بعد ٢٠ سنه من التخرج
إمتى؟
حوالي 12 سنة.
ناهد فتحت بوقها، لكن ما طلعش منها كلام.
أما أنا فقلت بهدوء
كريم، متقفش هنا. خلص شغلك الأول وبعدين تعالى.
رد فورًا
حاضر يا مدام سلمى.
ومشي.
أول ما خرج من القاعة، كل العيون اتجهت ناحية ناهد.
واحدة من البنات قالت
هو مش كريم جوزك؟
ناهد حاولت تضحك.
آه طبعًا.
طب إزاي شغال عند أهل سلمى؟
ناهد اتلخبطت.
هو... مش بالمعنى ده.
مي ما قدرتش تمسك نفسها وقالت
أمال بالمعنى إيه؟
ناهد بصتلها بضيق.
كريم عنده شغل خاص كمان.
أنا سكت.
لأني ما كنتش عايزة أحرجها أكتر.
لكن المشكلة إن ناهد بنفسها ما كانتش هتسيب الموضوع يعدي.
بصتلي وقالت
يعني إنتِ صاحبة الشركة؟
قلت
الشركة بتاعة بابا وماما، وأنا من سنين بقيت مسؤولة عن جزء كبير منها.
قالت بسرعة
بس إنتِ عمرك ما قلتي!
ابتسمت.
وإنتِ عمرك ما سألتي.
الجملة وقعت عليها تقيلة.
لكنها حاولت تغيّر اتجاه الكلام
طب ما هو أكيد كريم كان بيشتغل معاهم شغلانة مؤقتة ولا حاجة.
هنا مي بصتلي.
أنا فهمت إنها عايزة تقول لها الحقيقة كاملة.
لكن قبل ما أتكلم، باب القاعة اتفتح تاني.
دخل والدي.
وراه والدتي.
حسام جري عليهم بسرعة
يا أهلاً وسهلاً يا أستاذ محمود! يا مدام ليلى! نورتوا الحفلة.
بابا ابتسم وقال
معلش يا حسام، كنا بنمر بس ناخد سلمى ونمشي.
ناهد أول ما سمعت اسم بابا، وقفت.
بصت له.
وبعدين بصتلي.
وبعدين رجعت بصت له.
وفجأة قالت
حضرتك... والد سلمى؟
بابا ابتسم
أيوه.
سكتت ثواني.
ثم قالت
يعني حضرتك صاحب مجموعة الشاذلي؟
بابا ضحك
صاحبها أنا ومراتي... وسلمى بتدير جزء كبير منها معانا.
القاعة كلها سكتت.
حسام نفسه كان واقف
أما ناهد، فوشها بقى أحمر.
بابا سلم عليّ، وبعدين قال
يلا يا سلمى؟ الاجتماع بكرة بدري.
قلت
حاضر.
وأنا بلم شنطتي، سمعت واحدة من البنات بتسأل ناهد
هو مش إنتِ من شوية كنتِ بتقولي إن جوزك عنده علاقات قوية جدًا في مجموعة الشاذلي؟
ناهد ما ردتش.
واحدة تانية قالت
وكمان قلتي إنه يعرف ناس تقيلة هناك.
الصمت بقى أثقل.
مي قربت مني وقالت
يلا قبل ما الموضوع يقلب حفلة فضايح.
ضحكت.
وأنا ماشية، ناهد لحقتني عند باب القاعة.
سلمى.
وقفت.
نعم؟
قالت بصوت منخفض
إنتِ كنتِ عارفة؟
عارفة إيه؟
إن كريم شغال عند أهلك.
بصيت لها بهدوء.
من أول ما شفته.
اتنهدت.
طب ليه ما قولتيش؟
وإنتِ ليه ما قولتيش الحقيقة؟
اتوترت.
أنا ماكدبتش.
بصيت لها.
ناهد، إنتِ قلتي قدام الناس إن جوزك رجل أعمال كبير، وإنه صاحب صفقات بالملايين، وإنه يعرف ناس تقيلة، وإنه ممكن يظبطلي شغلانة.
سكتت.
كملت
أنا ما صححتلكيش كلامك، لأن اللي بيحب يستعرض قدام الناس بيكون أحيانًا محتاج حد يصفق له أكتر من إنه محتاج الحقيقة.
وشها انكسر.
لكن المفاجأة كانت لسه ما خلصتش.
لأن كريم كان واقف بعيد، وسمع آخر جملة.
قرب من ناهد وقال
ناهد... ممكن نتكلم؟
هي بصت له بخوف.
بعدين.
لأ، دلوقتي.
الناس كلها بدأت تبعد عنهم.
كريم قال
أنا فعلًا اشتغلت سنين مع الأستاذ محمود والأستاذة ليلى. واتعلمت منهم حاجات خلتني أبدأ شغل خاص بيا.
بصلي.
ومدام سلمى هي اللي ساعدتني أول ما قررت أفتح مكتب مقاولات صغير.
ناهد بصت له مصدومة.
إنتِ ساعدتيه؟
قلت
ساعدته بنصيحة، مش أكتر.
كريم هز راسه
لأ يا مدام سلمى. حضرتك ساعدتيني لما كل
ثم بص لمراته
وعشان تبقي عارفة... أنا عمري ما قلت لحد إني رجل أعمال كبير، ولا عمري ادعيت إني مليونير.
