سكرتيرة جوزي

لمحة نيوز


حقيقي؟
أحمد هز رأسه بعصبية وقال
العقد ده قديم... وانتهى من سنين.
المحامي رد فورًا
محدش قال إنه لسه قائم.
ثم سكت لحظة، وأضاف
لكن في تفاصيل مهمة جدًا اتعمدت تخبيها عن الكل.
أنا كنت واقفة ساكتة.
كل دقيقة بتمشي، كنت باكتشف إن الراجل اللي عشت معاه تمان سنين كان عنده حياة كاملة مخبية عني.
الحاج محمود قرب من أحمد وقال
أنا اديتك أكتر من فرصة تقول الحقيقة بنفسك.
أحمد رد بصوت مرتفع
لأن الحقيقة دي ملهاش علاقة بالشركة.
ابتسم الحاج محمود.
بل ليها علاقة بكل قرار اتاخد في الشركة.
الجملة دي خلت أعضاء مجلس الإدارة يبصوا لبعض باستغراب.
واحد منهم قال
يعني حضرتك تقصد إن في معلومات اتقدمت للمجلس ناقصة؟
الحاج محمود قال
وأحيانًا كانت مضللة.
أحمد بدأ يتنفس بسرعة.
واضح إنه كان بيحسب لكل احتمال...
إلا إن الماضي كله يدخل عليه من باب القاعة.
وفجأة...
رن موبايل الرجل اللي جه مع المحامي.
بص في الشاشة، ثم قال للحاج محمود
الشخص التاني وصل.
الحاج محمود هز رأسه وقال
خلوه يدخل.
اتفتح باب القاعة مرة تانية...
ودخل شخص كان أول ما شافه أحمد...
سند بإيده على أقرب كرسي، وكأنه هيقع من الصدمة.
أما أنا...
فأول مرة أشوف الخوف الحقيقي في عينيه.
يتبع...اتفتح باب القاعة ببطء...
ودخل رجل في أوائل الستينات، ملامحه هادئة، لكن حضوره فرض الصمت على المكان كله.
أول ما وقعت عين أحمد عليه...
رجع خطوتين لورا، ولسانه سبق تفكيره
أستاذ شريف؟!
الرجل هز رأسه بهدوء.
أيوه يا أحمد... أنا.
همس بين الموظفين بدأ يعلى.
مين ده؟
واضح إنه يعرفه كويس.
الحاج محمود أشار للرجل يقرب.
وقال
اتفضل... احكي بنفسك.
وقف الرجل قدام الميكروفون.
وبص للحضور كله قبل ما يقول
أنا كنت المدير القانوني للشركة من خمس عشرة سنة.
الجميع سكت.
أما أحمد، فكان باصص في الأرض.
كمل الرجل
وأنا الشخص اللي استلم كل ملفات أحمد وقت ما اتعين لأول مرة.
واحد من أعضاء مجلس الإدارة سأله
وده علاقته بإيه اللي بيحصل النهارده؟
ابتسم الرجل وقال
لأن في ملف واحد... اختفى.
القاعة اتجمدت.
أحمد رفع رأسه بسرعة.
أنا معرفش أي ملف.
الرجل رد بهدوء
الغريب... إن الملف اختفى في نفس الأسبوع اللي أحمد اتنقل فيه لمنصب جديد.
المستشار

القانوني فتح الملف اللي في إيده، وبدأ يقلب في الأوراق.
ثم قال
سجل الأرشيف فعلًا بيثبت إن الملف خرج... ومارجعش.
أحمد انفجر
أنا مليش دعوة!
الحاج محمود بصله وقال
لسه مستعجل تنفي؟
ثم التفت للرجل.
كمّل.
تنهد الرجل وقال
أنا فضلت سنين أدور على الملف ده.
ولما فقدت الأمل... افتكرت إنه اتعدم.
ثم مد إيده داخل حقيبته الجلدية القديمة.
وأخرج ظرفًا أصفر باهتًا.
رفع الظرف قدام الجميع وقال
لكن من شهر... الظرف ده رجعلي بطريقة مكنتش أتوقعها.
الكل كان متابع أنفاسه.
حتى داليا نسيت نفسها وهي بتبص للظرف.
أحمد بدأ يهز رجله بعصبية.
قال بصوت متقطع
إيه... إيه اللي جوه؟
الرجل ابتسم لأول مرة.
وقال
نسخة كاملة من الملف المفقود.
ثم أضاف وهو ينظر مباشرة إلى أحمد
والنسخة دي فيها أسماء... وتواريخ... وتوقيعات.
الحاج محمود مد إيده، لكنه لم يفتح الظرف.
