جدو تعالى بسرعة حكايات حماده
واتجه ناحيته.
لكن وقف على مسافة.
وقال:
"كنت بقول لنفسي نفس الكلام سنين."
إيفان بص له باستغراب.
أبويا كمل:
"كنت بقول يمكن بنتي تصلح حياتها. يمكن الأمور تهدى. يمكن أنا فاهم غلط."
وبعدين أشار لنوح.
"لكن الطفل اللي عنده خمس سنين ما بيخترعش الخوف اللي في عينيه."
الشرطة أخدت إيفان على جنب عشان تستجوبه.
وأنا كنت لسه مش مصدقة إن كل ده حصل.
بعد ما خلصت الإجراءات، المسعف قال إني محتاجة أروح المستشفى للاطمئنان.
أبويا مسك إيدي.
"هتروحي."
قلت له:
"وأرجع فين؟"
بص لي.
"عندي."
الكلمة كانت بسيطة.
لكنها كسرت حاجة جوايا.
لأني لأول مرة من سبع سنين، حد قال لي إن عندي مكان أرجع له.
في المستشفى، الدكتور فحصني وطلب أشعة للاطمئنان.
وأثناء ما كنت قاعدة مستنية النتيجة، أبويا حط موبايلي قدامي.
قال:
"في حاجة لازم تشوفيها."
فتحت الشاشة.
كان فيه إشعار من البنك.
حسابي المنفصل.
الـ73 دولار اللي كنت بحوشهم.
كان الحساب اتفتح من جهاز آخر قبل ساعات.
بصيت لأبويا.
"إيفان دخل على حسابي."
هز رأسه.
"وده مش كل حاجة."
فتح لي صورة كان محتفظ بيها على موبايله.
كانت ورقة مطبوعة.
كشف تحويلات.
وتحتها اسم إيفان.
بصيت للأرقام.
وبعدين رفعت عيني لأبويا.
"إيه ده؟"
قال:
"من كام شهر، بدأت ألاحظ تحويلات غريبة من حساب مشترك بينك وبينه."
قلبي بدأ يدق بسرعة.
"فلوسنا؟"
قال:
"لأ."
وسكت لحظة.
"فلوسك إنتِ."
قبل ما أستوعب، وصلتني رسالة جديدة على موبايلي.
رقم مجهول.
فتحتها.
وكان فيها جملة واحدة:
"لو عايزة تعرفي ليه جوزك كان بيبعدك عن أبوكي… اسألي أبوكي عن اللي حصل من سبع سنين."
بصيت لأبويا.
وشه كان شاحب.
قلت:
"سبع سنين؟"
ما ردش.
قلت بصوت أعلى:
"بابا… إيه اللي حصل من سبع سنين؟"
فضل ساكت.
وبعدين قال جملة خلت الدم يتجمد في عروقي:
"إيفان ماكانش أول شخص يحاول يبعدك عني."
سكت.
"وأنا غلطت لما وافقت إنه يدخل حياتك."
بصيت لأبويا ومقدرتش أتكلم.
"يعني إيه مش أول واحد؟"
أبويا أخد نفس طويل، وقعد جنبي.
"قبل جوازك بإيفان بشهور، أنا اكتشفت إنه كان بيكلمك بطريقة مختلفة عن اللي كان بيظهرها قدامي."
سألته:
"إيه اللي اكتشفته؟"
طلع من جيبه ظرف قديم.
فتحه وطلع منه صور مطبوعة ورسائل.
"كان بيحاول يقنعك إنك لو اتجوزتيه، تبعدي عني وعن أختك، وتبيعي نصيبك في البيت القديم."
بصيت للورق.
وفجأة بدأت أفتكر.
إيفان وقتها كان دايمًا يقول:
"أبوكي مش عايز مصلحتك… هو عايز يتحكم في حياتك."
كنت فاكرة إنه بيحميني من تدخلات أبويا.
لكن الحقيقة كانت العكس.
هو كان بيعزلني عنه.
