ممرضة ركبت طيارة

لمحة نيوز

 

— الوقت مش دايمًا بيستنى.

ياسين رفع عينه لها.

ولأول مرة، نظراته اتعلقت بيها بطريقة مختلفة.

قال:

— إنتِ ممرضة من إمتى؟

— 11 سنة.

— وبتعرفي تتعاملي مع الموت؟

ضحكت بحزن.

— محدش بيتعود عليه.

— شكلك متعودة.

— لأ… أنا بس اتعلمت إزاي أخبي خوفي.

فضل ساكت.

لحد ما الطيارة وصلت.

وقبل ما تنزل، ياسين قال:

— عربيتي هتوصلك للمقابر.

مريم هزت راسها.

— شكرًا.

مد لها كارت.

— ولو احتجتي أي حاجة هنا… كلميني.

— مش هحتاج.

ابتسم.

— الناس دايمًا بتقول كده.

نزلت مريم.

ووصلت قبل الدفن بدقايق.

ولأول مرة من يومين، قدرت تنهار.

بعدها بأربعة أيام، كانت قاعدة لوحدها في بيت جدتها.

البيت بقى هادي بشكل يخوف.

كوباية جدتها لسه مكانها.

الكرسي الهزاز لسه قدام الشباك.

وعلبة الصفيح اللي كانت بتحوش فيها الفلوس لسه فوق الدولاب.

مريم كانت بتبص للكارت اللي ياسين اداهولها.

لكنها مااتصلتش.

لحد ما تليفونها رن.

رقم غريب.

ردت:

— ألو؟

جالها صوته:

— أنا ياسين.

سكتت.

— لسه في المنصورة؟

— آه.

— محتاج منك خدمة… وغريبة شوية.

مريم استغربت.

— خدمة إيه؟

سكت ياسين ثواني قبل ما يقول:

— تعالي بكرة على البيت اللي كنت جاي أبيعه.

— ليه؟

— لأن في حاجة لقيتها هنا…

صوته اتغير.

— وحاسس إن جدتك كانت عايزة الحاجة دي توصل لك إنتِ بالذات.

مريم قامت من مكانها فجأة.

— إيه اللي لقيته؟

ياسين ماجاوبش.

قال بس:

— تعالي وهتعرفي.

قفلت المكالمة وهي مش فاهمة حاجة.

لكنها ماكنتش تعرف إن الحاجة اللي لقاها ياسين في بيت أبوه…

مش مجرد ورقة قديمة.

