جوزي كان عنده عاده

لمحة نيوز

جوزي كان عنده عادة ثابتة... كل ما نتخانق خناقة كبيرة، يسيب البيت ويروح يبات عند أمه اللي ساكنة في الناحية التانية من المدينة.
امبارح بالليل، الساعة كانت حوالي اتنين بعد نص الليل، وأنا مقدرتش أستحمل إحساسي بالذنب أكتر من كده. ركبت عربيتي وروحت له هناك عشان أعتذر له وأرجعه معايا البيت...
لكن أول ما قربت من شباك الصالة وبصيت لجوه...
حسيت إن معدتي وقعت في رجلي من هول اللي شوفته.
أنا وجوزي، أحمد، متجوزين بقالنا تمن سنين.
لما اتعرفت عليه لأول مرة، كنت بمر بواحدة من أصعب الفترات في حياتي. كنت لسه خارجة من صدمة وفاة والدي، والحزن كان مخليني حاسة إن الدنيا كلها وقفت.
وفي الفترة دي تحديدًا، أحمد كان سندي الحقيقي.
وقف جنبي بطريقة عمري ما هنساها.
كان بيسمعني من غير ما يزهق، ويستحمل لحظات حزني وعصبيتي، ومكانش بيضغط عليا عشان أتجاوز اللي حصل بسرعة. كان فاهم إن الحزن محتاج وقت، وكان موجود جنبي طول الوقت.
وأحمد، من يوم ما عرفته، كان من أكتر الناس هدوءًا وصبرًا واتزانًا اللي قابلتهم في حياتي.
وعلى مدار السنين، قدرنا نبني مع بعض حياة جميلة وهادية ومستقرة.
مكانش جوازنا مثالي طبعًا، مفيش جواز مثالي، لكن في المجمل كنا عايشين حياة كويسة جدًا.
وكان فيه شيء واحد أحمد بيكرهه بشكل غير طبيعي
الخناق.
هو بطبعه بيكره المواجهات والصوت العالي، وبيخاف جدًا إن الإنسان وهو متعصب يقول كلام يجرح اللي قدامه وبعد كده يندم عليه.
وعشان كده، من زمان جدًا، كان عامل لنفسه قاعدة ثابتة بيتصرف بيها في المرات القليلة اللي خناقاتنا فيها بتكبر فعلًا.
لو حس إن الخلاف خرج عن السيطرة، وإننا قربنا نقول لبعض كلام ممكن نندم عليه...
كان ببساطة يوقف الكلام.
يدخل أوضة النوم، يحط شوية هدوم في شنطة صغيرة، ياخد مفاتيحه، ويروح يبات عند أمه.
والدة أحمد كانت عايشة في الناحية

