رجعت وانا ناوي اربي بنتي

لمحة نيوز

رجعت وأنا ناوي أربي بنتي وأعلّمها الأدب، بعد ما أمي قالتلي إنها ضيّعت ٣٢ ألف جنيه لكن أول ما شفتها كانت مخبية نص رغيف عشان تتعشى بيه، اتجمدت مكاني.
بصتلي وقالت بصوت واطي
بابا أنا افتكرت إنك مبقتش بتحبني.
ما رديتش عليها.
طلعت تحويلات الخمس سنين اللي فاتوا من موبايلي، وروحت على المدرسة على طول.
واللي اكتشفته في ملف بنتي خلاني أغيّر الشخص اللي كنت راجع أعاقبه تمامًا.
الجزء الأول
بنتك صرفت ال٣٢ ألف جنيه بتوع الكمبيوتر، وفوق ده كله بقت ماشية مع واحد لا ليه لازمة ولا بيدرس. لو إنت مش هتيجي توقفها عند حدها، أنا مش مسؤولة عنها بعد كده.
دي كانت الجملة اللي أمي قالتها لي في التليفون.
كنت وقتها في الإسكندرية، قاعد في مكتب الشغل بعد يوم شاق قعدت فيه حوالي ١٤ ساعة متواصلة.
أول ما سمعت كلامها، دمي غلي.
أنا اسمي حسام عبد الرحمن.
من خمس سنين وأنا شغال بعيد عن بيتي، بعد ما مراتي نهى ماتت بالسرطان.
العلاج والديون بهدلونا، وفي الآخر لقينا نفسنا تقريبًا من غير مليم.
فاضطريت أقبل شغل في مشروعات كبيرة برّه المحافظة، وأسافر كتير، وأقعد بالأيام والأسابيع بعيد عن بنتي، بس عشان أعرف أوفّر لها حياة كويسة وأرجّع البيت يقف على رجليه تاني.
بنتي ملك كان عندها عشر سنين وقتها، وسيبتها في رعاية أمي، الحاجة سعاد.
ومن يومها وأنا كل شهر ببعت فلوس.
للأكل.
للمدرسة.
للهدوم.
للمواصلات.
للدكاترة.
وكمان مبلغ زيادة مخصوص، أمي كانت بتقولي إنه للدرس، والمصاريف، وأي حاجة ملك ممكن تحتاجها.
ولا مرة اتأخرت في تحويل.
ولا مرة قلت مش هبعت.
بس أمي كانت دايمًا عندها شكوى جديدة.
ملك بقت مبذرة أوي.
البنت بقت مهملة ومش فارق معاها حاجة.
عايزة تلبس هدوم غالية على الفاضي.
طول النهار برّه البيت.
دي عارفة إنك بعيد وبتستغل

