لمسة صغيرة

لمحة نيوز

لمسة صغيرة من طفلة عمرها 3 سنين... هدت فرح كان المفروض يبقى مثالي!
في الفرح الأسطوري اللي الناس كانت بتتكلم عنه من شهور، محدش افتكر شكل الورد، ولا الأكل الفخم، ولا حتى الخيمة البيضا اللي كانت بتنور تحت الشمس.
الكل افتكر لحظة واحدة بس.
لحظة خلت الضحك يختفي من الوجوه في ثانية.
إوعي تلمسي الطرحة دي بإيدك القذره دى
الصوت شق أوضة تجهيز العروسة كأنه صوت إزاز اتكسر فجأة.
وساعتها...
كل اللي في الأوضة سكت.
بنت صغيرة عندها تلات سنين كانت واقفة في نص المكان، ماسكة طرف الطرحة بإيديها الصغيرة وعينيها مليانة خوف واستغراب.
هي ماكنتش فاهمة يعني إيه دانتيل فرنسي ولا طرحة تمنها آلاف الجنيهات.
لكن كانت فاهمة حاجة واحدة بس...
إن الست اللي لابسة الفستان الأبيض كانت غضبانة منها.
ولأن الأطفال بيفهموا الغضب أسرع من أي حاجة تانية...
بدأت الحقيقة تطلع للنور من أكتر مكان محدش كان يتوقعه
قدامها كانت واقفة داليا منصور بفستان فرحها الأوف وايت، شكلها كامل من بره، لكن جواها كانت بتغلي من العصبية وهي بتحاول تبان شيك وهادية.
الفستان كان مفصل عليها كأنه معمول مخصوص على جسمها بالنحت.
اللولي كان مزين شعرها البني، والمكياج كان متقن بشكل كامل.
بس ابتسامتها كانت اختفت.
ورا البنت الصغيرة، وقفت منى السيد عند باب الأوضة متجمدة مكانها.
الخدامة.
عندها واحد وتلاتين سنة.
لابسة يونيفورم رمادي وجزمة الشغل، وإيديها ريحتها خفيفة من ملمع الليمون وبخار الغسيل.
منى كانت شغالة عند عيلة الشاذلي بقالها خمس سنين، مدة كفاية تخليها تعرف إزاي الأغنيا يقدروا يذلوا حد من غير ما حتى يعَلّوا صوتهم.
بس المرة دي كانت مختلفة.
لأن الطفلة اللي داليا كانت باصة لها بغضب كانت بنت منى.
يا مدام داليا... قالت منى بسرعة وهي بتجري عليها، أنا آسفة جدًا، هي دخلت لوحدها وأنا ماخدتش بالي إنها صحيت.
داليا قربت منها في تلات خطوات سريعة وخطفت الطرحة من إيد سارة الصغيرة.
وقالت وهي رافعة الطرحة قدامها
دي طرحة معمول فيها دانتيل فرنسي يدوي تمنه أكتر من نص مليون جنيه، فاهمة يعني إيه؟ نص مليون جنيه! لو كانت بوظت فيها خيط واحد بس...
همست منى وهي بتضم سارة لحضنها
هي ماكنتش تقصد تعمل حاجة، دي عندها تلات سنين بس... شافت حاجة حلوة فحبت تلمسها.
داليا بصتلها ببطء.
حلوة؟
الطريقة اللي قالت بيها الكلمة خلت الجو أبرد فجأة.
وقالت بهدوء
ده اللي الناس اللي زيكم بتفكر فيه، صح؟ إن الحاجات الجميلة موجودة عشان أي حد يلمسها.
وصيفات العروسة بصوا للأرض.
خبيرة المكياج نزلت عينها على الفرش بتاعتها.
محدش دافع عن البنت.
ومحدش دافع عن منى.
داليا بدأت تفرد الطرحة بإيديها وهي بتبص عليها كأن إيدين سارة الصغيرة سابت عليها بقعة محدش شايفها غيرها.
وقالت
الطرحة دي جاية مخصوص من باريس، واتعملت عشاني أنا. مش لعبة لبنتك.
بنتك.
مش سارة.
ولا الطفلة الصغيرة.
بنتك...
