في يوم استقالة الشغالة

لمحة نيوز


باستمرار.
مرة السلك الداخلي يقطع.
ومرة البوردة تدخلها مية من غير أي سبب.
وكل مرة كريم يقعد يصلحها...
وبعد كام يوم ترجع تبوظ من جديد.
مرة من المرات...
فتح السماعة، واكتشف إن فيه أثر واضح جدًا لقص بالمقص في السلك الداخلي.
وقتها اتعصب بشكل عمره ما عمله.
خصم من مرتب الحاجة أمينة خمسمية يوان.
واتهمها إنها هي اللي بتخرب الأجهزة عمدًا.
أما هي...
ففضلت واقفة ساكتة.
راسها في الأرض.
وعينيها مليانة دموع.
ومسكة طرف المريلة بإيديها جامد.
ولا دافعت عن نفسها...
ولا قالت كلمة واحدة.
وقتها أنا كمان كنت مقتنعة إنها بتغير مننا.
وإنها مش مستحملة تشوفنا بنستخدم أجهزة حديثة.
بعد شوية...
قال كريم
أنا هدخل آخد دش... وإنتي نامي بدري.
خد الكوباية الفاضية...
ودخل الحمام.
وأول ما سمعت صوت المية نازلة...
قمت من على السرير فجأة.
قلبي كان بيدق بسرعة رهيبة.
زي طبول الحرب.
عرفت إن دي فرصتي.
رفعت الغطا بهدوء.
ونزلت من غير حتى ما ألبس الشبشب.
ومشيت حافية على أرضية الخشب الساقعة.
بخطوات هادية جدًا...
زي واحدة بتتسلل.
لحد ما وصلت لأوضة تغيير الملابس.
الأوضة كانت واسعة من جوه.
وفي آخرها كانت مرصوصة شنط السفر القديمة اللي بطلت أستخدمها من سنين.
عشان كده...
نادراً ما كنت بدخل المكان ده.
وكان ضلمة بشكل يخوف.
قعدت على ركبتي.
وفتحت كشاف الموبايل.
وبقيت أعد البلاطات اللي جنب الحيطة.
أول واحدة...
تاني واحدة...
تالت واحدة...
ثنيت صباعي...
وخبطت بخفة على الأرض.
تك... تك...
الصوت طلع مكتوم.
معناه إن الأرضية مصمتة.
تنهدت براحة كبيرة.
وحسيت إن الحمل اللي فوق قلبي أخيرًا نزل.
يبقى الحاجة أمينة كانت بتهذي.
أنا أصلًا كنت عارفة.
ست كبيرة جاية من قرية، ومش متعلمة كويس...
إزاي هتألف حكايات زي اللي في الأفلام؟
هززت راسي.
وقمت عشان أخرج من الأوضة.
لكن...
استني.
وأنا بلف عيني جات بالصدفة على طرف الحيطة من تحت.
في حاجة غريبة.
التراب اللي متراكم على الأرض...
كان فيه جزء صغير جدًا متشال.
عامل خط رفيع ونضيف...
كأن حد مسحه بإيده من فترة.
المنظر كان غير طبيعي خالص.
وقفت مكاني.
ونزلت أقعد على الأرض مرة تانية...
وإحساس

غريب بدأ يتسلل لقلبي.
يتبع...
الجزء الرابع
نزلت على ركبتي مرة تانية.
لكن المرة دي غيرت مكاني.
لزقت ودني في الأرض...
وبقيت أخبط بمفصل صباعي على آخر البلاطة، عند الحيطة بالظبط.
تك... تك... تك...
المرة دي...
الصوت كان مختلف.
واضح.
وفيه صدى.
يعني...
فاضي.
في اللحظة دي حسيت إن الدم جمد في عروقي.
يبقى...
الحاجة أمينة كانت بتقول الحقيقة.
البلاطة فعلًا من تحتها فراغ.
وفجأة...
صوت المية اللي كانت نازلة في الحمام وقف مرة واحدة.
الجزء الخامس
يا حبيبتي... إنتي فين؟
صوت كريم جه من أوضة النوم، وكان باين عليه إنه بيدور عليا.
وسمعت صوت الشبشب بتاعه بيقرب ناحية أوضة تغيير الملابس.
جسمي كله انتفض.
وحسيت فروة راسي هتنفجر من الرعب.
بسرعة قفلت شاشة الموبايل.
وبحركة تلقائية...
