دفنا ابويا يوم السبت
إن فيه ناس بتتفرج، صوتها علي أكتر وبقت تصرخ عشان الشارع كله يسمع
تعالوا يا ناس شوفوا واحكموا بنفسكم! بنتي اتجوزت وقعدت في البيت ده أكتر من عشرين سنة، خدمت الكببر والصغير، ودلوقتي جوزها مات وبنتها بطردنا وبتخون أهل أمها وتعملنا زي الحرامية!
أمي كانت واقفة عند الطرقة والدموع نازلة على رقبتها، تبص لي بنظرة رجاء، كأنها بتقولي استحملي عشان خاطري يا بنتي.
رخيت إديا وجوايا إحباط ملوش آخر، وفي اللحظة دي بالذات، سمعت صوت تِنْج جاي من أوضة النوم.. صوت رسالة على تليفون أبويا القديم.
الشاشة نورت، وظهرت رسالة لسه مقريتهاش
يا أستاذ حسن، الورق والمستندات المهمة اللي سبتهالي أشيلها لك عندي، بنتك هنا استلمتها ولا لسه؟
2.
التليفون ده أنا اللي جبته بنفسي من المستشفى يوم ما دفنا بابا. هو مات بسرعة أوي لدرجة إنه ملحقش يسيب ليا حتى كلمة وداع واحدة أعيش عليها.
الرسالة دي كانت مبعوتة من رقم متسجل في الأسماء باسم عمو يوسف.
فضلت باصة للكلام ده على الشاشة، وقبل ما ألحق أفتح الرسالة عشان أقرا التفاصيل، لقيت صوت مرت خالي خديجة العالي جاي من الصالة وبيزعق
بت يا هنا! هاتي التليفون ده وتعالي هنا، إياكي تكوني مستخبية جوه الأوضة وبتلعبي بذيلك وبتهربي الفلوس لحساب تاني!
وفي وسط
كان عمو يوسف، جارنا العزيز وصاحب عمر أبويا الأنتيم، واقف على الباب وفي إيده شنطة ورق بني كبيرة ومقفولة بظرف شمع.
بص جوه الشقة وشاف الناس الكتير وأشكالهم اللي تخوف، ووشه قلب وبقى حازم جداً ومحترم. دخل خطوتين وبص لي وقالي
يا هنا، باباكي الله يرحمه قبل ما يتوفى أمنّي أمانة غالية وشدد عليا... قالي متسلميش الشنطة دي لبنتي هنا غير لما يخلص أسبوعه ويدفن ويرتاح.
أول ما أمي سمعت الجملة دي، رفعت راسها بسرعة ووشها اتخطف وبان عليه الرعب والخوف.
وعلى الشنطة الورق البني دي، كان مكتوب بخط أبويا الواضح القوي
الأمانة دي ميتفتحش ولا يشوف اللي فيها غير بنتي هنا لوحدها وبس.
الغرفة اتقلبت في ثانية. نظرات الطمع في عيون خالي أحمد وجوز أختي طارق اتحولت فجأة لشرار، وكانوا باصين للشنطة البني اللي في إيد عمو يوسف كأنها مغارة علي بابا.
طارق ساب وصل الأمانة المضروب من إيده، وتقدم خطوتين وعينه هتطلع على الشنطة
جرى إيه يا راجل يا طيب؟ وإحنا غرب؟ ما تفتح الشنطة هنا ورينا المرحوم كاتب إيه، مش يمكن كاتب ديون عليه لازم نسدها؟
عمو يوسف بصه من فوق لتحت بنظرة استحقار هزأت كرامته، وضغط على الشنطة
دي أمانة مجالس يا أستاذ طارق، والأستاذ حسن الله يرحمه مأمنيش على ورق عشان أفرجه للمقاطيع. الورق ده له صاحبة، وهي اللي هتستلمه.
خالي أحمد اتنحنح وطلع قدام وهو بيحاول يداري ريقه اللي جري
جرى إيه يا حاج يوسف؟ إحنا أهل البيت، وأنا خيالها وكبير العيلة دلوقتي بعد جوز أختي. سيب الأمانة وإحنا هنقعد مع البت ونشوف اللي فيها بالراحة.
كبير العيلة اللي بيرفع إيده على بنات أخته ملوش كلمة عندي يا حاج أحمد، عمو يوسف قالها ببرود إنجليزي لجم خالي تمامًا. بعدين التفت ليا ومد إيده بالشنطة خدي يا هنا يا بنتي، أمانة أبوكي أهي. ربنا يقويكي.
أول ما مديت إيدي وأخدت الشنطة، حسيت بوزنها.. مكنتش ورق وبس، كان فيها حاجة تقيلة ومصمتة.
في اللحظة دي، أمي فاطمة صرخت فجأة بصوت مكتوم ووقعت على الأرض، وبقت تترجى عمو يوسف بعينيها
بلاش يا يوسف.. الله يخليك بلاش، ابوس رجلك خليه معاك، بلاش تفتح علينا طاقة جهنم!
أنا وقفت مذهولة. أمي مرعوبة من ورق أبويا؟ لية؟ إيه السر اللي يخلي زوجة تخاف من وصية جوزها اللي عاشت معاه عمر؟
ستي أم أحمد شافت منظر أمي، راحت قايمة وزاقاني بكل قوتها عشان تخطف الشنطة
هاتي البتاعة دي! أمك مش موافقة، والبيت ده بيتنا والشور شورنا!
بس أنا كنت أسرع
برا الباب، قامت القيامة. طارق وخالي أحمد بقوا يرزعوا على الباب الخشب بعنف لدرجة إنه كان هيتخلع من مكانه
افتحي يا بت! والله لو ما فتحتي لهنكسر الباب فوق دماغك! بتخبي إيه جوه؟
وصوت ستي أم أحمد وهي بتصرخ وتولول في الصالة
شفتي يا فاطمة؟ شفتي البنت اللّي بطنِك شالتها؟ بتتحامى في الغريب وبتسرق شقى أبوها مننا جهارًا نهارًا!
أنا مكنتش سامعة كل الهيصة دي. وداني كانت بتصفر، وقلبي كان بيدق زي الطبلة. قعدت على السرير وظهري ساند على الباب عشان أحميه بجسمي. بإيد بتترعش، فتحت لزق الشمع الأحمر اللي على الشنطة البني وطلعت اللي فيها.
وقع من الشنطة تليفون محمول تاني خالص غير القديم اللي معايا، وكان لسه مشحون ونظيف جداً، وجمبه مفتاح حديد غريب الحجم والشكل، ومعاهم ورق رسمي كتير عليه ختم النسر، وجواب مكتوب بخط إيد أبويا.. خط المدرس المنظم اللي مفيش فيه غلطة.
فتحت الجواب وبدأت أقرا، ودموعي نازلة مغرقة الورق
بنتي وحبيبتي ونور عيني.. هنا.
لو بتقري الجواب ده، يبقى أنا بقيت بين إيدين ربنا. أنا عارف إنك زعلانة مني وشايفاني ضعيف قدام أمك وأهلها. بس أنا مكنتش