التانية من المدينة، والمسافة بين بيتنا وبيتها مش بعيدة أوي بالعربية.
بالنسبة له، الموضوع مكانش هروب مني.
كان مجرد طريقة عشان يدينا إحنا الاتنين فرصة نهدى.
هو يبعد شوية، وأنا أهدى، وبعدين لما العصبية تروح نقدر نتكلم بعقل.
وفعلًا، الطريقة دي كانت بتنجح تقريبًا كل مرة.
كان يروح يبات عند والدته، وتاني يوم الصبح يرجع البيت.
وأول ما يرجع، كنا بنقعد سوا ونتكلم بهدوء عن اللي حصل.
لا صريخ.
ولا إهانات.
ولا كلام يتقال وقت الغضب ويعيش بينا سنين.
ومع الوقت، بقيت متعودة على الموضوع.
حتى لو كنت متضايقة لما يمشي، كنت عارفة إنه هيرجع تاني يوم، وإننا هنحل المشكلة زي كل مرة.
لكن امبارح...
كل حاجة كانت مختلفة.
الأسابيع اللي فاتت كانت صعبة علينا إحنا الاتنين.
ضغط شغل، مسؤوليات، قلة نوم، وحاجات صغيرة كتير كانت بتتراكم يوم ورا يوم من غير ما ناخد بالنا.
لحد ما امبارح بالليل، كل الضغط ده انفجر مرة واحدة.
الغريب إن الخناقة نفسها بدأت بسبب حاجة تافهة جدًا.
حاجة لو حد حكاهالي في يوم عادي، ممكن أضحك وأقول
هو ده أصلًا سبب يخلي اتنين متجوزين يتخانقوا؟
لكن لما الواحد يكون مضغوط ومتراكم جواه كلام كتير، أصغر حاجة ممكن تتحول لانفجار.
كلمة جابت كلمة.
وصوتي بدأ يعلى.
وأحمد حاول في الأول يفضل هادي، لكن أنا كنت متعصبة جدًا.
كل موضوع قديم افتكرته دخلته في الخناقة.
كل موقف كنت زعلانة منه ومتكلمتش عنه وقتها، رميته في وشه.
وكل ما كان يحاول يقفل النقاش ويقول
خلينا نتكلم لما نهدى.
كنت أنا أعتبر ده تجاهل.
فأتعصب أكتر.
وفي لحظة معينة...
قلت له كلامًا عرفت بمجرد ما خرج من بوقي إني تجاوزت حدودي.
شوفت التعب في عينيه.
لكنه، كعادته، مصرخش.
ولا رد الإهانة بإهانة.
فضل ساكت كام ثانية، وبعدين قام من مكانه بهدوء.
وقتها أنا عرفت هو هيعمل إيه قبل حتى ما يتحرك.
دخل
أوضة النوم.
وبعد دقايق، خرج شايل شنطته الصغيرة.
مسك مفاتيح عربيته، وبص لي وقال بهدوء
أنا هروح عند أمي الليلة دي. نتكلم بكرة لما نكون هدينا.
وبعدين فتح الباب...
وخرج.
سمعت صوت الباب وهو بيتقفل وراه.
وبعدها بدقايق سمعت عربيته وهي بتتحرك من قدام البيت.
وأنا فضلت واقفة مكاني.
في البداية كنت لسه متعصبة.
كنت بقول لنفسي إنه هو كمان غلطان، وإن مش كل حاجة أنا السبب فيها.
لكن مع مرور الوقت، الغضب بدأ يختفي.
وحل مكانه إحساس أسوأ بكتير.
الندم.
قعدت لوحدي في البيت أراجع الخناقة كلمة كلمة.
وكل ما أفتكر بعض الكلام اللي قلته له، كنت أحس بالخجل أكتر.
حاولت أنام.
دخلت السرير، طفيت النور، وغمضت عيني.
لكن مفيش فايدة.
كل شوية أبص على الساعة.
الواحدة إلا ربع.
الواحدة ونص.
الواحدة وخمسين دقيقة.
لحد ما الساعة عدت اتنين بعد نص الليل.
وقتها معرفتش أستحمل أكتر.
قمت من السرير وقلت لنفسي
لأ... أنا مش هستنى للصبح.
أنا غلطت.
وعايزة أعتذر له دلوقتي.
لبست الجاكت بسرعة، خدت مفاتيح عربيتي، وخرجت من البيت.
الشوارع كانت شبه فاضية.
المدينة كلها تقريبًا نايمة، وأنا طول الطريق كنت بفكر في الكلام اللي هقوله له.
كنت متخيلة إني هخبط عليه بهدوء، وهو يفتح الباب ويستغرب لما يشوفني.
هقوله
أنا آسفة يا أحمد... أنا زودتها المرة دي.
ويمكن يفضل زعلان شوية.
يمكن يقولي إن الكلام اللي قلته وجعه.
لكن في الآخر، كنت متأكدة إننا هنرجع البيت مع بعض.
لأن ده أحمد.
ولأن دي كانت طريقتنا دايمًا.
وصلت أخيرًا لبيت والدته.
الشارع كان هادي جدًا.
بيوت متشابهة، أشجار صغيرة قدامها، وعربيات مركونة جنب الأرصفة.
وأول ما دخلت الشارع، شوفت عربية أحمد.
كانت راكنة في مدخل البيت.
بالظبط في المكان اللي بيركن فيه كل مرة ييجي يبات عند أمه.
لسبب ما، مجرد رؤية عربيته ريحتني.
قلت لنفسي
خلاص.
.. هو هنا.
ركنت عربيتي على مسافة صغيرة من البيت ونزلت.
كان الجو هادي لدرجة إني كنت سامعة صوت خطواتي وأنا ماشية على الرصيف.
مشيت في الممر الصغير المؤدي لباب البيت.
وكان معايا نسخة احتياطية من مفتاح بيت حماتي.
كنت ناوية أفتح الباب بهدوء وأدخل من غير ما أخبط، عشان ما أصحيهاش في الوقت المتأخر ده.
لكن وأنا بطلع درجات المدخل...
لمحت حاجة خلتني أقف.
كان فيه ضوء خافت جاي من ناحية الصالة.
مش نور قوي.
مجرد ضوء ضعيف متقطع، كأنه انعكاس تلفزيون شغال في أوضة ضلمة.
بصيت ناحية الشباك الكبير المطل على الصالة.
الستائر التقيلة كانت مقفولة تقريبًا...
لكن كان فيه فتحة صغيرة جدًا بينها.
وقفت مكاني للحظة.
استغربت.
الساعة بعد اتنين بالليل.
قلت يمكن أحمد مش عارف ينام وقاعد بيتفرج على التلفزيون.
وبدل ما أدخل فجأة وأخضه، فكرت أبص بسرعة أشوفه صاحي ولا نام على الكنبة.
نزلت خطوة من على المدخل، ومشيت على النجيلة ناحية الشباك.
كل حاجة حواليّ كانت ساكتة.
قربت أكتر.
وبعدين وقفت قدام الجزء الصغير المفتوح بين الستارتين.
ميلت رأسي ناحية الزجاج...
وبصيت لجوه.
في الأول، عيني مكانتش شايفة كويس بسبب فرق الإضاءة.
الصالة كانت شبه ضلمة، والنور الوحيد تقريبًا كان جاي من التلفزيون.
فضلت باصة كام ثانية لحد ما عيني بدأت تتعود على الظلام.
وبدأت تفاصيل الأوضة تظهر قدامي واحدة واحدة.
الأنتريه.
الترابيزة.
الكنبة.
وبعدين...
شوفت أحمد.
وفي اللحظة اللي استوعبت فيها بالظبط إيه اللي كان بيحصل جوه الصالة...
حسيت إن الدم انسحب من وشي.
نفسي اتقطع.
وإيدي اللي كانت ماسكة مفتاح البيت بدأت ترتعش.
لأن المشهد اللي كان قدامي...
كان آخر شيء في الدنيا ممكن أتوقع أشوفه في بيت حماتي الساعة اتنين بعد نص الليل.
وساعتها...
معدتي وقعت في رجلي من هول اللي شوفته.
كان أحمد قاعد على
الأرض، ضهره مسنود على الكنبة، ووشه مدفون بين إيديه.
وحماتي، نادية، كانت قاعدة قدامه، وماسكة في إيدها ظرف أبيض.
أول ما شوفته...
عرفته فورًا.
كان
 

تم نسخ الرابط