رجع من السفر قبل معاده بيوم

لمحة نيوز

رجع من السفر قبل ميعاده بيوم، وطرد الست الوحيدة اللي قدرت تخلّي بناته التلاتة يتكلموا بعد وفاة أمهم لكن بالليل لقى جواب مرسوم بالألوان تحت باب أوضته، وأول سطر فيه خلاه يحس إن أكبر غلطة في حياته كانت من كام ساعة بس.
نزليها من على كتفك حالًا إنتِ مرفودة، ومش عايز أشوفك في البيت ده تاني.
صوت كريم المنشاوي دوّى في المطبخ كله.
البنت الصغيرة اللي كانت قاعدة على كتف سارة نزلت بسرعة.
وأختيها سابوا الملاعق من إيديهم.
والتلاتة وقفوا مكانهم من غير ولا كلمة.
كريم كان راجع من إسكندرية قبل ميعاده بيوم.
صاحب شركة مقاولات كبيرة، طول عمره ناجح في شغله، لكن بعد وفاة مراته في حادثة من سنة ونص، فشل في حاجة واحدة
إنه يرجّع الضحكة لبناته التلاتة.
مراته دينا ماتت وهي راجعة من حفلة المدرسة.
وقبل الحادث بساعات، كانوا متخانقين لأنه سافر وسابها لوحدها مع البنات.
وعدها إنه يعوضهم أول ما يرجع
لكن عمره ما لحق.
بعد الجنازة، البنات التلاتة، وعندهم ست سنين، بطلوا يتكلموا خالص.
لفّ بيهم على دكاترة نفسيين.
وتخاطب.
وجلسات علاج.
وجاب لهم ألعاب.
وسافر بيهم.
ولا حاجة فرقت.
ولأنه ميعرفش يعمل غير الشغل
غرق نفسه فيه.
يبقى برا البيت طول اليوم.
ويرجع بعد ما البنات يناموا.
لحد ما مديرة البيت اقترحت يجيب مربية جديدة.
وجت سارة.
بنت عندها

