دفنا ابويا يوم السبت
كلامهم وأديتيهم شقا عمرنا. بابا حماكي وحماني وهو عايش، وسايبلي السلاح اللي هفرتك بيه عيلتهم دي وأنا واقفة بطولي.
في اللحظة دي، سمعنا صوت سرينة بوكس البوليس وهي بتهدي تحت العمارة، وصوت خطوات عساكر طالعة على السلم بسرعة.
خالتي زينب أول ما سمعت صوت السرينة، رمت كيس الريش الداني من إيدها وقامت جيرت على باب الشقة
أنا ماليش دعوة يا أحمد.. أنا قولتلك بلاش نيجوا وبلاش طمع! أنا ماليش دعوة بالورق القديم ولا بوصل الأمانة المضروب ده!
استني عندك يا طنط زينب، ندهت عليها بصوت قاطع وخليتها تتسمر مكانها. محدش هيتحرك من الشقة دي إلا في الكلبشات.
الباب خبط خبطتين جامدين، وجارنا عمو يوسف فتح الباب ومعاه معاون المباحث واتنين عساكر. الظابط دخل الشقة، عينيه لفت على المكان، وبص على حتت الإزاز المتدشّشة في الأرض وكيس اللحمة اللي بينقط دم، والمنظر المتلخبط كله.
الظابط بص لعمو يوسف وبعدين بصلي
فين الأستاذة هنا حسن؟
أنا يا فندم، قولت بثبات وأنا بقدم
طارق وشه جاب مية لون وبدأ يرجع لورا
يا باشا والله ما حصل! دي خناقة عائلية وإحنا قرايب وبنهزر معاها!
الهزار ده هتقوله في القسم يا روح أمك، الظابط قالها بلهجة صارمة وعطا إشارة للعساكر. هاتوا الجدع ده، وهاتوا الراجل التاني ده كمان.
العساكر هجموا على طارق وخالي أحمد وكلبشوهم في ثانية. ستي أم أحمد بدأت تصوت وتلطم على وشها
يا خراب بيتك يا أحمد! يا فضيحتك يا طارق! يا ناس الحقونا البت بتسجن خالها وجوز أختها!
الظابط بص لستي بنظرة تخرّس بلد
اسكتي يا ست إنتي وإلا هاخدك معاهم بتهمة إثارة الفوضى والبلاغ الكاذب. يلا قدامي على البوكس.
وهما بيجروهم على السلم، خالي أحمد التفت ليا وعينيه مليانة دموع
هنا.. ابوس إيدك بلاش الورق القديم.. بلاش تفتحي القضية دي، أنا عندي عيال وعايز أربيهم!
بصيت له ببرود تام وقولتله عيالك دول كنت تفكر فيهم وأنت جاي تسرق كفن أبويا وتمد إيدك على بنته. القانون هياخد مجراه يا خالي.
الشقة فضيت تمامًا مفيش فيها غير أنا وأمي وعمو يوسف.
عمو يوسف طبطب على كتفي وقال بصوت كله فخر
الله ينور عليكي يا هنا، بني آدمة بمليون راجل. أبوكي دلوقتي مرتاح في تربته. أنا هحصلهم على القسم عشان أكون شاهد على واقعة الاقتحام والتهديد.
شكراً ليك يا عمو يوسف، مش هنسالك الموقف ده طول عمرنا.
بعد ما عمو يوسف نزل، قفلت الباب ورايا بالترباس. الشقة بقت هادية أوي، ريحة البيت رجعت لأصلها، ريحة طيبة ونظيفة زي ريحة أبويا.
مشيت لغاية أمي اللّي كانت لسه قاعدة على الكنبة، مشدوهة ومش مصدقة إن الكابوس اللّي عاشت فيه أكتر من عشرين سنة انزاح في ساعة زمن. قعدت جمبها وأخدتها في حضني، ولأول مرة أحس إن أمي هي اللّي طفلة صغيرة ومحتاجة الحماية.
أمي.. قولت لها وأنا بطلع الموبايل الجديد من جيب الروب وبفتحه قدامها.
إيه ده يا بنتي؟ سألتني وهي بتمسح دموعها.
ده شقى عمر بابا الحقيقي، فتحت الأبلكيشن ووريتها الرقم.. السبعة مليون و ألف جنيه. بابا مسبش 180 ألف بس يا أمي، بابا ساب الثروة دي كلها ليا وليكي، وساب شقتين في التجمع عشان نعيش فيهم ونبدأ حياة جديدة بعيد عن القرف والطمع ده كله.
أمي شهقت وحطت إيدها على صدرها، وعينيها دمعت تاني بس المرة دي كانت دموع راحة وفرحة
حسن.. الله يرحمك يا غالي.. يرحم ترابك يا أصيل.
بصيت لأمي وقولت لها بابتسامة وثقة
بكرة الصبح يا أمي، هننزل البنك وننقل كل حاجة، وبعدها هنلم هدومنا وحاجتنا الغالية، ونقفل الشقة دي، ونروح مكان مفيش فيه حد يعرفنا ولا حد يبتزنا. من النهاردة مفيش خوف، ومن النهاردة إحنا اللّي بنكتب شروطنا.
أمي هزت راسها وابتسمت لأول مرة من يوم وفاة بابا، وأنا بصيت لصورة أبويا اللّي على الكومودينو، وحسيت كأنه بيبتسم ليا ويقولي برافو عليكي