وإنها هتفتح سر مدفون من أكتر من عشرين سنة…

سر هيخلّي مريم تشك إن موت جدتها ماكانش طبيعي من الأساس.
حكايات

بسمة 

المكالمة سابت مريم في حالة ذهول وقلق. البيت القديم كان أهدى من اللازم، وصوت نبضات قلبها كان عالي. منين ياسين لقى حاجة تخص جدتها في بيت أبوه المتوفي؟ إيه اللي يربط بين الحاجة فاطمة اللي عاشت طول عمرها بتبيع الفطير والجبنة في المنصورة، وبين رجل الأعمال الكهين الدمنهوري الأب؟
تاني يوم الصبح، مريم لبست هدومها وراحت على العنوان اللي ياسين بعتهولها.
كان بيت قديم ذو طابع كلاسيكي فاخر على أطراف المنصورة، حواليه حديقة واسعة أشار إليها الزمان بتأثيره. لما وصلت، لقيت البوابة الفولاذية مفتوحة، وياسين واقف في التراس لابس قميص أسود مبسط، وفي إيده صندوق خشبي قديم عليه أقفال نحاسية.
أول ما شافها، نزل السلم وقرب منها:
— أهلاً يا مريم.
مريم كانت بتتنفس بسرعة وقالت بدقة:
— أستاذ ياسين... إيه اللي لقيته هنا وله علاقة بجدتي؟
ياسين مشي معاها جوة المكتبة القديمة في البيت، وحط الصندوق الخشبي على الترابيزة الرخام.
وقال بهدوء ونبرة حادة:
— البيت ده مقفول بقاله أكتر من 20 سنة. لما جيت أمبارح عشان أخلص أوراق البيع، دخلت الخزنة السرية بتاعة أبويا... ولقيت الصندوق ده، المكتوب عليه بخط إيده: «أمانة فاطمة عبد الجواد... مستشفى القصر المنصورة 2006».
مريم أول ما سمعت اسم جدتها الرباعي، الدم اتسحب من وشها ورجعت خطوة لورا:
— مستشفى القصر 2006؟! دي السنة اللي جدتي اتحجزت فيها لما جالتها الأزمة الأولى!
ياسين فتح الصندوق النحاسي، وطلع منه ملف طبّي قديم أصفر، ومعاه دفاتر شيكات وخطابات مكتوبة بمرارة.
مريم سحبت الملف بإيد بترتعش وفتحته.
أول ورقة كانت تقرير طبّي من 20 سنة بيثبت إن الحاجة فاطمة ما كانتش بتصرف على تعليم مريم من بيع الفطير والجبنة بس... الحاجة
فاطمة كانت شريكة في أرض العيلة اللي استولى عليها الدمنهوري الأب في صفقات مشبوهة، وأبو ياسين كان بيحاول يراجع ضميره قبل ما يموت، فكان بيبعت مبالغ مالية شهرية للست فاطمة تحت مسمى "أرباح مبيعات" لضمان مصاريف دراسة مريم في كلية التمريض!
لكن الصدمة الحقيقية كانت في التقرير الطبي الأخير المرفق بتاريخ الأسبوع اللي فات!
مريم قرت الورقة الأخيرة، وعينيها اتوسعت برعب:
— دي... دي نتيجة تحليل عينة جدتي من العناية المركزة بالمنصورة من تلات أيام!
ياسين قرب منها بذهول:
— تحليل إيه؟!
مريم صرخت بدموع وذهول:
— جدتي ماماتتش بالسكتة الدماغية يا ياسين! التقرير ده بيثبت وجود نسبة عالية جداً من مادة مهدئة مركزة بتؤدي لتوقف القلب! جدتي اتقتلت في المستشفى قبل ما أنا أوصل بـ 4 ساعات!
ياسين مسك التقرير بسرعة وقرأه، وشه بقى زي الصخر وزأر بغضب:
— مين اللي كان محجوز مع الحاجة فاطمة في المستشفى؟ ومين اللي كان بيمسك أوراق التركة هنا في المنصورة؟!
مريم افتكرت الرسالة اللي جاتلها في القاهرة من بنت خالتها "نسرين": «تعالي بسرعة... جدتك حالتها وحشة».
مريم بلعت ريقها بصدمة:
— نسرين... بنت خالتي وزوجها طارق! هما اللي كانوا مع جدتي في البيت والمستشفى!
ياسين ما ترددش ثانية، طلع موبايله وأمر رجالة حراسته وشركائه في الإسكندرية والمنصورة بفتح بلاغ عاجل للنيابة العامة وإرسال قوة للتحفظ على نسرين وزوجها فوراً!
بعد ساعتين...
في مركز الشرطة بالمنصورة.
نسرين وزوجها طارق كانوا قاعدين في النيابة، وشهم شاحب ومرعوب بعد ما واجههم ياسين ومريم بتقرير الطب الشرعي المستخرج والأدلة اللي كانت في صندوق الدمنهوري الأب.
تحت ضغط التحقيق والأدلة الدامغة، انارت نسرين وبكت:
— والله العظيم
طارق هو اللي خطط! جدتي فاطمة عرفت إن طارق بيزور توكيل رسمي عشان يبيع بيت العيلة المتبقي والأرض ويمشي، ولما هددته إنها هتقول لمريم وتلغي التوكيل... طارق وضع لها نقط المهدئ المركز في المحلول وهي في العناية عشان تخلص منها قبل ما مريم توصل وتكتشف التزوير!
طارق حاول يهرب، بس أفراد الشرطة مسكوه وكلبشوه فوراً بتهمة القتل العمد مع سبق الإصرار والتزوير!
مريم كانت واقفة عند باب النيابة، دموعها نازلة من الوجع والصدمة، بس حاسة إن حق جدتها المظلومة ظهر وأخدت تارها بالقانون.
بعد مرور ستة أشهر...
في القاهرة، في حديقة أطفال مستشفى جراحة القلب والأوعية الدموية.
مريم كانت لابسة بالطو التمريض الأبيض، شغال رئيسة تمريض قسم العناية المركزة للأطفال، وبتبتسم وهي بتبص للأطفال بيلعبوا بصحة وسعادة.
دخل ياسين الدمنهوري الحديقة، لابس بدلة أنيقة جداً وبيده بوكيه ورد جميل وجواب رسمي.
قرب من مريم، وابتسم بدفء:
— مساء الخير يا أجمل ممرضة في مصر.
مريم ابتسمت ورجعت شعرها لورا:
— أهلاً يا أستاذ ياسين... خير؟ جايب أوراق بيع جديدة؟
ياسين طلع الجواب الرسمي وقدمه لها:
— ده عقد إنشاء «مؤسسة الحاجة فاطمة للرعاية والمساعدات الطبية المجانية»... المؤسسة تم تمويلها بالكامل من أرباح أراضي المنصورة اللي رجعتلك بحكم المحكمة، وأنا المطور المالي ليها.
مريم عينيها دمعت من الفرحة والامتنان:
— ياسين... إنت عملت كل ده عشان جدتي؟
ياسين مسك إيدها بكل رقة وصدق، وبص في عينيها بحب كبير:
— أنا عملت ده عشان الحاجة فاطمة اللي ربّت أنبل وأرحم ست شفتها في حياتي... وعشان إنتِ يا مريم أنقذتيني من الوحدة وجفاف القلب من اليوم اللي ركبتي فيه طيارتي بالغلط.
مريم ابتسمت بحب ورضا، ورجعت إيدها
في إيده، وعاشوا جميعاً في أمان ورحمة، بعد ما الحق ظهر وانتهت أيام الحزن، وعرفت مريم إن بعض الأخطاء الشكليّة في الحياة بتكون ترتيب إلهي جميل بيغير القدر كله للأفضل!
تمت

تم نسخ الرابط