تلاتين سنة، خريجة تربية، وبتدرس تنمية طفل.
من أول يوم، معملتش اللي كل الناس عملته.
لا سألتهم ليه ساكتين.
ولا ضغطت عليهم.
كانت تنظف، وتطبخ، وتغني وهي شغالة.
وتسيبهم براحتهم.
بعد أسبوع
أصغر بنت رسمت فراشة، وسابتها على الترابيزة.
سارة علقتها على التلاجة وقالت
هنسيبها هنا لحد ما تطير.
تاني يوم، واحدة من البنات همست لأول مرة وقالت
ماما كانت بتحب الفراشات.
ومن بعدها، واحدة ورا التانية
رجع الكلام.
ورجعت الضحكة.
لكن كانوا متفقين على حاجة.
ميعرفوش باباهم.
كانوا عايزين يفاجئوه في عيد ميلاد مامتهم.
لكن كريم مكنش موجود.
كالعادة.
وفي اليوم اللي رجع فيه، دخل المطبخ.
لقى البنات لابسين مريلات صغيرة.
وسارة بتعلمهم يعملوا كيكة بوصفة كانت أمهم بتعملها.
ولأول مرة من شهور
سمع ضحكهم.
قبل ما يفرح
أصغر واحدة حضنت سارة وقالتلها
يا ماما سارة أوعي تسيبينا.
الكلمة نزلت على كريم كأنها طعنة.
محسش إن سارة أنقذت بناته.
حس إنها أخدت مكان مراته.
وفي لحظة غضب، صرخ فيها قدام الكل.
وقال إنها مرفودة.
سارة حاولت تشرح.
قالت
أنا معملتش حاجة غلط.
رد بعصبية
إنتِ خليتيهم يتعلقوا بيكي.
خلعت المريلة.
ومسحت دموعها.
وقالت للبنات
خليكم شاطرين.
ومشيت.
البنات فضلوا واقفين يبصوله.
ولا واحدة فيهم عيطت.
ولا اتكلمت.
طلعوا أوضتهم
ورجعوا لنفس الصمت
اللي عاشوا فيه سنة ونص.
بالليل
كريم دخل مكتبه.
لقى ورقة متنية تحت الباب.
مرسومة بألوان شمع.
فتحها.
كان أول سطر مكتوب فيها
يا بابا إحنا عرفنا ليه ماما مرجعتش.
إيده اتهزت.
كمل يقرا.
وكانت كل بنت كاتبة سطر.
أول واحدة كتبت
ماما راحت عند ربنا.
التانية كتبت
وسارة كانت بتفكرنا بيها.
أما السطر الأخير
فكان بخط أصغر بنت.
ولما قراه
وقع الجواب من إيده.
لأنها كتبت
إحنا سكتنا تاني عشان كل حد بنحبه، إنت بتخليه يمشي.
استقر الجواب على أرضية المكتب الخشبية الفاخرة، وكانت الرسومات بالألوان الشمعية تلمع تحت الإضاءة الخافتة. كريم كان واقفاً كالصنم، إيديه بتترعش، وجسمه كله بيتقطع من جوا.
الجملة الأخيرة كانت زي رصاصة نفذت لعمق قلبه، وصحّت جواها كل الندم والذنب اللي حاول يهرب منهم في الشغل على مدار سنة ونص كاملة
إحنا سكتنا تاني... عشان كل حد بنحبه، إنت بتخليه يمشي.
سقط كريم على ركبتيه في نص المكتب، ومسك الجوابوضمه لصدره وهو بيعيط بحرقة خلت جنبات البيت الهادي تسري فيها نبرة وجع مكتومة. لأول مرة من يوم جنازة مراته دينا، كريم يواجه حقيقته هو مكنش بيحمي ذكرى مراته لما طرد سارة، هو كان بيعاقب نفسه وبناته، وكان بيحارب الأمل لأنه شايف إنه ما يستاهلش يفرح ولا بناته يفرحوا وهو السبب في غياب أمهم!
قام واقف بالعافية، ومسح دموعه،
واتجه فوراً لأوضة البنات في الدور الثاني.
فتح الباب ببطء.
اللمبة الصغيرة كانت قايدة، والبنات التلاتة كانوا قاعدين على السرير جنب بعض، لافين نفسهم بالبطاطين، وعيونهم المفتوحة كانت بتسبح في الفراغ... نفس النظرة الميتة، نفس الصمت القاتل اللي عاشوا فيه سنة ونص!
قرب منهم كريم، وقعد على حرف السرير. مد إيده يحضنهم، لكن البنات التلاتة رجعوا لورا في نفس اللحظة كأنهم جسم واحد! حركة الجفاء دي كسرت قلبه أكتر من أي حاجة ثانية.
قال بصوت مبحوح ومليان دموع
يا بنات... أنا آسف. أنا بابا... أنا بحبكم والله العظيم بحبكم، وما أقدرش أعيش وأنا شايفكم ساكتين كده تاني. أنا غبي... أنا افتكرت إن سارة بتمحي وجود مامتكم، مكنتش فاهم إنها بتملا البيت بالروح اللي مامتكم سابتها فينا...
البنات ما ردوش. ولا كلمة ولا دمعة. صمت مطبق يصرخ في وجهه بكل قسوة.
أدرك كريم في اللحظة دي إن الكلام والوعود المجرّدة مش هترجع اللي انكسر. إن الأفعال والتواضع واعتراف الراجل بغلطته هما السبيل الوحيد لإصلاح ما أفسده الغضب والأنانية.
رحلة البحث عن سارة
في نفس الليلة، الساعة كانت قربت على 2 بالليل.
كريم نزل لمكتبه، وجاب ملف الموظفين وسحب منه ورقة بيانات سارة. أخد عنوان شقتها الصغيرة في حارة متفرعة بحي شبرا.
ركب عربيتو ونزل في شوارع القاهرة الساكنة
تحت زخات المطر الخفيفة. كان بيسوق بسرعة، وعيونه مش بتفارق الطريق. وصل بعد ساعة، وقعد يدوّر
 

تم نسخ الرابط