أبويا كمل:
"أنا واجهته وقتها. قال لي إنه بيحبك، وإنه مش هياخد منك حاجة."
قلت:
"طب ليه ما قلتليش؟"
عينيه اتملت بالدموع.
"لأني خفت لو قلت لك، تختاريه وتبعدي عني أكتر."
سكت.
"وده أسوأ قرار أخدته في حياتي."
في اللحظة دي، فهمت ليه أبويا كان ساكت طول السنين.
مش لأنه ماكانش شايف.
كان شايف.
لكن كان خايف يخسرني.
المشكلة إن سكوتنا إحنا الاتنين هو اللي خلّى إيفان يكسب.
بعد يومين، الشرطة بدأت تجمع الأدلة.
كشف الحسابات.
رسائل التهديد.
شهادة نوح.
وتسجيل مكالمة الطوارئ.
والأهم… كاميرا صغيرة كانت أختي مركباها عند باب البيت من غير ما أعرف، لأنها كانت شاكّة إن في حاجة غلط.
التسجيل أظهر إيفان وهو بيخرج من البيت بعد ما أذاني، وبيأخذ مفاتيح العربية.
ولما واجهوه، حاول ينكر.
لكن الأدلة كانت أقوى منه.
اتقبض عليه بتهم تتعلق بالاعتداء والعنف المنزلي، وبدأت إجراءات قانونية لحمايتي أنا ونوح.
بعد أسابيع، رجعت البيت.
لكن المرة دي ما رجعتش لوحدي.
أبويا كان معايا.
نوح كان ماسك إيدي.
وقفت في المطبخ.
نفس المكان اللي وقعت فيه.
بصيت للأرض.
المكان اللي كنت فاكرة إني انتهيت فيه…
كان هو نفس المكان اللي بدأت منه حياتي الجديدة.
نوح شد إيدي وقال:
"ماما؟"
بصيت له.
"نعم يا حبيبي؟"
قال:
"هو جدو هيفضل معانا؟"
ضحكت وسط دموعي.
"أيوه."
بص لأبويا وقال:
"عشان لو حصل حاجة تاني، أكلمه."
أبويا ابتسم.
"مش لازم تستنى يحصل حاجة يا بطل."
وبعدين قرب منه وقال:
"إحنا بنتصل ببعض عشان نفتكر إننا مش لوحدنا."
بعدها بشهور، بدأت حياتي تتغير.
فتحت حسابًا جديدًا باسمي.
رجعت أشتغل.
بدأت أخرج من البيت من غير ما أستأذن.
واشتريت عربية صغيرة باسمي.
وأهم حاجة…
بطلت أعتذر عن حقي في الأمان.
أما إيفان، فحاول مرة أخيرة يبعت لي رسالة.
كانت قصيرة:
"أنا اتغيرت. اديني فرصة."
قريتها.
وبعدين مسحتها.
لأني فهمت أخيرًا إن التغيير الحقيقي مش كلمة تتقال بعد ما الشخص يخسر السيطرة.
التغيير الحقيقي كان إني أنا اللي اتغيرت.
أنا اللي بطلت أخاف.
أنا اللي طلبت المساعدة.
وأنا اللي سمحت لابني يشوف إن طلب النجدة مش ضعف.
وفي يوم عيد ميلاد نوح السادس، وقف قدام الكيكة، ونفخ الشموع.
قبل ما يطفيها، بص لي وقال:
"ماما… أنا عندي أمنية."
ضحكت:
"إيه هي؟"
قال:
"إننا نفضل كلنا مع بعض."
بصيت لأبويا.
وبعدين بصيت لابني.
وحضنته بقوة.
وقتها فهمت إن نوح ما أنقذنيش بمجرد إنه اتصل بجده.
هو أنقذني لأنه، وهو عنده خمس سنين، عمل الحاجة اللي أنا كنت خايفة أعملها لمدة سبع سنين:
طلب المساعدة.
وأحيانًا، أقوى بداية لحياة جديدة…
بتبدأ بمكالمة صغيرة من طفل صغير يقول:
"جدو… ماما محتاجة مساعدة."