جوزي كان عنده عاده
شبه الظروف اللي كنا بناخد فيها أوراق ونتائج الفحوصات من مركز الخصوبة اللي بنتابع فيه.
لكن قبل ما أفهم الظرف ده بيعمل إيه معاها، سمعت أحمد بيقول بصوت مكسور
لو سبتها دلوقتي... مريم لسه قدامها وقت تعيش الحياة اللي نفسها فيها.
نفسي اتقطع.
أنا مكنتش سايقة نص المدينة الساعة اتنين الصبح عشان أسمع جوزي بيتكلم عن حياة من غيري.
أنا جيت عشان أعتذر له وأرجعه البيت.
والأغرب إن قبلها بست ساعات بس، مكنتش أعرف أصلًا إن جوازنا وصل للمرحلة دي.
أنا وأحمد متجوزين بقالنا تمن سنين.
خناقاتنا كانت قليلة جدًا، لكن أحمد طول عمره بيكره الصوت العالي.
وكان دايمًا يقول لي
إحنا مش هنحل أي حاجة وإحنا متعصبين لدرجة ممكن نجرح بعض.
في الأول كنت بكره إنه يمشي وقت الخناق.
لكن مع السنين اتعودت.
كان بيروح عند أمه، يهدى، ويرجع الصبح أهدى ونقدر نتكلم.
أو على الأقل...
ده اللي كنت فاكرة إنه بيحصل.
الليلة دي، قبل ما يمشي، كنا قاعدين في المطبخ.
موبايلي كان مفتوح قدامي على التقويم، وأنا من غير ما أحس كنت بحرك قاعدة الكوباية اللي جنب مج أحمد.
فجأة قال
بطلي تعملي كده.
بصيت له باستغراب.
أعمل إيه؟
تحركي الحاجات.
أنا محركتش حاجة.
حركتي قاعدة الكوباية تلات مرات.
بعدت إيدي عنها.
بقالي تلات أسابيع بحاول أخلي أحمد يحدد معاد متابعة في مركز الخصوبة.
إحنا بقالنا تقريبًا سنة بنحاول نخلف.
وكل تحليل كان بيجيب وراه تحليل.
وكل زيارة كانت بتنتهي بجملة
محتاجين نستنى شوية.
أنا كنت أقدر أستحمل خبر وحش.
لكن اللي مكنتش قادرة أستحمله هو الصمت.
قلت
المركز اتصل تاني النهارده.
كتاف أحمد اتشدت.
هنتصل بيهم.
إمتى؟
بكرة.
بصيت له.
قلت كده امبارح.
سكت لحظة، وبعدين قال
مريم، أنا مش عايز أتكلم في الموضوع ده النهارده.
إيدي رجعت ناحية قاعدة الكوباية من غير ما أحس.
وده نفس اللي قلته امبارح. كل يوم بتقول بكرة. أنا محتاجة أعرف يا أحمد... إحنا هنخلف أصلًا ولا لأ؟
فكه اتشد.
مش عايز أتكلم في الموضوع دلوقتي.
كان المفروض أسكت.
لكن خوفي خلاني أضغط عليه أكتر، وكل ما أضغط، هو يدخل أكتر في صمته.
قلت
إنت ليه بتهرب من الموضوع؟
مش بهرب.
حتى معاد مش عايز تحدده.
قلت لك هتصل بيهم يا مريم. خلاص.
طب اتصل دلوقتي.
بص لي.
الساعة قربت على 11 بالليل.
سيب لهم رسالة.
مريم، كفاية.
قلت بانفعال
كفاية إني أسأل؟
كفاية تحاولي تخلي كل حاجة تحصل في الوقت اللي إنتِ محدداه.
وقفت من مكاني.
الموضوع مش موضوع وقتي أنا.
بس أنا حاسس بكده.
إحنا المفروض بنعمل ده سوا.
وإحنا فعلًا سوا.
ضحكت بمرارة.
أمال ليه حاسة إني الوحيدة اللي لسه بتحاول؟
أحمد سكت تمامًا.
وأنا سمعت الجملة بعد ما خرجت من بقي.
كان ممكن أصلحها.
كان ممكن أقول له إني مقصدتش.
لكن بدل كده...
كملت.
يمكن إنت أصلًا مش عايز طفل قد ما أنا عايزة.
وشه اتغير.
ومكانش غضب.
كان شيء أسوأ.
قال ببطء
إنتِ قلتي إيه؟
أحمد...
إنتِ فاكرة إني مش عايز عيلة؟
أنا شايفاك خايف حتى تتكلم عن الموضوع.
إنتِ متعرفيش إنتِ بتقولي إيه.
طب فهمني!
مد إيده ناحية مفاتيحه.
والخوف ضربني مرة واحدة.
إنت ماشي؟
هروح عند أمي.
ضحكت بسخرية وأنا متعصبة
طبعًا... ما هو ده اللي بتعمله دايمًا.
لف ناحيتي.
متعمليش كده.
كل ما الأمور تبقى صعبة، تمشي.
أنا بمشي عشان منخليش الأمور أسوأ.
ما هي بقت أسوأ بالفعل!
فضل باصص لي ثواني.
وأنا لأول مرة حسيت إني شايفة أحمد مكسور.
لما أبويا مات، أحمد كان أهدى شخص في كل أوضة انهرت فيها.
يمكن عشان كده منظر الانهيار في عينيه خوّفني بالشكل ده.
قلت بصوت أهدى
أرجوك
قال
محتاج مساحة.
مني؟
من الكلام ده.
لكن غضبي رجع سبقني.
