خلوها تستنى في الاستقبال ٣ ساعات
— إنتِ سيبتي مكانك تاني؟
فرح ردت:
— الحاجة كانت محتاجة مية.
نهى بصتلها بحدة:
— إحنا مش مشغلينك عشان تخدمي أي حد داخل من الشارع!
ميرفت حاولت تتدخل:
— أنا اللي طلبت منها…
نهى قاطعتها من غير حتى ما تبصلها:
— ما تتدخليش.
وبعدين لفت ناحية فرح وقالت:
— لمي حاجتك. إنتِ مرفودة.
وش فرح فقد لونه.
— والنبي يا أستاذة… أنا محتاجة الشغل ده. أمي تعبانة وأنا اللي بدفع تمن علاجها.
نهى ردت ببرود:
— كان لازم تفكري في ده قبل ما تعصي التعليمات.
فرح لمّت شنطتها وخرجت وهي بتعيط.
وباقي الموظفين عملوا نفسهم مش سامعين.
نهى رجعت لمكتبها، وقعدت تتكلم مع زميلتها وهي بتقول:
— على أي حال، أنا كنت ناوية أمشيها من زمان. كنت بس مستنية أي غلطة أعلّقها عليها.
ميرفت رجعت قعدت مكانها.
لكن الحزن اللي كان في عينيها اتحول لحاجة تانية تمامًا.
قرار.
هي ما بقتش مستنية حد ييجي يقابلها.
هي بقت مستنية اللحظة المناسبة…
عشان تكشف لهم هي مين.
حكايات بسمة
خيم الصمت على قاعة الاستقبال، وجلست الحاجة ميرفت على كرسيها مجدداً بجوار النافذة، تطالع الشمس الملتهبة في الخارج، بينما كان صدرها يعلو ويهبط بنبرة حزن مكتوم تحول بمرور الدقائق إلى صلب كالفولاذ.
طالعت نهى وهي تجلس وراء مكتبها، ترتب شعرها وتنظف أظافرها ببرود، بينما صوت شهقات فرح المسكينة ما زال يتردد في أذنيها وهي تغادر بوابة المصنع مكسورة الخاطر.
في هذه اللحظة، كانت الساعة قد بلغت الثانية والنصف ظهراً.
تحركت السيارات الفاخرة في الفناء الخارجي للمصنع. انفتحت أبواب القاعة الرئيسية، وخرج المدير العام، عادل الشاذلي، وهو يرتدي بذلته الكحليّة الغالية، يمسك بهاتفه ويصرخ في أحد الموظفين:
— «يا ابني افهم! المالكة الجديدة الشيك البنكي بتاعها اتصرف خلاص، وأوراق نقل ملكية أسهم مصنع "نسيج الوادي" بالكامل بقت باسمها في الشهر العقاري وهي جاية تسلم المصنع بنفسها النهاردة! لو لقيت أي حاجة مش مضبوطة في الاستقبال أو العمال، قسمًا بالله هقفل البيوت دي كلها!»
ركضت نهى مسرعة من خلف مكتبها، وعدلت إيجار وشاحها،
— «أستاذ عادل! كل حاجة جاهزة! البوكيهات في مكانها، وعمال النظافة مسحوا الممرات، والمشروبات الفاخرة جاهزة في قاعة الاجتماعات فوق! بس هي أتأخرت أوي، هي المحامية بتاعتها وقّعت الصبح وقالت إنها جاية على الساعة 12؟»
عادل الشاذلي وهو يمسح العرق عن جبهته بمنقوشة حريرية:
— «المحامية اتصلت بيا من نص ساعة وقالت إن الحاجة ميرفت دخلت المصنع من الساعة 11 الصبح وكانت عايزة تقعد لواحدها وتتفرج على المكان وتشوف أسلوب العمل من غير ما حد يعرفها!»
وقفت نهى مكانها كأن صاعقة قد ضربتها!
