في يوم استقالة الشغالة

لمحة نيوز

في يوم استقالة الشغالة اللي كانت شغالة عندي، حصلت حاجة عمري ما كنت أتخيلها.
مسكت إيدي بكل قوتها، وأصرت إني أكسر أرضية أوضة تغيير الملابس.
ولما طلعنا من تحت السيراميك كشكول قديم ورخيص...
اكتشفت إن أخطر شخص في حياتي...
ماكانش هي أبدًا.
الشغالة كانت بتاخد مرتب يزيد عن عشرين ألف جنيه في الشهر، ومع ذلك كانت بخيلة على نفسها بشكل يوجع القلب، عمرها ما اشترت حتى هدوم جديدة.
ويوم ما سابت الشغل، فضلت ماسكة فيا ومصممة إني أكسر أرضية أوضة تغيير الملابس.
وقتها افتكرتها واحدة طماعة... مهما أخدت عمرها ما تشبع.
لكن أول ما طلع من تحت الأرض كشكول قديم متهالك...
عرفت الحقيقة.
الشخص اللي بينام جنبي كل ليلة...
هو اللي كان يستحق الخوف.
الجزء الأول
صوت النداء في محطة القطار السريع كان عالي ومزعج، وبينادي على ركاب رحلة الصعيد إنهم يسرعوا على بوابات التفتيش.
كانت الحاجة أمينة واقفة قدام بوابة الدخول، شايلة شنطة البلاستيك الكبيرة الحمرا والبيضا والزرقا اللي بيستخدمها أغلب أهل القرى.
لابسة بالطو قديم رمادي، الأكمام مهترية من كتر الاستعمال، والقماش وبر، والياقة كلها رقع وخياطة.
وده كان الجاكيت الشتوي الوحيد اللي لبسته طول التلات سنين اللي اشتغلتهم عندي.
وقفت أبصلها من بعيد، يمكن نص متر بس.
وبصراحة...
جوايا حسيت براحة كبيرة.
بعد تلات سنين...
أخيرًا الشغالة اللي جاية من قرية بعيدة، واللي أكلها كان من أحسن الأكل، هي بنفسها طلبت تمشي.
ولأول مرة حسيت إن الحمل اتشال من على قلبي.
لأن خلال التلات سنين دول...
الحاجة أمينة فضلت كل شوية تطلب زيادة في المرتب.
مرة تقول بتبني بيت في البلد.
ومرة تقول ابنها هيتجوز.
ومرة تقول حفيدها محتاج مصاريف مدرسة.
وفي كل مرة كنت أوافق.
لحد ما مرتبها زاد ست مرات.
بدأت بستة آلاف يوان، ووصل لحد اتناشر ألف يوان في الشهر.
جوزي كريم كان دايمًا يقولي
إنتي طيبة زيادة عن اللزوم... الست دي عرفت نقطة ضعفك وبتستغلك.
لكن الحقيقة...
أنا

من سنين بعاني من انهيار عصبي شديد.
كل ليلة تقريبًا معرفش أنام.
وبسمع أصوات ملهاش وجود.
وإيدي بقت بتترعش لدرجة إني بقيت معرفش أمسك قلم الرسم الإلكتروني.
أنا شغلي رسامة كتب وقصص.
وماكانش عندي أي طاقة أجيب شغالة جديدة، وأقعد أختبرها وأعودها على نظام البيت والأكل.
فكنت دايمًا أقول لنفسي
اعتبريها فلوس بتدفعيها عشان راحة بالك.
ابتسمتلها ابتسامة مجاملة وقلت
مع السلامة يا حاجة أمينة... ربنا يوصلك بالسلامة. وأنا حولتلك باقي فلوسك على المحفظة.
لفيت عشان أمشي.
لكن الغريب...
إنها لا بصت في الموبايل...
ولا شكرتني زي كل مرة.
فجأة...
خدت خطوة ناحيتي.
ومسكت دراعي بإيديها الخشنة اللي من كتر الشغل بقت زي ورق الصنفرة.