مسكت الإيشارب الحرير اللي كان على الرف.
وكرمشته في إيدي.
وخرجت من الأوضة كأني لسه بدور عليه.
قلت بسرعة
أنا هنا.
ورفعت الإيشارب قدامه.
وقلت وأنا بحاول أبقى طبيعية
كنت بدور عليه... عشان بكرة وأنا رايحة المراجعة عند الدكتور.
كريم كان بينشف شعره بالفوطة.
وبصلي بنظرة مليانة شك.
عينيه من ورا النضارة الدهب لفوا على الإيشارب...
وبعدين نزلوا على رجلي اللي كانت حافية.
وقال
الأرض ساقعة كده... وإنتي ماشية من غير شبشب؟
قبل ما أرد...
قرب مني.
وشالني بين إيديه.
ورجعني بسرعة لأوضة النوم.
وحطني على السرير برفق.
وقال وهو بيغطي رجلي
إنتي مناعتك ضعيفة.
ولو بردتي شوية... حالتك النفسية هتتعب أكتر.
كل تصرفاته كانت مليانة حنان.
وكلامه كله اهتمام.
لدرجة إنه كان فعلاً يبدو كأنه الزوج المثالي اللي مفيهوش أي عيب.
لكن...
وأنا في حضنه...
أنفي قرب من رقبته.
ولأول مرة...
ماحسيتش بالأمان.
كل اللي شمّيته...
ريحة باردة.
ريحة معدن.
ريحة أوض السيرفرات وأجهزة الكمبيوتر.
ريحة ملهاش أي دفا.
ولا أي إحساس بالحياة.
الليلة دي...
على غير العادة...
ما دخلتش في النوم المتقطع والكوابيس اللي كل يوم بتصحيني.
لأن كريم...
ما شغلش السماعة الذكية اللي كانت بتشغل أصوات هادية طول الليل.
الوقت كان بيمر ببطء شديد.
كل ثانية...
كأنها ساعة.
لحد ما الساعة وصلت
اتنين وخمسة وأربعين بعد نص الليل.
وأخيرًا...
سمعت نفس كريم بقى منتظم وعميق.
عرفت إنه نام.
بدأت أتحرك...
ببطء شديد.
بهدوء يخوف.
لدرجة إني كنت خايفة صوت الغطا وهو بيتحرك يصحيه.
نزلت من السرير.
وروحت أوضة المكتب.
ومن آخر درج في مكتب الرسم...
طلعت سكينة النحت الرفيعة اللي بستخدمها في شغل الخشب.
نصلها كان رفيع جدًا.
وساقع كأنه تلج.
رجعت لأوضة تغيير الملابس.
وقفلت الباب بهدوء.
البيت كله كان ساكت.
مفيش غير صوت موتور التلاجة في الصالة...
بيطلع كل شوية صوت مكتوم.
كأنه نفس حيوان ضخم في الضلمة.
دخلت نصل السكينة في الفتحة الصغيرة بين البلاطة والإطار.
وضغطت بكل قوتي.
البلاطة كانت مقفولة بإحكام شديد.
فضلت أضغط بكل اللي عندي.
إيدي وجعتني جدًا.
والكالو اللي في صباعي من سنين الرسم...
اتجرح ونزل منه دم.
وفجأة...
طق.
صوت صغير جدًا.
لكن وسط الهدوء...
كان كأنه صوت انفجار.
القفل الداخلي اتفتح.
رميت السكينة بسرعة.
ومسكت البلاطة بإيديا الاتنين.
وجزيت على سناني.
وشديتها بكل قوتي.
أخيرًا...
اترفعت.
طلع من تحتها هواء رطب...
وريحة تراب وعفن قديم.
فتحت كشاف الموبايل.
وبصيت جوه.
كنت متوقعة ألاقي دهب.
أو مجوهرات.
أو رزم فلوس.
لكن...
ماكانش فيه أي حاجة من دي.
كان فيه...
كيس شفاف كبير.
مقفول بتفريغ هوا بإحكام شديد.
الجزء السادس
قعدت على الأرض.
وإيديا كانت بتترعش بقوة وأنا بسحب الكيس التقيل لبرا.
الكيس كان متقفل بإحكام...
كأن اللي خباه كان خايف نقطة رطوبة واحدة تبوظ اللي جواه.
جبت مشرط صغير.
وقطعت طرف الكيس.
وقلبت كل اللي فيه على الأرض.
أول حاجة خرجت...
كانت مئات الأقراص البيضاء.
