كل يوم ست كبيرة
جوزي زعقلى قدام أمه، وشاور ناحية باب الشقة وقال لي
إنتِ عايشة هنا بس عشان أنا سامح لك تعيشي هنا... ولو مش عاجبك، الباب قدامك.
هزّيت راسي بهدوء، دخلت أوضة النوم، وطلبت شركة نقل وبعتوا لي تلاتة عمال.
كان لسه بيضحك وبيتصرف كأنه انتصر عليّا، حتى لما خرجت وأنا شايلة فواتير أربع سنين كاملة.
لكن أول ما شاف العمال بيفصلوا التلاجة من الكهربا وبيفكوا السفرة...
وقتها بس فهم إنه ارتكب غلطة أكبر بكتير مما كان متخيل.
الجزء الأول
لو مش عاجبك العيشة في بيتي يا داليا، الباب أهو قدامك. وبالمرة بطّلي تعملي فيها مهمة قدام أمي.
محمود قال الجملة دي وهو بيشاور بإيده ناحية طرقة الشقة، في نفس اللحظة اللي كانت داليا لسه طالعة فيها من الفرن صينية لحمة فضلت تقريبًا أربع ساعات بتحضر فيها.
في سفرة الشقة الواسعة في مصر الجديدة، كان فيه حوالي خمستاشر شخص من قرايب محمود متجمعين عشان يحتفلوا بعيد ميلاد أمه نادية الستين.
العصاير، والسلطات، والجبن، والحلويات، والورد، وتزيين السفرة اللي كان عامل زي تجهيزات فرح صغير...
كل ده داليا هي اللي دفعت تمنه.
وهي كمان اللي كانت واقفة في المطبخ من الساعة سبعة الصبح بتحضر الأكل.
نادية داقت اللحمة، وبصت لها بنظرة مش عاجبها حاجة وقالت
اللحمة ناقصها ملح.
داليا مسحت العرق من على جبينها وقالت بهدوء
اللحمة مظبوطة... ولو حضرتك محتاجة ملح زيادة، الملاحة قدامك على السفرة.
وش محمود اتغير فورًا.
أنا قلت لك تعملي الأكل بالطريقة اللي أمي بتحبها. النهارده عيد ميلادها. صعب أوي عليكي تفرّحيها يوم واحد؟
داليا ما ردتش.
بصت ناحية المطبخ.
التلاجة الكبيرة اللي ببابين؟
هي اللي اشترتها.
ماكينة القهوة؟
هي اللي دفعت تمنها.
الفرن الكهربائي؟
برضه بتاعها.
طقم الصيني والأطباق؟
من فلوسها.
السفرة والكراسي؟
هي اللي اشترتهم.
حتى تجديد الصالة والديكورات الجديدة، كانت داليا لحد اللحظة دي لسه بتدفع أقساطها من قرض باسمها هي.
أما محمود...
فالشقة نفسها كانت جت له ميراث من جدته من تلات سنين.
ومن يوم ما بقت باسمه، بقى عنده جملة واحدة بيستخدمها في كل خناقة بينهم
بيتي.
مع إن داليا هي اللي كانت بتدفع الصيانة.
والغاز.
والإنترنت.
ومصاريف البيت.
وأغلب طلبات السوبر ماركت.
وكتير جدًا من المصاريف التانية.
داليا أخدت نفس وقالت
طب ممكن على الأقل تساعدني ندخل الأطباق للسفرة؟
محمود بص لها بضيق وقال
ما تغيريش الموضوع. إنتِ هنا عشان أنا عايزك هنا، مش عشان إنتِ مالكة حاجة.
وفجأة، اتسمعت ضحكة جاية من السفرة.
نادية كانت سامعة الحوار كله.
رفعت صوتها قدام القرايب وقالت
أيوه كده يا محمود! الراجل لازم من وقت للتاني يفكّر مراته مين صاحب الكلمة في البيت.
كام واحد من الموجودين ضحكوا.
والباقيين ابتسموا وكأن اللي بيحصل حاجة عادية.
في اللحظة دي...
حاجة جوا داليا انطفأت.
لكنها ما صرختش.
ما عيطتش.
ما رمتش الصينية.
ولا حتى ردت الإهانة بإهانة.
