كل زيارة لحماتي

لمحة نيوز

حماتي كانت كل زيارة تيجي شقتي، تخلع شبشبها عند الباب وتحطه فوق شبشبي أنا..!
في الأول كنت بقول لنفسي إنها صدفة. مرة، واتنين، وتلاتة لكن الموضوع بقى بيتكرر في كل زيارة.
كنت أحيانًا أحط شبشبي في ناحية تانية، وبعد شوية ألاقيها حاطة شبشبها فوقه برضه.
مرة ضحكت وقلت لها
يا ماما، هو شبشبك لازم يبقى فوق شبشبي؟
ضحكت وقالت
يا بنتي دي صدفة، إنتِ مكبرة الموضوع ليه؟
فعديتها.
أنا أصلًا كنت بحاول أتجنب أي خلاف معاها. من أول جوازنا وهي بتحب تحسسني إن البيت ده بيت ابنها، وإن وجودي فيه مجرد امتداد لوجوده.
كانت تدخل من غير ما تخبط، تغير أماكن حاجات في المطبخ، تفتح التلاجة وتقول
إنتوا بتشتروا حاجات كتير ملهاش لازمة.
ولو اعترضت، ترد
أنا مش غريبة هنا.
وجوزي كان دايمًا يقول
سيبيها يا حبيبتي، دي أمي.
فكنت بسيب.
لحد اليوم اللي كنت فيه في المطبخ، وابني كان قاعد في الصالة بيلعب مع جدته.
سمعته فجأة بيقول لها
تيتا، هو إنتِ ليه بتحطي شبشبك فوق شبشب ماما؟
وقفت وأنا بغسل الأطباق.
استنيت أسمع ردها.
حماتي سكتت شوية، وبعدها قالت له بصوت هادي
عشان تعرف إن ده بيتي أكتر من بيتها.
إيدي اتجمدت.
ابني ضحك وقال
بس ماما بتقول ده بيتنا.
حماتي ردت
ماما بتقول كده عشان هي مش فاهمة.
خرجت من المطبخ.
ممكن أعرف أنا مش فاهمة إيه؟
حماتي

بصتلي بسرعة، وبعدها ابتسمت.
إنتِ بتسمعي كلام طفل؟
بصيت لابني.
قول لماما تيتا قالتلك إيه.
ابني رد بكل براءة
قالت إن شبشبها فوق شبشبك عشان تعرفي إن البيت ده بيتها.
وش حماتي اتغير.
لكنها بدل ما تعتذر، قالت
هو إنتِ هتعملي مشكلة عشان شبشب؟
قلت
الموضوع مش شبشب يا ماما.
أمال إيه؟
الموضوع إنك شايفة بيتي ملكك.
ضحكت باستهانة
بيت ابننا.
الكلمة دي وجعتني أكتر مما توقعت.
بالليل، حكيت لجوزي.
كان رده متوقع
إنتِ عارفة أمي، بتتكلم وخلاص.
قلت
طب ليه كل مرة بتحط شبشبها فوق شبشبي؟
ضحك وقال
دي صدفة بقى.
ما رديتش.
لكن من اليوم ده بدأت أراقب.
ولقيت حاجات كتير ماكنتش واخدة بالي منها.
حماتي كان معاها نسخة مفتاح الشقة.
كانت تدخل أوقات وأنا في الشغل.
كانت تعرف حاجات حصلت في البيت وأنا ما حكيتش عنها لأي حد.
وفي يوم، وأنا بنضف تحت الكنبة، لقيت المفتاح.
ميدالية حماتي كانت متعلقة فيه.
استنيت جوزي يرجع.
حطيت المفتاح قدامه على السفرة.
ده إيه؟
بص عليه، وسكت.
ده مفتاح شقتنا.
قال بسرعة
أكيد مفتاح قديم.
قلت
عليه اسم ماما.
سكت تاني.
قربت منه وقلت
هي بتدخل هنا وإحنا مش موجودين؟
وقتها جوزي ما ردش.
لكن قبل ما أضغط عليه، تليفونه رن.
بص للشاشة.
كان اسم أمه.
رد.
فضل ساكت حوالي عشر ثواني.
وبعدين وشه اتغير تمامًا.
قفل المكالمة وبصلي.

