ممرضة ركبت طيارة
ممرضة ركبت الطيارة الغلط من شدة الإرهاق… فاكتشفت إنها طيارة رجل أعمال مليونير، لكنه قال لها: «خليكي هنا»…
الجزء الأول
بعد ما فضلت مريم تقريبًا يومين من غير نوم، كانت آخر حاجة متوقعة تحصل إنها تركب الطيارة الغلط.
كانت خارجة من مستشفى كبير في القاهرة بعد نبطشية طويلة جدًا في العناية المركزة، جسمها كله وجعها، وعينيها كانت حمرا من التعب.
وفي نص النبطشية، وصلها مسج من بنت خالتها في المنصورة:
«مريم… جدتك حالتها وحشة أوي. تعالي بسرعة.»
مريم حاولت تسيب المستشفى، لكن في نفس اللحظة كان قدامها مريض حالته حرجة جدًا.
فضلت جنبه ساعات.
ولما أخيرًا مسكت تليفونها، لقت مسج تاني:
«جدتك ماتت يا مريم.»
قلبها وقع.
جدتها الحاجة فاطمة كانت هي اللي ربتها من وهي عندها سبع سنين.
هي اللي كانت بتبيع الفطير والجبنة في السوق علشان تدفع مصاريف مدرستها.
وهي اللي كانت كل ما مريم تقول إنها عايزة تبقى دكتورة،
«إنتِ مش لازم تبقي دكتورة… كفاية إنك تبقي رحيمة.»
مريم ماقدرتش توصل في الوقت.
لكن بنت خالتها حجزت لها آخر مقعد متاح على رحلة رايحة المنصورة، ومريم وهي شبه غايبة عن الوعي، مشت ورا تعليمات موظف في المطار من غير ما تركز.
طلعت السلم.
دخلت الطيارة.
وقعدت.
وبعد أقل من دقيقة، رفعت عينيها.
وساعتها فهمت إنها في ورطة.
دي مش طيارة ركاب عادية.
الكراسي جلد فاتح، ترابيزة خشب، ستاير تقيلة، ومطبخ صغير في آخر الطيارة.
والأغرب…
إن الطيارة كانت فاضية تقريبًا.
ماعدا راجل واحد قاعد جنب الشباك.
كان في أواخر التلاتينات، لابس بدلة سودا من غير كرافتة، وساعته شكلها أغلى من مرتبها لسنين.
ولما شافها، فضل ساكت ثواني.
مريم بلعت ريقها وقالت:
— أنا… آسفة. شكلي ركبت الطيارة الغلط.
رد بهدوء:
— غالبًا.
مريم بصت حواليها.
— دي مش رحلة المنصورة؟
— لأ.
— طب دي رايحة فين؟
— أنا اللي بحدد رايحة
مريم اتجمدت.
— حضرتك مين؟
رفع عينه ليها وقال:
— ياسين الدمنهوري.
الاسم لوحده كان كفاية يخليها تعرف إنها قدام واحد من أشهر رجال الأعمال في مصر.
لكن مريم ماكانش عندها حتى طاقة إنها تتوتر.
شدت شنطتها وقالت:
— معلش، لازم أنزل. جدتي ماتت وأنا لازم أوصل قبل الدفن.
خطت ناحية الباب.
لكن ياسين وقف.
بص لها كويس.
على وشها الشاحب.
إيديها اللي كانت بتترعش.
والجاكت اللي لابساه فوق يونيفورم التمريض.
وقال:
— استني.
مريم بصت له.
— ليه؟
— إنتِ بالكاد واقفة على رجلك.
— أنا كويسة.
— إنتِ مش كويسة.
سكتت.
فكملت وهي بتحاول تمنع دموعها:
— جدتي ماتت وأنا كنت في المستشفى… كان عندي مريض بيموت. ماقدرتش أسيبه. ولما خلصت، كانت جدتي ماتت.
صوتها اتكسر.
— دلوقتي حتى لو نزلت… مش هالحقها.
ياسين فضل باصص لها ثواني.
وبعدين قال:
— خليكي هنا.
مريم عقدت حواجبها.
— إيه؟
— الطيارة رايحة المنصورة.
— حضرتك هتوديني؟
— آه.
— بس إنت ماتعرفنيش.
ابتسم ابتسامة صغيرة.
— ودي أول مرة من سنين حد يدخل طيارتي بالغلط… وأول حاجة يعملها إنه يحاول يمشي.
مريم ماعرفتش ترد.
وبعد لحظات، الطيارة بدأت تتحرك.
مريم قعدت جنب الشباك وهي حاسة إن كل حاجة حواليها مش حقيقية.
بعد شوية، ياسين سألها:
— كانت جدتك عاملة إزاي؟
السؤال البسيط ده خلا دموعها تنزل.
وحكت له عنها.
عن الفطير اللي كانت بتعمله كل جمعة.
عن ريحة القهوة في الصبح.
عن صوتها وهي بتصحّيها للمدرسة.
وعن علبة الصفيح اللي كانت بتحوش فيها كل جنيه زيادة علشان مريم تكمل تعليمها.
ياسين سمعها للآخر.
وبعدين قال:
— واضح إنها كانت ست عظيمة.
مريم مسحت دموعها.
— كانت أعظم واحدة في حياتي.
سكت شوية، وبعدين سألته:
— وإنت؟ إيه اللي جابك للمنصورة؟
ملامحه اتغيرت.
وقال:
— جاي أبيع بيت أبويا.
مريم استغربت.
— أبوك؟
— مات من أسبوع.
سكت لحظة،
— وأنا ماكنتش جنبه.
مريم بصت له.
— ليه؟
ابتسم بسخرية مريرة.
— كنت مشغول.
الكلمة خرجت منه كأنها بتوجعه.
وبعدها قال:
— قضيت 22 سنة وأنا بقول لنفسي إن عندي وقت أصلح كل حاجة.
مريم بصت في الأرض.