتسامة باردة.
أنا سألتك سؤال.
أبو أحمد قال
لا.
كويس.
وبعدين حطت المفاتيح على الترابيزة.
عشان آخر مرة تكلمت فيها الجيران، عملتلي مشكلة. وأنا مش ناقصة.
أحمد كان بيسمع كل كلمة، وإيده مقبوضة من الغضب.
لكن الجملة اللي بعدها خلته يتجمد.
منى قالت
وبالنسبة للورق بكرة لازم تمضوا.
أمه سألت بخوف
أي ورق؟
منى ردت
ورق البيت.
أحمد حبس نفسه.
ورق البيت؟!
يعني كل اللي حصل ما كانش بسبب الفلوس بس.
كان فيه حاجة أكبر.
منى خرجت وقَفلت الباب بالمفتاح من برّه.
أحمد خرج من مخبأه فورًا.
بابا هي عايزاكم تمضوا على إيه؟
أبوه بص له، وعينيه مليانة دموع.
البيت يا أحمد.
إيه اللي حصل للبيت؟
أبوه مد إيده تحت المرتبة، وطلع ظرف بني قديم.
ده السبب الحقيقي اللي خلى أختك تتحكم فينا بالشكل ده.
أحمد فتح الظرف.
أول ورقة كانت عقد ملكية.
لكن اسم المالك مش اسم أبوه
كان اسم أحمد.
رفع عينه بسرعة.
ده إيه؟!
أبوه قال
البيت اتكتب باسمك من سنين، قبل ما تتجوز منى أصلًا.
أحمد قلب الورقة بإيده المرتعشة.
طب ليه هي عايزة ناخد منكوا توقيع؟
أبوه سكت.
أمه قالت بصوت مبحوح
عشان منى اكتشفت إن البيت مش بتاعها وإنها لو قدرت تخلي أبوك يمضي التنازل، كل حاجة هتتغير.
أحمد بص لهم.
بس أنا المالك. هي هتعمل إيه بتوقيعكم؟
أبوه رد
لأنها مش عايزة البيت لوحده.
سكت لحظة.
وبعدين قال الجملة اللي خلّت أحمد يحس إن المصيبة أكبر من مجرد طمع
منى عايزة تثبت إنك مش موجود في مصر من فترة طويلة وإنها هي اللي كانت بتصرف على البيت وبتديره. وفيه ورق تاني اتعمل باسمك من غير ما تعرف.
أحمد فتح عينه.
ورق إيه؟
أبوه مد له آخر ورقة في الظرف.
كان عليها ختم رسمي وتوقيع.
أحمد قرأ السطر الأول
ثم توقف.
لأن التوقيع الموجود أسفل الصفحة كان توقيعه هو.
مع إنه متأكد إنه عمره ما وقّع الورقة دي.
رفع أحمد عينه لأبوه وقال بهدوء مخيف
مين اللي مضى باسمي؟
أبوه بص ناحية الباب.
ياسين.
وفي اللحظة دي، أحمد