ناهد بلعت ريقها.
يعني...
قاطعها
يعني الكلام ده إنتِ اللي كنتِ بتقوليه للناس.
القاعة كلها سكتت.
وبعدين قال لها
أنا مش زعلان إنك عايزة تعيشي كويس. أنا زعلان إنك بقيتي شايفة قيمة الناس في اللي معاهم.
الكلام أصابها في مكان حساس.
بدأت عينيها تدمع.
لكنها قالت
أنا كنت خايفة الناس تشوفني أقل منهم.
رد كريم
وإنتِ بسبب خوفك ده، خليتي ناس كتير تحس إنها أقل منك.
ما ردتش.
بابا كان واقف بعيد، ولما شاف الموقف خلص، قال
سلمى، يلا.
مشيت معاه.
وأنا خارجة، سمعت ناهد بتناديني
سلمى!
بصيت لها.
قالت
أنا آسفة.
فضلت ساكتة لحظة.
وبعدين قلت
الاعتذار الحقيقي مش إنك تعتذريلي أنا.
أمال لمين؟
لكل شخص حسستيه في يوم إنه أقل منك.
ومشيت.
بعد أسبوع، حصلت حاجة ما كنتش متوقعاها.
وصلني إيميل من إدارة الفندق.
كان فيه خطاب رسمي من ناهد.
فتحت الرسالة.
كانت بتعتذر عن تصرفها في الحفلة، وبتطلب مني أقابلها.
وافقت.
قابلتها في كافيه هادي.
المرة دي كانت مختلفة تمامًا.
لا شنطة غالية محطوطة قدامها.
ولا كلام عن الفيلا.
ولا استعراض للدبلة.
قعدت قدامي وقالت
عارفة أكتر حاجة وجعتني؟
إيه؟
إنك ما حاولتيش تفضحيني.
استغربت.
المفروض كنت أعمل كده؟
هزت راسها.
كنت مستنية منك تتخانقي معايا، أو تقوليلي إنك أغنى مني، أو توري الناس مين إنتِ.
ابتسمت.
وده كان هيخليني أحسن منك؟
سكتت.
وبعدين قالت
لا.
أخدت نفس طويل.
أنا كنت طول عمري فاكرة إن اللي يملك أكتر يبقى أهم.
قلت
واللي يملك أقل؟
بصت للأرض.
كنت بشوفه أقل.
سكتنا شوية.
ثم قالت
كريم قاللي حاجة غريبة امبارح.
إيه؟
قاللي إن أبوكي وأمك عمرهم ما عاملوا موظف عندهم على إنه أقل منهم.
ابتسمت.
دي الحقيقة.
قالت
عشان كده شركتهم كبرت.
وبصتلي
مش عشان الفلوس.
ضحكت.
بالظبط.
قبل ما أمشي، ناهد قالت
سلمى... ممكن نبدأ من جديد؟
بصيت لها ثواني.
نبدأ من غير مقارنة.
ابتسمت.
موافقة.
بعد ست شهور، اتعملت حفلة تانية للدفعة.
نفس الناس تقريبًا.
لكن المرة دي حسام بنفسه استقبلني عند الباب.
وقال
سلمى، تحبي تقعدي فين؟
ضحكت.
أي مكان.
قال
لأ، اختاري إنتِ.
بصيت ناحية ناهد.
كانت واقفة مع شوية بنات، ولما شافتني ابتسمت.
وأشارتلي على كرسي جنبها.
رحت قعدت.
بعد شوية، واحدة من البنات
قالت لنا وهي بتضحك
فاكرين حفلة السنة اللي فاتت؟
ناهد ضحكت.
ياريت تنسيها.
البنت سألت
ليه؟
ناهد بصتلي وقالت
عشان كانت أكتر ليلة اتعلمت فيها إن المظاهر ممكن تخدعك.
ضحكت.
بس بصراحة؟
بصتلها.
إيه؟
قالت
لو رجع بيا الزمن، كنت هقول لسلمى من أول دقيقة أنا مبسوطة إني شفتك.
ابتسمت.
وأنا كنت هقولك من أول دقيقة أنا كمان.
ومن بعيد، دخل كريم القاعة.
المرة دي ما دخلش باعتباره سواق حد.
دخل بصفته صاحب شركته الصغيرة اللي كبرت خلال الشهور اللي فاتت.
أول ما شافني، ابتسم وقال
مدام سلمى، عندي خبر حلو.
إيه؟
أول مشروع كبير ليا اتوافق عليه.
فرحت له.
مبروك يا كريم.
وبص لناهد.
ربنا يبارك لكم.
ناهد مسكت إيده.
ولأول مرة، شفتها بتبص لجوزها بفخر من غير ما تحتاج تقول لأي حد هو معاه كام.
أما أنا، فبصيت حواليا.
نفس القاعة.
نفس الناس.
لكن حاجة واحدة كانت مختلفة.
المرة دي محدش كان بيسأل مين قاعد قدام ومين قاعد ورا.
لأننا كلنا فهمنا الدرس.
الناس اللي بتحتاج تثبت قيمتها كل دقيقة، غالبًا لسه مش عارفة قيمتها الحقيقية.
أما اللي عارف قيمته...
مش محتاج يقول لحد هو مين.