كل مجموعة منهم متقسمة في كيس صغير لوحدها.
ومكتوب على كل كيس...
السنة.
والشهر.
واليوم.
بخط إيد مرتب لكنه بسيط.
في اللحظة دي...
حدقة عيني وسعت.
ونفسي وقف.
حجم الحبايات...
وشكلها...
والعلامة المحفورة عليها...
كلها مطابقة تمامًا...
لنفس الدوا المستورد اللي كريم كان بيخليني آخده كل ليلة قدام عينيه.
إزاي؟
إزاي الحبوب اللي المفروض تكون دخلت معدتي...
مستخبية تحت الأرض؟
ليه الحاجة أمينة كانت محتفظة بيها؟
فضلت أبص للكيس
وأنا مش مستوعبة.
لكن لقيت جواه حاجة تانية.
بوردة إلكترونية خضرا.
متفككة لقطع.
أول ما شفت الشعار الفضي عليها...
عرفتها.
دي بوردة السماعة الذكية اللي جنب السرير.
نفس السماعة...
اللي كريم كان دايمًا يقول إنه هو اللي صممها وركبها بإيده.
آخر حاجة كانت في الكيس...
كشكول قديم.
ورقه رخيص.
من النوع اللي بيتباع في القرى.
ومتربط بخيط خيش بسيط.
الأوراق كانت صفرا...
ومتآكلة من كتر التقليب.
أول ما فتحته...
طلعت منه نفس ريحة مسحوق الغسيل الرخيص...
اللي كانت الحاجة أمينة بتستخدمه.
فتحت أول صفحة.
الخط كان كبير.
وفيه أخطاء إملائية كتير.
واضح إن اللي كتبه ست تعليمها بسيط.
لكن...
كل حرف كان مكتوب بقوة...
كأنه محفور جوه الورقة نفسها.
يتبع...
الجزء السادس
فتحت أول صفحة من الكشكول...
وكان أول سطر مكتوب فيه
12 أبريل 2023
النهارده الأستاذ بدّل علبة الدوا الحمرا الخاصة بالمدام.
وأنا بنضف الأوضة...
لاحظت إن ريحة الدوا اتغيرت.
الريحة المُرة المعروفة اختفت.
أنا زمان اشتغلت سنين طويلة في صيدلية المستشفى المركزي.
وعشان كده...
عرفت من أول مرة إن الأقراص دي مش الدوا الحقيقي.
دي مجرد أقراص نشا...
شكلها عامل زي الدوا بس.
روحت لصيدلية كبيرة في المدينة أتأكد.
ولما سألت...
عرفت إن سعر العلاج الأصلي 2800 يوان.
أنا ماكنش معايا المبلغ ده.
ومالقيتش قدامي غير إني أطلب من المدام زيادة في المرتب.
...
في اللحظة دي...
حسيت إن مخي انفجر.
إيديا بدأت ترتعش.
والدموع نزلت على صفحات الكشكول واحدة ورا التانية.
فضلت أقلب.
15 أغسطس 2023
المدام انهارت فجأة النهارده، وكسرت طبق الرز.
الأستاذ كان واقف بيتفرج عليها.
وبيبتسم.
ابتسامة مرعبة.
كأنه بيتفرج على مسرحية.
حالة المدام كل يوم بتسوء.
وبالليل...
الأستاذ عدّل السماعة الذكية مرة تانية.
قمت نص الليل أدخل الحمام.
وساعتها...
سمعت من السماعة صوت ست بتعيط بصوت واطي جدًا.
اترعبت.
وخدت المقص.
وقطعت السلك.
الأستاذ اتجنن من الغضب.
وخصم مني 500 يوان.
بس...
مش مهم.
المهم إن المدام النهارده ما صحيتش وهي ماسكة دماغها من الوجع.
10 فبراير 2024
سعر العلاج زاد من جديد.
قرب رأس
السنة.
الأستاذ بقى يحط للمدام أرخص فيتامينات بدل العلاج الحقيقي.
أنا عارفة إن الفيتامينات مش هتموتها.
لكن لو فضلت من غير علاجها...
عقلها هيضيع.
طلبت زيادة في المرتب.
المدام بصتلي باحتقار.
وقالت إني طماعة.
دخلت الحمام.
وفضلت أعيط طول الليل.
لكن...
ماقدرتش أسيب البيت.
لأني لو مشيت...
مش هيبقى فيه حد
 

تم نسخ الرابط