قال بهدوء
لسه مش وقته.
ثم التفت للحضور وقال
أنا مش هدين أي حد قبل ما يسمع كل التفاصيل.
وأعاد الظرف للمستشار.
في اللحظة دي...
أحد أفراد الأمن دخل مسرعًا إلى القاعة، واتجه مباشرة نحو الحاج محمود، وهمس في أذنه بكلمات قليلة.
تغيرت ملامح الحاج محمود فجأة.
رفع رأسه، ونظر إلى باب القاعة.
ثم قال بصوت منخفض، لكن الجميع سمعه
واضح إن الشخص اللي كنا مستنيه... وصل أخيرًا.
وفجأة...
بدأ باب القاعة يُفتح للمرة الثالثة.
يتبع...انفتحت أبواب القاعة ببطء...
ودخل رجل يرتدي بدلة زرقاء داكنة، وخلفه شاب يحمل حقيبة جلدية سوداء.
بمجرد ما شافه أحمد...
شهق وقال من غير ما يحس
إنت؟!
الرجل اكتفى بابتسامة هادئة، ثم اتجه مباشرة إلى الحاج محمود وصافحه.
قال الحاج محمود للحضور
أحب أعرفكم بالأستاذ ياسين...
لم يكمل اسمه.
وكأنه متعمد يزود التوتر.
الرجل التفت إلى أحمد وقال
واضح إنك لسه فاكرني.
أحمد حاول يتمالك نفسه.
إحنا اتقابلنا مرة واحدة... من سنين.
رد الرجل
لا يا أحمد... إحنا اتقابلنا أكتر من مرة.
ثم أشار إلى الشاب الذي معه.
هات الحقيبة.
فتح الشاب الحقيبة، وأخرج منها ثلاثة ملفات مختلفة الألوان.
الأول أزرق.
الثاني أحمر.
والثالث أسود.
وضعهم فوق الطاولة أمام مجلس الإدارة.
القاعة كلها كانت تراقب في صمت.
أحد أعضاء المجلس سأل
إيه
الملفات دي؟
ابتسم ياسين وقال
كل ملف بيحكي جزء من قصة.
ثم وضع يده على الملف الأزرق.
ده خاص بالماضي.
ثم على الأحمر.
وده خاص بالسنين اللي فاتت.
وأخيرًا وضع يده على الأسود.
وسكت.
عدة ثوانٍ مرت...
قبل أن يقول
أما الملف الأسود... فهو اللي هيحدد مستقبل أحمد بالكامل.
أحمد انفجر غاضبًا
أنا مش هفضل واقف أسمع المسرحية دي!
لفّ عشان يمشي.
لكن اتنين من أفراد الأمن وقفوا قدامه.
مش منعوه بالقوة...
لكن وجودهم كان رسالة واضحة.
الحاج محمود قال بهدوء
لسه الاجتماع منتهيش.
داليا كانت باصة لأحمد بعيون مليانة أسئلة.
قالت
أحمد... قولي الحقيقة.
أحمد رد بعصبية
أنا مخبيتش حاجة.
ابتسم ياسين وقال
الغريب... إنك كل ما تقول الجملة دي، يظهر مستند جديد.
ثم فتح الملف الأزرق.
طلع منه صورة قديمة.
رفعها للحاج محمود فقط.
أول ما شافها...
اتغيرت ملامحه.
وبص ناحيتي للحظة، ثم أخفى الصورة بسرعة.
أنا استغربت.
قلت
الصورة فيها إيه؟
الحاج محمود هز رأسه وقال
مش دلوقتي.
أحمد كان بيحاول يشوف الصورة بأي طريقة.
واضح إنه عرفها من مجرد لمحة.
قال بصوت مرتعش
مين اللي جابها؟
رد ياسين
أنا.
ثم أضاف
ودي أول صورة... لسه في صور ومستندات تانية.
وفي اللحظة دي...
رن هاتف الحاج محمود.
نظر إلى الشاشة، ثم رد باحترام شديد
أيوه... حضرتك وصلتي؟
سكت ثواني.
ثم قال
اتفضلي... إحنا كلنا مستنيينك.
أغلق الهاتف.
ونظر إلى باب القاعة.
وقال جملة جعلت أحمد يفقد آخر ذرة ثبات عنده
الشاهدة الأخيرة وصلت.
وفجأة...
بدأ الباب يُفتح للمرة الرابعة...
يتبع...اتفتح الباب بهدوء...
ودخلت سيدة في أواخر الخمسينات، ملامحها وقورة، ولابسة بدلة رسمية بسيطة.