كأن الأمومة نفسها حاجة المفروض منى تعتذر عنها لما تقرب من حاجة غالية.
قالت منى بهدوء
حاضر.

.. هخليها معايا طول الوقت.
ردت داليا
ياريت.
وبعدين، قدام وصيفات العروسة، ومصففين الشعر، والمصور، واتنين من القرايب اللي كانوا واقفين عند الباب، قالت
ولو لقيت خيط واحد بس اتشد أو اتقطع، هخصم تمنه من مرتبك.
منى هزت راسها وسكتت.
شالت سارة وخرجت بيها برا الأوضة وقفلت الباب.
ساعتها بس سندت ضهرها على الحيطة وحاولت تاخد نفسها.
سارة لمست خدها بإيدها الصغيرة وقالت
ماما زعلانة؟
بلعت منى ريقها بصعوبة.
وقالت
لأ يا حبيبتي.
بس الحقيقة إن منى ماكنتش كويسة.
مش عشان داليا أهانتها.
الإهانة كانت حاجة منى اتعلمت تعيش معاها من زمان.
ومش عشان كل اللي في الأوضة بصوا الناحية التانية.
الناس دايمًا بتبص بعيد لما الدفاع عن حد ممكن يكلفها حاجة.
منى ماكنتش كويسة عشان كانت عارفة حاجة محدش في أوضة العروسة دي كلها يعرفها.
كان فيه سر مستخبي جوه الطرحة.
من تلات أسابيع، وهي بتكوي الدانتيل بالبخار في أوضة الغسيل الخاصة، حست بحاجة تقيلة صغيرة متخيطاها جوه طرف الطرحة من تحت.
وخافت وقتها إن داليا تتهمها إنها هي اللي حطتها.
ففتحت الخياطة بحذر شديد.
ولقت جواها جواب متطبق.
مكتوب عليه اسم كريم الشاذلي.
العريس.
كان المفروض منى تقفل الجواب وما تقراش.
بس عينها كانت لمحت سطر واحد بالفعل.
مش هقدر أتجوزك من غير ما أقولك أنا وشريف عملنا إيه.
ودلوقتي، ومع بداية الموسيقى برا، ومع وجود 300 معزوم مستنيين في الجنينة بداية الفرح، بصت منى لوش سارة الخايف...
وفهمت إن أصغر إيدين موجودين في المكان كانوا لسه حالًا بدأوا يكشفو الحقيقه.
الجزء الأول
فضلت منى واقفة في الممر وهي ضامة سارة لصدرها، بينما صوت الموسيقى والضحكات جاي من الجنينة الكبيرة اللي تحت.
الفرح كان أشبه بحفلة أسطورية.
عمال الإضاءة بيجروا يمين وشمال.
المصورين بيجهزوا الكاميرات.
والجميع بيتكلم عن فرح كريم الشاذلي ابن رجل الأعمال المعروف محمود الشاذلي، وداليا منصور بنت رجل الأعمال الكبير فؤاد منصور.
جواز اتكلمت عنه المجلات قبل ما يحصل بشهور.
شراكة بين عيلتين كبار.
وقصة حب الناس كلها كانت فاكرة إنها مثالية.
لكن منى كانت الوحيدة تقريبًا اللي عارفة إن فيه حاجة غلط.
مش عارفة إيه بالضبط...
بس الجواب اللي لقيته جوه الطرحة من تلات أسابيع ماكانش طبيعي.
خصوصًا الجملة اللي قرأتها بالغلط.
مش هقدر أتجوزك من غير ما أقولك أنا وشريف عملنا إيه.
مين شريف؟
وإيه اللي حصل؟
وليه حد يخيط جواب بالشكل ده جوه طرحة الفرح؟
وليه محدش سأل عليه لحد دلوقتي؟
سارة رفعت وشها الصغير وقالت
ماما... الست الجميلة دي بتكرهني؟
قلب منى وجعها.
نزلت لمست شعر بنتها وقالت
لا يا روح ماما... هي بس كانت متوترة.
عشان الفرح؟
آه.
سارة فكرت شوية وبعدين قالت بمنتهى البراءة
طب لما أنا بتوتر مش بزعل حد.
ابتسمت منى رغم الألم اللي جواها.