يا سلام... حاجة مريحة جدًا.
إيده قفلت على المفاتيح.
تصبحِي على خير يا مريم.
وقفل الباب وراه.
فضلت واقفة مكاني شوية.
وبعدين خدت مج القهوة بتاعه وغسلته.
المج كان نضيف أصلًا.
لكن غسلته برضه.
الساعة واحدة ونص كنت كتبت ومسحت ست رسايل.
أنا آسفة.
ارجع البيت أرجوك.
وقفت عند الرسالة الأخيرة.
أنا مكنتش عايزة خوفي يحول اعتذاري لتوسل.
وعشان كده لبست ونزلت وروحت له بنفسي.
حماتي نادية كانت لسه عايشة في نفس البيت اللي عاشت فيه مع والد أحمد قبل ما يتوفى.
وبعد ما بقت أرملة بسنين، صاحبتها المقربة ماجدة انتقلت تعيش معاها.
أحمد كان دايمًا يهزر ويقول عليهم
إنتوا عاملين زي زوجين بس من غير ورق رسمي.
وماجدة كانت كل مرة ترمي عليه منديل أو فوطة وهي بتضحك.
لما وصلت، عربية أحمد كانت قدام البيت زي كل مرة.
ارتحت.
قلت لنفسي
هو هنا... أقدر أصلح الموضوع.
لكن لما قربت من الشباك...
شوفت أحمد قاعد على الأرض.
ونادية قاعدة قدامه بالظرف الأبيض.
وسمعتها بتقول
مينفعش تفضل تعمل فيها كده.
أحمد مرفعش راسه.
أنا محتاج كام يوم بس.
مريم فاكرة إنك زعلان منها.
رد بصوت خافت
أسهل إنها تفضل فاكرة كده يا أمي.
معدتي اتقبضت.
نادية سألته
أسهل لمين؟
أحمد رفع وشه.
وكان بيعيط.
أنا شوفت أحمد بيعيط قبل كده.
لكن عمري ما شوفته خايف بالشكل ده.
قال
أعمل إيه يا أمي؟
نادية رفعت الظرف قدامه.
تبدأ إنك تقول لمراتك الدكتور قال لك إيه فعلًا.
حسيت جسمي كله تجمد.
أحمد وقف وبدأ يمشي ناحية المدفأة.
وبعدين؟ أقعد قدامها وهي تحاول تقنعني إن الموضوع مش مهم؟ وإننا هنلاقي طريقة نخلف بيها مهما حصل؟
نادية قالت
هو مهم. وعشان كده من حقها تعرف.
أحمد
هي عايزة طفل.
ردت أمه
وهي عايزة حياة معاك إنت كمان.
وقف.
طب لو مقدرتش أديها الاتنين؟
إيدي شدت على إطار الشباك.
نادية سألته
الدكتور قال إنك مستحيل تخلف؟
لأ.
قال مفيش أي حلول؟
لأ... عايزين تحاليل وفحوصات أكتر.
نادية هزت راسها.
أمال ليه بتتعامل مع عدم اليقين كأنه حكم نهائي؟
مرر أحمد إيده في شعره.
لأني عارف مريم. هتفضل معايا. وهتقولي هنحلها سوا. وبعد خمس سنين ممكن تصحى في يوم وتكرهني لأنها ضحت بحاجة مهمة بالنسبالها عشاني.
ردت نادية فورًا
والحل عندك إنك تسيبها قبل ما تديها حتى حق تختار حياتها بنفسها؟
وش أحمد انهار.
وقال الجملة اللي خلت الأرض تتحرك تحت رجلي
لو سبتها دلوقتي... لسه قدامها وقت.
وقفت نادية.
أحمد، مريم عندها تلاتين سنة، مش واقفة على حافة هاوية. بطل تخطط لمستقبلها كأن حياتها انتهت.
مش عايزها تتحبس معايا.
يبقى بطل تاخد قرارات لأنك خايف.
بعدت خطوة عن الشباك.
المفتاح الاحتياطي كان في إيدي.
كان ممكن أدخل.
كان ممكن أفتح الباب وأطلب الظرف وأجبر أحمد يحكي لي كل حاجة.
لكن وقفت.
لأني عرفت لو دخلت وأنا بعيط، هنحضن بعض، ونواسي بعض، ونخلي الألم أهدى...
من غير ما نواجه أصل المشكلة.
وأنا مكنتش عايزة سلام مؤقت.
كنت عايزة الحقيقة.
فرجعت البيت.
الساعة 8 الصبح، سمعت باب البيت بيتفتح.
مريم؟
كنت قاعدة عند رخامة المطبخ، وقدامي فنجان قهوة ملمستوش.
دخل أحمد.
ممكن نتكلم؟
بصيت له.
هنتكلم. ابدأ بنتيجة التحاليل.
اتجمد مكانه.
قلت
كنت عند والدتك امبارح.
إيده شدت على المفاتيح.
سمعتي قد إيه؟
كفاية أعرف إنك بقالك فترة بتخطط لحياتي من ورايا بدل ما تتكلم معايا.
سحَب الكرسي اللي قصادي، لكنه مقعدش.
سألته
عارف من إمتى؟
صوابعه شدت على ضهر الكرسي.
حوالي
تلات أسابيع.
فجأة فهمت كل مرة غير فيها الموضوع.
كل مرة قال بكرة.
كل مرة تهرب من تحديد المعاد.
قلت
الدكتور قال إيه بالظبط؟
فيه مشاكل ظهرت في النتايج، وعايزين فحوصات أكتر.
قال إننا عمرنا ما