قبل ما التاكسي يوصلني حكايات حماده
قبل ما التاكسي يوصلني بخمس عشرة دقيقة علشان ياخدني المطار، بنتي الصغيرة جريت عليّا وحضنتني من رقبتي وهمست في ودني:
«بابا… أوعى تسافر النهارده.»
بصيت لها باستغراب وابتسمت.
«ليه يا حبيبتي؟ دي سفرة يومين بس.»
لكنها هزت راسها بسرعة، وبصت ناحية المطبخ.
في اللحظة دي، ابتسامتي اختفت.
مراتي سارة كانت واقفة هناك… ماسكة كوباية العصير في إيدها وبتبتسم.
رجعت أبص لبنتي، فقالت بصوت واطي:
«لما بتسافر يا بابا… ماما بتحط حاجة في العصير بتاعي، وبعدها بتصورني.»
اتجمدت مكاني.
سارة كانت مراتي بقالها حوالي عشر شهور.
نزلت على ركبتي قدام بنتي، وحاولت أبان هادي رغم إن قلبي كان بيخبط بعنف.
«إيه اللي بتقوليه ده يا ليلى؟»
قالت:
«بتقول لي إنها فيتامينات… بس بعدها بحس إني مش طبيعية، وماما بتبدأ تصورني.»
«بتصورك ليه؟»
سكتت شوية، وبعدين قالت:
«بتقول إنها لازم توريك أنا بعمل إيه لما إنت مش موجود.»
حسيت ببرودة بتجري في جسمي.
بنتي ليلى عندها ست سنين.
ومن يوم ما أمها هانا ماتت من أربع سنين بعد مرض قصير وسريع، وأنا بقيت كل حياتي عشان
شغلي، المدرسة، الأكل، النوم، الحكايات قبل ما تنام… حتى الأسئلة الصعبة اللي عمرها ما كان المفروض طفلة في سنها تسألها.
ولما سارة دخلت حياتنا، كنت فاكر إني أخيرًا لقيت حد يقدر يحب بنتي ويحافظ عليها.
عمرها ما طلبت مني أشيل صور هانا من البيت.
ولا عمرها اتضايقت لما ليلى كانت بتتكلم عن أمها.
وكانت كل سنة تيجي معانا نزور قبر هانا ونحط ورد.
كنت فاكر إن كل ده دليل إنها إنسانة طيبة.
طلع إني كنت غلطان.
سألت ليلى:
«ماما قالت لك إيه تاني؟»
بصت ناحية المطبخ مرة تانية، وقالت:
«قالت لي إن في يوم من الأيام هتفهم إن لازم أعيش في مكان تاني.»
اتحبست أنفاسي.
«مكان تاني؟ فين؟»
هزت كتفها.
«مش عارفة… بس قالت لو حكيت لك عن العصير، إنت هتصدق الفيديوهات اللي بتصورها، وهتفتكر إني بكذب.»
وقتها فهمت إن الموضوع أكبر من مجرد عصير.
لكن قبل ما أتكلم، قالت ليلى جملة خلت دماغي تقف:
«ماما كمان بتتكلم مع جوليان.»
عبست.
«جوليان مين؟»
قالت:
«راجل بييجي هنا ساعات لما إنت بتكون مسافر.»
حسيت إن الأرض بتتحرك من تحتي.
«وبيعمل إيه هنا؟
«بيقعد مع ماما ويتكلموا عن بيت البحر بتاع مامي هانا.»
بيت البحر!
الكلمة دي بالذات كانت كفيلة إنها تخليني أشك في كل حاجة.
لأن بيت البحر بتاع هانا كان ملكها قبل ما نتجوز.
وبعد وفاتها، البيت بقى باسم ليلى قانونيًا.
وكان فيه أوراق وممتلكات وأسرار مالية عمر سارة ما كان ليها علاقة بيها.
أو على الأقل… ده اللي كنت فاكره.
رفعت عيني ناحية المطبخ.
سارة كانت لسه واقفة مكانها.
ماسكة كوباية العصير.
وبتبتسم لي.
وكأنها ما سمعتش كلمة واحدة.
ابتسمت لها أنا كمان.
وقلت:
«خلاص يا سارة، أنا هتحرك على المطار.»
وشفت عينيها لمعت براحة.
لكن الحقيقة؟
أنا ماكنتش رايح المطار.
في نفس اللحظة، فتحت موبايلي وبعت رسالة واحدة لشركة الطيران:
«إلغاء الرحلة.»
وبعدها خرجت من البيت ومعايا شنطتي، وركبت التاكسي.
لكن بدل ما أروح المطار، نزلت قبل ما نوصل، وطلبت من السواق يمشي.
استنيت حوالي عشرين دقيقة، وبعدها رجعت البيت من غير ما حد يحس.
ولأول مرة في حياتي، دخلت بيتي وأنا متأكد إن الشخص اللي جواه مش لازم يعرف إني رجعت.
دخلت من الباب الخلفي.
وقتها بدأت أدور على أي حاجة ممكن تثبت كلام ليلى.
كاميرا.
موبايل.
تسجيل.
أي دليل.
وبعد ساعات من البحث، لقيت حاجة ماكنتش متوقعها.
نسخة احتياطية من تسجيلات كاميرا قديمة كانت مركونة في جهاز صغير جوه الدولاب.
فتحت الملفات.
أول فيديو كان عادي.
التاني برضه.
لكن لما وصلت للتاريخ اللي كنت فيه مسافر الشهر اللي فات…
شفت سارة وهي داخلة أوضة ليلى.
وبعد دقائق، خرجت وهي ماسكة نفس كوباية العصير.
إيدي بدأت ترتعش.
لكن اللي ظهر في الفيديو بعد كده كان أسوأ بكتير.
لأن سارة ما كانتش بتصور ليلى بس.
الكاميرا التانية كانت موجهة ناحية المكتب اللي في أوضتي.
وهناك ظهر جوليان.
فتح درج مكتبي.
وطلع منه ملف.
حطه قدام سارة.
وبدأوا يتكلموا عن بيت البحر.
لكن بعد أقل من دقيقة، سمعت جملة خلتني أنسى تمامًا موضوع ليلى والعصير.
جوليان قال:
«إحنا قربنا نخلص… بس في مشكلة واحدة.»
سارة ردت:
«إيه؟»
بص ناحيتي في الفيديو، رغم إني طبعًا ماكنتش موجود.
وقال:
«ماركوس نفسه.»
سارة سكتت.
وبعدين قالت:
«علشان كده لازم الفيديوهات تكمل.»
في
كانت مجرد جزء من خطة أكبر.
وخطة كان الهدف منها…
أنا.
لكن اللي ماكنتش أعرفه وقتها إن الملف اللي جوليان أخده من مكتبي كان فيه سر عن وفاة هانا نفسها.
وسر لو ظهر للنور…