داليا كان عندها ستة وتلاتين سنة، وبتشتغل محاسبة في شركة كبيرة لقطع غيار السيارات.
وشغلها علمها حاجة مهمة جدًا
قبل ما تاخدي قرار... راجعي الأرقام.
ولأول مرة من يوم ما اتجوزت محمود، بصت لجوازها كأنه كشف حساب مالي قدامها.
الدخل مرتبها.
المصروفات بيت محمود، أكل محمود، هدايا نادية، عزومات عيلة محمود، تصليحات الشقة، أقساط العفش والأجهزة.
أما العائد اللي راجع عليها هي؟
صفر.
داليا قلعت مريلة المطبخ.
طبقتها بهدوء.
وعلقتها مكانها.
وبعدين ابتسمت ابتسامة صغيرة جدًا وقالت
عندك حق.
محمود ابتسم بانتصار.
كان فاكر إنها أخيرًا خافت.
كويس إنك فهمتي.
داليا بصت ناحية باب الشقة وقالت
أيوه... الباب فعلًا موجود.
محمود افتكر إنها هتدخل أوضة النوم وتقفل على نفسها وتعيط شوية، وبعدها تطلع تعتذر لأمه قدام الناس.
لكن داليا دخلت أوضة النوم، وقفلت الباب من غير حتى ما تحط المفتاح.
فتحت درج في الدولاب.
وطلعت منه ملف رمادي كبير.
الملف ده كان فيه كل حاجة.
فواتير.
عقود شراء.
ضمانات الأجهزة.
إيصالات.
وكشوف تحويلات بنكية راجعة لأربع سنين كاملة.
بعدها طلعت موبايلها واتصلت برقم.
ألو، مساء الخير. محتاجة عربية نقل ضروري... النهارده.
سكتت شوية وهي بتسمع الطرف التاني.
أيوه، عربية كبيرة، ومعاها تلاتة عمال.
سكتت مرة تانية.
مفيش مشكلة، هدفع رسوم الطلب المستعجل.
قفلت المكالمة.
وعملت مكالمة تانية.
المرة دي كانت عشان تأجر مخزن لمدة شهر تحط فيه حاجتها لحد ما تستقر في مكان جديد.
بعدها عينيها وقعت على التابلت بتاع محمود.
كان سايبه على الكومودينو وهو بيتشحن.
الشاشة كانت لسه منورة.
وكان مفتوح على جروب العيلة.
داليا أصلًا ما كانش عندها أي نية تقرأ رسايله.
لكن قبل ما تبعد عينيها...
شافت اسمها.
وقفت مكانها.
قربت التابلت منها.
آخر رسالة كانت من نادية.
مكتوب فيها
النهارده خلّيها هي تدفع كل حاجة زي كل مرة، وبعدها حطها عند حدها. لازم تفهم إن مهما اشترت ومهما دفعت، الشقة دي عمرها ما هتبقى بتاعتها.
داليا فضلت باصة للشاشة.
وتحت رسالة نادية مباشرة، كان فيه رد من محمود
سيبيهالي أنا. قبل ما نقطع التورتة هخليها تعتذر لك قدام الكل.
داليا ما قالتش كلمة.
طلعت موبايلها.
وأخدت صورة للشاشة.
وبعتها لنفسها.
وبعدها حطت التابلت بالضبط في نفس المكان اللي كان موجود فيه.
الغريب إنها في اللحظة دي ما خافتش من فكرة إنها تخسر حياتها مع محمود.
لأ.
اللي خوّفها فعلًا كان شيء تاني.
إنها كانت ممكن تكمل سنين زيادة وهي بتموّل الحياة دي من مرتبها...
في الوقت اللي كل الناس حواليها، وعلى رأسهم الراجل اللي أقسم يوم جوازهم إنه يحبها ويحافظ عليها، مقتنعين إن مجرد إن الشقة مكتوبة باسمه بيديله الحق يهينها ويتحكم فيها.
وكأن كل جنيه دفعته مالوش قيمة.
وكل تعب تعبته واجب.
وكل حاجة اشترتها بقت
داليا قفلت الملف الرمادي.
وشالته تحت دراعها.
وفي اللحظة دي بالذات...
جرس