مراتي بقت تصرفاتها غريبة جدا

لمحة نيوز

بقسوة ونظرة الشك القديمة رجعت تلمع في عينيها وقالت بصوت حاد ابعدي عني! قولتلك ده ابني.. محمود ابني حبيبي اللي ربنا عوضني بيه عنكم.. إنتوا كنتوا عاوزين تموتوني، لكن هو اللي بيحبني وبيحميني.. متقربوش منه ولا مني!
أنا كنت واقف مكاني مشلول، الكلمات طارت من دماغي. إيمان اللي كانت بتخاف على ولادها من الهوا الطاير، جاية دلوقتي بتنكرهم وبتنسب لنفسها طفل غريب مش عارفين جه منين! مسكت نفسي بالعافية وقربت خطوة، وقولتلها بنبرة هادية خالص عشان متتشنجش يا إيمان يا حبيبتي، حمد الله على سلامتك الأول.. البيت نور بيكي وبولادك اللي كبروا وبقوا رجالة وآنسة قد الدنيا.. مفيش حد هنا عاوز يؤذيكي، إحنا بنحبك.. طب فهميني بس، إزاي محمود ابنك؟ وإنتي غايبة عننا من خمس سنين؟
بصتلي بنظرة كلها غل وتحدي وقالت ابني.. أنا اللي ولدته، وأنا اللي ربيته، وأنا اللي هربت بيه من الناس الأشرار اللي هناك لما حسيت إنهم كمان عاوزين يسرقوه مني ويموتوني.. متسألنيش عن حاجة تاني يا عادل، أنا مش هقولك على أي مكان كنت فيه عشان تروحوا تبلغوا عني وتخلصوا مني!
وسكتت تماماً.. قفلت بوقها ورفضت تنطق بحرف واحد زيادة.
الكابوس اللي ملوش آخر
أيام صعبة مرت علينا بعد رجوعها، كنا عايشين في كابوس حقيقي. إيمان
قفلت على نفسها الأوضة بالجنزير تاني هي والطفل محمود، مبترضاش تاكل أي لقمة من البيت ولا تشرب بوق مية بنعمله، كانت بتستنى لحد ما ننام أو ننزل، وتدخل المطبخ تاخد عيش ناشف أو أي علب مقفولة تاكلها هي والولد. والولد الصغير كان بيصعب عليا جداً، طفل زي الورد، ملهوش أي ذنب، وبقى محبوس معاها في أوضة ضلمة.
كل ما أسألها يا إيمان، الولد ده ابن مين؟ وجبتيه منين؟ وأوراقه فين؟ كانت تصرخ وتصوت وتلم علينا الجيران وتقول الحقوني! عاوزين يسرقوا ابني ويقتلوه!
ولادي بقوا يبكوا بالدموع، بنتي الكبيرة تقولي يا بابا إحنا تعبنا.. ماما رجعت بس كأنها مرجعتش، والطفل ده وراه مصيبة، إحنا خايفين نتمسح في قضية خطف أو حاجة.. اتصرف يا بابا أرجوك.
كلام بنتي كان صح، عقلها المريض صورلها إنها ولدت الطفل ده، أو يمكن من كتر اشتياقها وحالتها الذهانية المتاخرة افتكرت إنه ابنها بجد. بس القانون والشرع ميهزروش في الأنساب، والسكوت على وجود طفل مجهول في البيت جريمة ممكن تودينا كلنا ورا الشمس.
قررت أتحرك بس من غير ما أحسسها بشيء. كلمت صاحبي علاء وهو محامي شاطر ورجل قانون، وحكيتله الحكاية من طقطق للسلام عليكم. علاء قعد يضرب كف على كف وقاللي يا عادل، دي قضية خطف واضحة وضوح الشمس! حتى لو مراتك مريضة
ومش وعيها، القانون مش هيسكت لو أهل الولد ده بلغوا.. لازم نوصل لأصل الحكاية وبسرعة ومن غير ما حد يحس.
رحلة البحث عن الحقيقة
سألت نفسي هي إيمان ممكن تكون راحت فين؟ لما هربت من خمس سنين، مكنش معاها فلوس كتير، والشرطة دورت في كل المستشفيات وأقسام القاهرة والجيزة ومفيش أثر. ده معناه إنها سافرت لمكان بعيد، أرياف أو صعيد، مكان ميكونش فيه تكنولوجيا كتير ولا حد يعرفها.
بدأت أفتش في الهدوم اللي رجعت بيها.. لقيت جلابية قديمة عليها تراب وطين مميز، ولقيت في جيب الجلابية كارت صغير مهلهل ومكتوب عليه بخط اليد الحاجة فاطمة.. تليفون 010........ وجنب الرقم اسم قرية صغيرة تابعة لمركز في محافظة تانية خالص في الدلتا.
قلبي دق بسرعة.. حسيت إن الخيط بدأ يظهر قدامي. أخدت الرقم وطلعت على صاحبي علاء المحامي، وطلبنا من جهة رسمية إنها تحدد لنا مكان وموقع الرقم ده وصاحبه مين بالظبط. وفعلاً، خلال يومين عرفنا إن الرقم لست عجوزة عايشة في قرية ريفية هادية وبسيطة جداً.
سيبت ولادي في البيت ووصيتهم يخلوا بالهم من أمهم والولد، وأخدت علاء المحامي وركبنا العربية وسافرنا للقرية دي.. المسافة كانت حوالي تلات ساعات، وكل خطوة كان قلبي بيتقبض فيها أكتر.
المواجهة والصدمة الكبرى
وصلنا القرية،
وسألنا عن بيت الحاجة فاطمة. الناس هناك كانوا طيبين وبسطاء جداً، ودلونا على بيت قديم مبني بالطوب الأحمر في آخر الشارع. خبطنا على الباب، وفتحت لنا ست عجوزة، وشها كله تجاعيد وطيبة، بس عينيها كانت دبلانة ومكسورة وكأنها بتبكي بقالها سنين.
أول ما شافتني أنا وعلاء استغربت وقالت بصوت مرتعش نعم يا ولادي؟ تاهين عن سكة ولا عاوزين حد؟
دخل علاء في الكلام بكل هدوء وقال مساء الخير يا حاجة فاطمة.. إحنا جايين في موضوع بخصوص الست إيمان.. اللي كانت قاعدة عندك.
أول ما نطقنا اسم إيمان، الست العجوزة اتنفضت من مكانها، ودموعها نزلت زي الشلال، ومسكت في هدومي وهي بتصرخ وبتبكي بنبرة تقطع القلب إيمان؟! إيمان معاكم؟! والنبي قولولي فين محمود؟ حفيدي فين؟ بقالي شهور هموت عليه، قلبي اتكسر والبيت فِضي عليا بعد ما هربت بيه.. والنبي يا ابني قولي إنه بخير!
صوتها وصراخها لم الجيران علينا في ثواني. دخلنا البيت بسرعة وقفلنا الباب عشان نهدّي الست ونفهم منها الحكاية كاملة. قعدت الحاجة فاطمة وهي بتترعش وبتمسح دموعها بطرحتها، وبدأت تحكي المأساة اللي مكنتش على البال
من خمس سنين يا ولادي، لقيت ست غلبانة قاعدة جنب محطة القطار بالليل ومتلقحة في البرد وبتعيط ومنهارة.. صعبت عليا جداً وأنا ست
عايشة لوحدي بعد
تم نسخ الرابط