اتخضيت وحاولت أسحب إيدي.
لكن إيديها كانت ساقعة جدًا...
ومغرقة عرق...
وبترتعش.
ومع كده كانت ماسكاني بقوة غريبة.
قالت بصوت واطي جدًا
يا مدام...
صوتها كان ضعيف لدرجة إن صوت الميكروفون فوق كان هيغطي عليه.
بصتلي بعينين مليانين خوف ورجاء بشكل عمري ما شوفته فيها.
وقالت
اسمعيني كويس.
بلعت ريقها بالعافية، وصوتها كان بيرتعش.
في أوضة تغيير الملابس... عند آخر الحيطة... تالت بلاطة خشب ضد الرطوبة... من جوه فاضية.
اتسمرت مكاني.
قلت باستغراب
يعني إيه؟
قالت بسرعة
في حاجة مستخبية تحتها.
لازم تشوفيها.
بس افتحيها لما الأستاذ مايبقاش في البيت.
أوعي تفتحيها وهو موجود.
لازم تشوفيها.
قبل ما ألحق أسألها أي حاجة...
الناس اللي واقفة في الطابور وراها بدأت تتضايق وتستعجلها.
ساعتها الحاجة أمينة سابت إيدي فجأة.
وشالت شنطتها القديمة.
وجريت وسط الزحمة...
من غير حتى ما تبص وراها.
فضلت واقفة مكاني.
حاسّة إن كل الأصوات اللي حواليا اختفت.
وكان لسه في مناخيري ريحة مسحوق الغسيل الرخيص اللي كانت بتستخدمه...
النوع اللي تمنه أقل من عشرة يوان.
مش عارفة ليه...
أول ما هواء الربيع البارد عدى في ممر المحطة...
جسمي كله ساقع.
والعرق نزل مني بشكل غريب.
الجزء الثاني
وأنا
راجعة البيت في التاكسي...
وش الحاجة أمينة وهو مليان رعب مكنش بيفارق خيالي.
هي كانت خايفة من إيه؟
واحدة طول عمرها باين عليها الطمع...
وسابت الشغل قبل حتى ما تستنى آخر مرتب...
إيه اللي ممكن تكون مخبياه تحت أرضية بيتي؟
أول ما فتحت باب الشقة...
ريحة شوربة الضلوع كانت مالية المكان.
سمعت صوت كريم من المطبخ
رجعتي يا حبيبتي؟
طلعلي وهو لابس مريلة مطبخ نضيفة.
ولابس نضارته الدهب المعتادة.
وعلى وشه نفس الابتسامة الهادية.
كريم كان من أشهر مهندسي أنظمة البيوت الذكية في البلد.
وأي حد يعرفه كان بيقول إنه الزوج المثالي.
لما كان عندي عشر سنين...
بابا وماما ماتوا في حادثة عربية.
وسابولي مبلغ تعويض كبير، وكذا شقة وعقار.
كبرت من غير حنان.
ولما اتجوزت كريم...
افتكرت إني أخيرًا لقيت الشخص اللي هيحميني.
آخر تلات سنين...
مرضي النفسي زاد جدًا.
وشغلي تقريبًا وقف.
وهو اللي كان شايل مصاريف البيت كلها.
وبيسافر بيا لدكاترة ومستشفيات كتير.
حتى الشقة الفخمة اللي اشتريتها بفلوسي قبل الجواز...
هو اللي كان بيدير كل أمورها.
قال بابتسامة
يلا اغسلي إيدك.
أنا عملتلك شوربة أعشاب تهدي الأعصاب.
امبارح بالليل قلتي إنك سمعتي صوت ست بتعيط تاني.
وشك النهارده تعبان.
وخد الشنطة من إيدي بشكل طبيعي جدًا.
وأصابعه لمست ضهر إيدي بالصدفة.
كانت إيده...
ساقعة جدًا.
برودة غريبة، زي برودة الناس اللي طول الوقت في أوض السيرفرات وأجهزة الكمبيوتر.
من غير ما أحس...