وقال جملة واحدة خلتني أحس إن موضوع الشبشب والمفتاح كله كان مجرد بداية
ماما بتقول إنك لازم تسيبي الشقة لأنها باعتها من غير ما تعرفي.
حكايات بسمه
استقر الخوف والحيرة في صدري، وحسيت برودة حادة بتسري في أطرافي كأن الأرض اتسحبت من تحت رجليا. الكلمات اللي قالها جوزي طارق كانت زي صدمة كهربائية شلّت تفكيري لثواني ماما بتقول إنك لازم تسيبي الشقة... لأنها باعتها من غير ما تعرفي.
وقفت متسمرة مكاني، وبصيت له بذهول ورجليا مش شايلاني
باعتها؟! باعت شقتنا إزاي ومن غير ما نعرف؟! هو المبنى ده مش مكتوب باسمك وأنت اللي دافع مقدمه وأقساطه من شقاك وشقايا طوال خمس سنين?!
طارق وشه اتقلب أصفر كأنه ميت، وعينيه بدأت تزيغ في الزوايا بتوتر وارتباك شديد، وبلع ريقه بصعوبة وقعد على الكرسي وهو حاطط إيديه الاثنين على وشه ومحتاجة تطلع منه كلمة واحدة متماسكة.
قربت منه، ومسكت دراعه بقوة وصرخت فيه بصوت مرتعش من الصدمة
انطق يا طارق! الشقة دي اللي أنا بايعة صيغتي ودافع مرتب وشقا سنين فيها من أول يوم جواز عشان نعمل سقف لينا ولابننا... أمك باعتها بصفتها إيه؟! وإزاي تقدر تبيع حاجة مش ملكها?!
طارق رفع رأسه ببطء، وفي عينيه نظرة انكسار وخزي عمري ما شفتها فيه قبل كده، وقال بنبرة خافتة ومبحوحة
أنا... أنا كنت كاتب الشقة باسمها يا ندى
من قبل ما نتجوز بسنة...
سقطت الكلمات عليا زي الصخرة.
كاتبها باسمها؟! وأنا اللي كنت بدفع معاك كل شهر نص الأقساط، وبدفع مصاريف البيت عشان تسدد أنت قسط الشقة اللي كنت متفقة معاك إنها بيتنا وشقانا المشترك؟! أنت كنت بتخليني أدفع شقا عمري في ملكية أُمك وأنا فاكرة إني بأمن مستقبلي ومستقبل ابني?!
طارق حاول يتلجلج ويبرر بضعف
أنا مكنش قصدي أخدعك يا ندى! أمي وقتها أصرت إن الشقة تتكتب باسمها عشان تضمن إن مفيش حد يطمع فيا، وأنا وعدت نفسي إني هكتبلك نصها أول ما يخلص القسط! بس هي... هي استغلت التوكيل والملكية اللي معاها، وراحت باعتها الأسبوع اللي فات من ورا ضهري لأختي وزوجها عشان يضمنوا شقة في القاهرة!
في اللحظة دي، حركات الشبشب والمفتاح ودخولها الشقة من غير ما نعرف، وكل تفصيلة كانت بتعملها حماتي عشان تصغرني وتثبت لي إن وجودي هفوة، وضحت بالكامل قدام عينيا!
حماتي مكنتش بس بتحط شبشبها فوق شبشبي برمزية استعلاء وثقة... دي كانت بتتعامل بيقين إنها الملكة الفعلية للمكان، وأن وجودي ومجهودي وفلوسي كانوا مجرد تمويل مجاني لشقة نوت تملكها وتبيعها لبنتها وزوج بنتها من ورا ضهري!
مواجهة الحقائق وتفكيك المؤامرة
أنا ما بكتش، وما صرختش بالضعف المعتاد.
الذهول تحول جوايا لصلابة حادة كالسيف. رفعت رأسي، ومسحت دموعي المترقراقة
في عيني، وطلعت موبايلي وفتحت الخزنة الفولاذية اللي مخبية فيها أوراقي الشخصية ودواتي.
طلعت
 

تم نسخ الرابط