تجمدت في أرضها، وتلاشت ألوان وجهها بالكامل.
أما عادل الشاذلي، فقد عقد حاجبيه وقال بذهول:
— «دخلت من الساعة 11 الصبح؟! إزاي يعني؟! ومحدش شافها في الاستقبال؟!»
في تلك اللحظة...
اتكأت الحاجة ميرفت على عصاها الخشبية القديمة. قامت من على كرسيها بجوار النافذة بخطوات بطيئة، لكنها شديدة الثبات والمهابة. كان صوت طقطقة عصاها على الأرضيات الرخامية يتردد صداه في قاعة الاستقبال التي سكن فيها كل شيء.
وقفت ميرفت في منتصف القاعة، أمام عادل الشاذلي ونهى مباشرة.
نظرت إلى عادل الشاذلي بثبات، ثم قالت بصوت عامي هادئ ولكنه يزلزل المكان:
— «مساء الخير يا أستاذ عادل... أنا الحاجة ميرفت. المالكة الجديدة لمصانع نسيج الوادي.»
سقط الهاتف من يد عادل الشاذلي على الأرض ليتناثر أجزاءً!
شهقت نهى وضعفت ركبتيها لدرجة أن كوعها ارتطم بمكتب الاستقبال لتسقط منه الأوراق.
نظر عادل الشاذلي إلى المرأة البسيطة التي ترتدي فستاناً قماشياً حسناً وتستند على عصا خشبية، البنت التي تركها الموظفون جائعة وتائهة ومحرومة من كوب ماء لأكثر من ثلاث ساعات في الاستقبال!
بلع عادل ريقه بصعوبة بالغة، وتلجلجت كلماته في فمه:
— «حـ... حاجّة ميرفت؟! حضرتك... حضرتك هنا من الصبح؟! أنا... أنا بعتذر جداً! الموظفين الأغبياء دول ما عرفوش حضرتك! يا نهى! إزاي تسيبها قاعدة كده؟! إزاي ما تقوليليش؟!»
انفجرت نهى في البكاء والارتجاف، وقالت بنبرة متوسلة:
— «والله ما كنت أعرف يا أستاذ عادل! والله هي دخلت وقالت محتاجة
التفتت الحاجة ميرفت ونظرت لنهى بنظرة تقطر كبرياءً وكرامة:
— «ست غلبانة جاية تطلب حسنة؟... هو من إمتى يا بنتي المعاملة الإنسانية والرحمة بالمواطنين والناس الكبار بقت بالمظاهر والبدل الغالية؟ هو عشان أنا لابسة فستان بسيط وماشية بعصاية، أقعد في الاستقبال ثلاث ساعات من غير حتى كباية مية؟!»
ثم التفتت إلى شوقي منصور، المورد الغلبان الذي كان ما يزال يجلس على الكرسي بانتظار مستحقاته، وأشارت إليه بعصاها:
— «الراجل ده... المورد اللي شغال معاكم بقاله 12 سنة ويشيل شغلكم، ييجي ثلاث مرات عشان ياخد حقه ويتقال له بسخرية "تعالى المرة الرابعة"؟! هو ده أسلوب إدارة مصنع نسيج الوادي؟!»
ركض عادل الشاذلي وهو يحني رأسه أضعافاً:
— «يا فندم حقك عليا! أنا هقيل نهى حالاً! وهحاسب الحسابات فوراً وشيك الأستاذ شوقي هيكون جاهز في ظرف خمس دقائق! أرجوكِ تفضلي معايا على مكتب الإدارة الرئيسي فوق، القهوة والتكييف والمشروبات كلها مستنياكي...»
رفعت ميرفت عصاها في وجهه وقالت بقطع يرفض أي مساومة:
— «مفيش طلوع فوق ولا فيه قهوة وتكييف قبل ما نضف المصنع ده من القسوة والظلم اللي فيه!»