أول ما شافها أحمد...
وشه شحب تمامًا.
همس لنفسه
مستحيل...
أما هي، فما بصتش له أصلًا.
اتجهت مباشرة للحاج محمود، وسلمت عليه، ثم جلست في المقعد اللي كان محجوز في أول صف.
أحد أعضاء مجلس الإدارة سأل
حضرتك مين؟
ابتسمت السيدة وقالت
اسمي الدكتورة ليلى.
وسكتت.
واضح إنها متعمدة ما تقولش أكتر من كده.
الحاج محمود وقف وقال
الدكتورة ليلى شاهدة على حاجة حصلت من ثماني سنين... واليوم هو أول مرة تتكلم.
بصيت لها باستغراب.
أنا عمري ما شوفتها قبل كده.
لكن أحمد كان
واضح إنه يعرفها كويس.
قال بصوت متوتر
حضرتك... بعد كل السنين دي؟
ردت بهدوء
أنا وعدتك إني هسكت... طالما الحقيقة مش هتضر حد.
ثم بصت ناحيتي.
وأضافت
لكن لما شفت اللي حصل لمراتك النهارده... عرفت إن السكوت بقى ظلم.
القاعة سكتت تمامًا.
حتى داليا بقت واقفة من غير ما ترمش.
الدكتورة ليلى فتحت حقيبتها، وأخرجت دفترًا قديمًا.
كان واضح إنه محفوظ بعناية.
قالت
الدفتر ده مكتوب فيه كل حاجة حصلت يوم ما أحمد اتجوز.
أحمد صرخ
كفاية!
لكنها كملت وكأنها ما سمعتوش.
وفي اليوم ده... حصل اتفاق بين أكتر من شخص.
الحاج محمود عقد حاجبيه.
اتفاق على إيه؟
الدكتورة ليلى تنهدت.
اتفاق إن الحقيقة تفضل مستخبية... لحد ما ييجي الوقت المناسب.
أنا حسيت إن الأرض بتلف بيا.
قلت
حضرتك تقصدي إيه؟
بصتلي بحزن وقالت
في ناس دخلت حياتك من البداية... بأسماء وصفات غير حقيقتها.
الجملة خلت كل الموجودين يبصوا لبعض.
داليا قالت بسرعة
يعني إيه؟
ردت الدكتورة ليلى
يعني مش كل شخص عرفتيه كان بيقول الحقيقة عن نفسه.
في اللحظة دي...
المستشار القانوني فتح الملف الأسود لأول مرة.
لكن قبل ما ينطق بحرف...
رن جرس هاتفه.
نظر إلى الشاشة، واتغيرت ملامحه.
ثم قال للحاج محمود بصوت منخفض
وصل التقرير النهائي.
الحاج محمود سأله
اتأكدوا؟
رد المستشار
مئة في المئة.
رفع الحاج محمود رأسه، ونظر مباشرة إلى أحمد.
وقال بهدوء شديد
أنا كنت شاكك...
ثم سكت لحظة.
...لكن دلوقتي بقى عندي يقين.
أحمد تراجع خطوة للخلف، وهو ينظر إلى الوجوه حوله.
كل واحد في القاعة بقى مستني الجملة اللي جاية.
لكن الحاج محمود أغلق الملف الأسود بيده.
وقال
اللي فيه أخطر من إنه يتقال في دقيقة.
ثم التفت إلى أعضاء مجلس الإدارة
هنكمل قدام الجميع... لكن بعد ما أوصلهم لحاجة لازم يعرفوها الأول.
وساد الصمت مرة أخرى...
يتبع...الرجل أخذ نفسًا عميقًا، ثم تقدم عدة خطوات حتى وقف في منتصف القاعة.
قال بصوت ثابت
اسمي حسام... واشتغلت في إدارة المراجعة الداخلية خمس سنين.
بدأ الهمس ينتشر مرة تانية.
أحمد بصله بغضب وقال
إنت اتفصلت من الشركة... وكلامك ملوش قيمة.
ابتسم حسام بهدوء.
وده اللي كنت مستنيه تقولُه.
ثم أخرج من جيب بدلته فلاشة صغيرة، ورفعها
أمام الجميع.
قبل ما أمشي من الشركة، احتفظت بنسخة من محاضر الاجتماعات الرسمية.
المستشار القانوني مد إيده وقال
هاتها.
ناولها له حسام، ثم أكمل
في اجتماع معين من أربع سنين... اتقالت جملة عمري ما نسيتها.
أحد أعضاء مجلس الإدارة سأله
إيه هي؟
حسام بص مباشرة إلى أحمد،
 

تم نسخ الرابط