سحبت إيدي بسرعة.
رفع عينه وبصلي.
وقال
مالك؟
كان واخد باله من أقل حركة.
قلت بسرعة
ولا حاجة... الجو بره كان برد.
ودخلت الحمام.
وأثناء الغدا...
ماكنتش قادرة أبلع.
الشوربة كانت سخنة جدًا.
لكن جسمي كله كان تلج.
وفي دماغي كانت بتتكرر نفس كلمات الحاجة أمينة
آخر أوضة تغيير الملابس...
تالت بلاطة عند الحيطة...
بصيت لكريم وهو قاعد قدامي بكل هدوء.
بيرد على إيميلات الشغل.
وساعتها...
بدأت أربط حاجات عمري ما فكرت أربطها قبل كده.
إزاي
حالتي النفسية كانت كل شوية بتسوء؟
في الأول كان مجرد أرق.
بعدها بقيت بسمع أصوات طول الليل.
وبعدها بقيت أنسى أحداث حصلت من ساعات.
وأوقات كتير بفقد السيطرة على أعصابي.
كريم كان بياخدني لأغلى مستشفى نفسي خاص في المدينة.
والدكاترة كانوا كل مرة يزودولي العلاج.
وأدوية مستوردة غالية جدًا.
لكن بدل ما أتحسن...
كنت كل مرة ببقى أسوأ.
والأغرب...
إن الحاجة أمينة كانت تطلب زيادة في المرتب في توقيت غريب جدًا.
كل مرة...
بعد يومين أو تلاتة بالظبط من زيارة المستشفى.
وبعد ما الدكتور يقول إن حالتي ساءت.
زمان كنت فاكرة إنها واحدة ذكية وبتستغل ضعفي.
عارفة إني محتاجاها.
لكن دلوقتي...
بدأ سؤال يخبط في دماغي.
ست بتاخد أكتر من اتناشر ألف يوان كل شهر...
ليه فضلت لابسة نفس الهدوم القديمة؟
ليه عمرها ما اشترت هدوم جديدة؟
ولا مستحضرات تجميل.
ولا حتى كانت بترمي أكياس السوق.
كانت بتغسلها وترجع تستخدمها تاني.
طيب...
كل الفلوس اللي خدتها مني على مدار السنين...
راحت فين؟
يتبع...
الجزء الثالث
الساعة كانت عشرة بالليل.
زي كل يوم...
دخل كريم الأوضة وهو شايل كباية مية دافية، ومعاها علبة الدوا.
ابتسم وقال بهدوء
يلا يا حبيبتي... معاد الدوا.
جوا العلبة كان فيه كام قرص أبيض.
وده كان العلاج المستورد اللي دكتور الأمراض النفسية كاتبهولي مخصوص للاكتئاب والانهيار العصبي.
وكان عند كريم عادة عمرها ما اتغيرت.
كل ليلة لازم يقعد جنبي على السرير.
ويفضل باصصلي لحد ما يتأكد إني بلعت كل الأقراص واحدة واحدة.
ولازم يشوفني بشرب المية للآخر.
وساعتها بس يقوم وهو مطمن.
وأنا بشرب الدوا، قال وهو بيتكلم بشكل عادي
دلوقتي الحاجة أمينة مشيت... أكيد محدش هيبوظ حاجة تاني.
وسماعة البيت الذكية اللي في أوضة النوم مش هتفضل تفصل نص الليل زي كل مرة.
بلعت الحباية بطعمها المُر الخفيف.
وفجأة...
قلبي دق بقوة غريبة.
معقول...
دي كمان كانت حاجة مريبة.
كل نظام البيت الذكي اللي في الشقة...
كان كريم هو اللي
صممه وركبه بإيده.
وكان دايمًا يقول بكل فخر إنه أقوى وأثبت نظام موجود.
لكن الغريب...
إن السماعة الذكية اللي جنب سريرنا، واللي كانت بتشغل أصوات هادية تساعد على النوم...
هي الوحيدة اللي كانت بتتعطل
 

تم نسخ الرابط