ثم التفتت للممر الجانبي وصرخت بصوت قوي هز جنبات المصنع:
— «يا فرح! يا بنتي! تعالي هنا!»
كانت فرح الموظفة الصغيرة ما تزال تقف بالقرب من البوابة الخارجية تمسح دموعها وتستعد للمغادرة وهي تحمل شنطتها القماشية. ولما سمعت صوت الحاجة ميرفت تناديها باسمها، ركضت ونظرت بذهول للموقف المشتعل في الاستقبال.
قالت ميرفت وهي تضع يدها الدافئة على كتف فرح:
— «البت دي... البنت الوثيقة والوحيدة في المكان ده اللي افتكرت يعني إيه رحمة وإنسانية. جابت لي كباية مية، وحطت مخدة ورا ضهري عشان يريحني التعب، ولما نهى طردتها عشان عملت أصلها، هي دي الموظفة اللي تنفع تمسك الاستقبال وتنظم مقابلات الناس بنفس طيبة!»
ثم التفتت لنهى وقالت بصوت عامي حاسم:
— «إنتِ يا نهى... لمي حاجتك من على المكتب ده فوراً! إنتِ المرفودة
انهارت نهى وسقطت على الأرض تبكي وتتوسل:
— «يا حاجة ميرفت أرجوكي! أرجوكي سامحيني! أنا عندي أقساط وعليا ديون وما أقدرش أسيب الشغل!»
ردت ميرفت وهي تدير وجهها عنها:
— «كان لازم تفكري في ده قبل ما تطردي بنت غلبانة بتصرف على أمها المريضة عشان مجرد إنها ادتني كباية مية. اللي ما يرحمش الناس، ربنا ما يرحمهوش.»
ثم التفتت لعادل الشاذلي وقالت له:
— «وأنت يا أستاذ عادل... الحاجة أمينة، عاملة النظافة الكبيرة اللي أنت هزقتها وخصمت منها عشان مية كبها موظف تاني، ترجع لها كل خصوماتها فوراً وتتضاعف مكافأتها الشهرية! والأستاذ شوقي المورد يستلم شيكه بفلوسه كاملة مع زيادة 10% تعويض عن المماطلة وقلة ذوقكم معاه!»
سارع عادل الشاذلي بالإومال بلهفة شديدة:
— «أوامرك يا حاجة ميرفت! حالاً! كل اللي طلبتيه هيتنفذ في ثواني!»
التفتت ميرفت إلى فرح وقالت لها بابتسامة حنونة:
— «من بكره يا فرح يا بنتي... أنتِ المسؤولة الأولى عن استقبال مكتب المالكة والإدارة بمكافأة وراتب مضاعف، وأي حد يدخل المكان ده، كبير أو صغير، ينزل له الواجب والرحمة قبل أي كلام.»
انفجرت فرح بالبكاء، ولكن هذه المرة دموع الفرح والامتنان، وأمسكت بيد الحاجة ميرفت وقبلتها:
— «ربنا يخليكي يا حاجة... ربنا يبارك لك ويجعله في ميزان حسناتك! أنتِ أنقذتيني وأنقذتي أمي!»
مسحت ميرفت على رأسها، وقالت بصوت دافئ ملأ المكان رضا وبركة:
— «ربنا هو اللي بينقذ الغلابة يا بنتي... وأنا ما جيتش هنا عشان أكون مالكة بالفلوس والأسهم بس، أنا جيت عشان أثبت للناس دي كلها إن المصنع اللي ما يتبنيش على الرحمة والاحترام، الانهيار بيبقى مصيره مهماً كبرت أسهمه.»
سارت الحاجة ميرفت بخطوات متزنة نحو مصعد الإدارة، يستند خشب عصاها على الأرضيات الرخامية الصافية، وبجوارها فرح تبتسم، بينما تبدلت أحوال مصنع «نسيج الوادي» في يوم واحد، ليعلم الجميع أن العدل الإلهي
تمت