غيابك.
وأنا زي الأهبل، كنت بصدقها.
المرة دي بقى حجزت أول مواصلة راجعة، وقررت إني هروح أربي بنتي بنفسي.
ومقلتش لحد إني جاي.
وصلت مدرستها قبل ميعاد الفسحة بشوية، وفضلت أدور عليها وسط الطلبة.
في الأول معرفتهاش.
لحد ما عيني جت عليها.
ملك كانت قاعدة لوحدها على سور صغير جنب الجنينة.
لابسة الزي المدرسي، بس كان باين عليه إنه قديم ومغسول ميت مرة.
والجزمة بتاعتها كانت حالتها تقطع القلب، النعل نفسه كان بدأ يفك من مكانه.
بس اللي خلاني أقف مكاني مش هدومها
كانت الأكلة اللي قدامها.
مفيش سندوتش.
مفيش فاكهة.
حتى كيس شيبسي مفيش.
كانت ماسكة نص رغيف عيش بس.
بتاكل منه حتة حتة، كأنها خايفة يخلص.
ولما خلصت نصه، لفت الباقي في منديل وحطته جوه شنطتها.
وبعدين شربت شوية مية من زجاجة قديمة كانت بتملّاها من حنفية المدرسة.
قامت ومشيت.
أنا استخبيت بسرعة قبل ما تشوفني.
فضلت ماشي وراها من بعيد.
دخلت كشك صغير قدام المدرسة، ووقفت تبص على صينية البطاطس والسندوتشات اللي جوه.
فضلت واقفة ثواني.
بعدها حطت إيدها في جيبها، طلعت كام عملة معدنية، وعدّتهم واحدة واحدة.
وبعدين رجعتهم في جيبها ومشيت من غير ما تشتري حاجة.
أنا بعت لها ٣٢ ألف جنيه من أربع أيام بس.
حسيت إن في حاجة غلط.
دخلت على مكتب الأخصائية الاجتماعية في المدرسة.
أنا والد ملك عبد الرحمن.
الأخصائية رفعت عينيها وبصتلي باستغراب.
حضرتك بابا ملك؟
أيوه.
وشيّها اتغير فجأة.
فتحت درج المكتب وطلعت ملف.
قعدت تقلب فيه شوية، وبعدين قالت
غريبة
في إيه؟
بصت للملف تاني.
رقم تليفون حضرتك مش هو المسجل عندنا.
إزاي يعني؟
الرقم الموجود هنا مختلف وكمان اتغير أكتر من مرة.
وبعدين فضلت تقلب في الورق لحد ما قالت
أستاذ حسام بنتك بقالها سنين مسجلة عندنا ضمن الحالات اللي
محتاجة دعم مادي.
ضحكت من شدة توتري.
دعم مادي إيه؟ حضرتك أكيد فيه غلط. أنا ببعت لأمي كل شهر مبالغ كبيرة مخصوص لمصاريف ملك.
الأخصائية رفعت حاجبها.
بتبعت كام؟
فتحت موبايلي قدامها.
حسب الشهر بس ساعات بوصل لأربعين وخمسين ألف جنيه.
سكتت.
وبعدين قالت بهدوء
كل شهر؟
أيوه.
فضلت تبص في شاشة موبايلي، وبعدها رفعت عينيها عليا.
يبقى يا أستاذ حسام عندنا مشكلة كبيرة جدًا.
وقامت من مكانها.
تعالى معايا.
مشيت وراها لحد فصل صغير كانت ملك بتقعد فيه تذاكر وقت الفسحة.
ومن بعيد، شفت بنتي قاعدة لوحدها.
فتحت شنطتها.
طلعت نص الرغيف اللي كانت مخبياه.
قطعته حتت صغيرة، وحطته في كوباية بلاستيك، وراحت على مبرد المية وحطت عليه شوية مية سخنة.
أنا بصيت للأخصائية وأنا مش قادر أنطق.
همستلي
بتعمل كده كتير.
يعني إيه؟
بتاكل نص رغيف وقت الفسحة، وتخبي النص التاني عشان تاكله بعدين ساعات بتقعد من غير أكل لحد ما ترجع البيت.
حسيت بوشي بيحرق.
وبعدها الغضب بدأ يطلع جوايا.
وبعدين حسيت بحاجة أسوأ
الخوف.
سألتها فجأة
ملك بتعمل مشاكل؟
لأ.
بتتأخر عن المدرسة؟
أبدًا.
في حد بيضايقها؟
على حد علمنا لأ.
سكت شوية وبعدين سألت
طب هي ماشية مع ولد؟
الأخصائية بصتلي باستغراب.
لأ يا أستاذ حسام.
أصل أمي قالتلي إنها ماشية مع واحد مش بيدرس و
قاطعتني
ملك من أكتر الطالبات التزامًا عندنا.
وبعدين ابتسمت ابتسامة صغيرة وقالت
ودي من أوائل المدرسة كمان.
أنا سكت.
فتحت موبايلي تاني.
بدأت أقلب في التحويلات.
شهر ورا شهر.
سنة ورا سنة.
مبالغ ضخمة.
فلوس أنا كنت فاكر إنها بتتصرف على بنتي.
رفعت عيني عليها، وأنا مش فاهم.
الفلوس دي كلها راحت فين؟
الأخصائية ما ردتش.
فتحت درج تاني وطلعت ملف قديم.
حطته قدامي.
بص هنا.
كان طلب رسمي للحصول على مساعدة للطلاب
غير القادرين.
في خانة دخل الأسرة كان مكتوب
لا يوجد دعم منتظم من الأب.
حسيت إني مش شايف كويس.
وتحت الجملة مباشرة
كانت فيه إمضا أمي.
فضلت باصص للإمضا ثواني طويلة.
ساعتها فهمت.
أنا ما رجعتش القاهرة عشان أربي ملك.
ولا عشان أحاسبها على ال٣٢ ألف جنيه.
ولا عشان أواجهها بحكاية الولد اللي أمي قالتلي عليه.
أنا رجعت عشان أعرف مين اللي سرق فلوسي
بس الأهم من كده
مين اللي سرق من بنتي حقها في الأكل، واللبس، والأمان وخلاها طول السنين دي فاكرة إن أبوها هو اللي سايبها؟
بصيت ناحية ملك.
كانت قاعدة بتاكل العيش المبلول في هدوء، ولا تعرف إن حياتها كلها على وشك تتقلب.
لكن اللي ما كنتش أعرفه وقتها
إن موضوع الفلوس كان مجرد بداية.
لأن اللي كان مستخبي في ملف ملك كان أخطر بكتير من مجرد سرقة فلوس.
فضلت واقف قدام الملف، مش قادر أرفع عيني من على إمضا أمي.
كنت بحاول أقنع نفسي إن فيه تفسير تاني.
يمكن إمضتها اتاخدت منها.
يمكن المدرسة غلطت.
يمكن الموضوع كله سوء تفاهم.
لكن الأخصائية قطعت كل الأفكار دي.
قالت بهدوء
أستاذ حسام، حضرتك محتاج تعرف حاجة تانية.
بصيتلها.
إيه؟
فتحت الملف على ورقة تانية.
هنا طلب إعفاء من المصروفات الدراسية من تلات سنين.
قربت الورقة مني.
الإمضا نفس الإمضا.
اسم أمي مكتوب.
لكن اللي خلاني أتجمد إن في خانة الحالة الاجتماعية لملك كان مكتوب
الأب غير متواجد ولا يساهم في رعاية الطفلة.
رفعت عيني للأخصائية.
مين كان بيقدم الورق ده؟
جدتها.
أمي؟
هزت راسها.
أيوه.
حسيت إني مش قادر أتنفس.
خمس سنين وأنا ببعت فلوس.
وخمس سنين بنتي بتاخد مساعدات من المدرسة.
يعني أمي مش بس كانت بتاخد فلوسي
دي كانت بتثبت للمدرسة إن بنتي محتاجة صدقة.
بنتي.
اللي أنا كنت فاكر إني موفّر لها كل حاجة.
سألتها
طب وملك؟
كانت عارفة؟
الأخصائية سكتت شوية.
وبعدين قالت
ملك كانت فاكرة إنك مش بتبعت فلوس.
مين قالها كده؟
جدتها.
قفلت عيني.
حسيت إن فيه حاجة اتكسرت جوايا.
أنا كنت فاكر إن بنتي بتبعد عني عشان
 

تم نسخ الرابط