الأطفال ساعات بيقولوا حاجات أكبر من سنهم بكتير.
وفجأة اتفتح باب أوضة العروسة بعنف.
خرجت واحدة من وصيفات العروسة وهي بتدور حواليها بسرعة.
أول ما شافت
منى قالت
إنتي هنا؟ مدام داليا بتقولك تعالي بسرعة.
اتجمدت منى مكانها.
أنا؟
آه، بسرعة.
دخلت منى أوضة العروسة وهي شايلة سارة.
داليا كانت واقفة قدام المراية.
شكلها هادي...
لكن عينيها كانوا بيقولوا العكس تمامًا.
قالت وهي من غير ما تبص لمنى
الطرحة.
نعم؟
خديها على أوضة الكوي بسرعة واتأكدي إنها سليمة قبل الزفة.
مدت لها الطرحة بحذر شديد كأنها بتسلم قطعة أثرية.
منى أخدتها وسكتت.
لكن قبل ما تخرج سمعت داليا بتقول
وأرجوك خلي بنتك بعيد عن أي حاجة تخص الفرح.
هزت منى راسها وخرجت.
في أوضة الكوي الصغيرة، قفلت الباب وبدأت تفرد الطرحة على الترابيزة الكبيرة.
إيديها كانت بتتحرك بهدوء.
لكن قلبها كان بيدق أسرع من الطبيعي.
عينها راحت تلقائيًا للمكان اللي كانت لقت فيه الجواب.
الخياطة كانت زي ما هي.
مقفولة بإتقان.
وفجأة...
لاحظت حاجة غريبة.
الخيط كان مفتوح مرة تانية.
اتسعت عينيها.
قربت أكتر.
المكان اللي كان فيه الجواب بقى فاضي.
الجواب اختفى.
وقبل ما تستوعب اللي حصل...
سمعت صوت وراها
كنت متأكد إن حد هيرجع يدور عليه.
لفت بسرعة.
كان واقف عند الباب.
شاب طويل في أوائل التلاتينات.
بدلة سوداء أنيقة.
ونظرة هادية بشكل غريب.
عرفته فورًا.
شريف الشاذلي.
أخو العريس الأكبر.
والاسم اللي كان مكتوب في الجواب.
إيديها بردت فجأة.
قال بهدوء
متقلقيش... أنا مش جاي أعمل مشكلة.
فضلت ساكتة.
قرب خطوة وقال
أنا بس عايز أعرف... إنتي قريتي منه حاجة؟
بلعت ريقها وقالت
لا.
بصلها ثواني طويلة.
واضح إنه بيحاول يعرف إذا كانت بتقول الحقيقة ولا لأ.
ثم سأل
متأكدة؟
ترددت لحظة.
ثم قالت
شفت جملة واحدة بس.
ملامحه اتغيرت للحظة.
إيه هي؟
مش هقدر أتجوزك من غير ما أقولك أنا وشريف عملنا إيه.
ساد الصمت.
لثواني طويلة.
ثم تنهد شريف ببطء.
وقال
كنت متوقع.
رفعت منى عينيها نحوه.
هو فيه مشكلة؟
سكت شوية.
وبعدين قال
فيه حقيقة قديمة كان لازم تتقال من زمان.
حقيقة إيه؟
قبل ما يرد...
رن تليفونه.
بص للشاشة واتغير وشه فجأة.
رد بسرعة
إيه؟
وسكت يسمع.
ثم قال بصدمة
إزاي اختفى؟!
قفلت المكالمة.
رفع عينه لمنى.
الجواب مش ضاع.
أمال؟
اتسرق.
مين يسرق جواب قديم؟
رد بهدوء
اللي خايف من اللي مكتوب فيه.
في نفس اللحظة دوى صوت الموسيقى في الجنينة معلن بداية وصول العريس.
الناس بدأت تصقف.
الزغاريد عليت.
والفرح بدأ رسميًا.
لكن شريف كان واقف مكانه وكأنه نسي إن أخوه الصغير بيتجوز بعد دقائق.
سألته منى
هو كريم يعرف بالجواب؟
هز راسه بالنفي.
لأ.
وداليا؟
معرفش.
ثم أضاف
بس اللي أعرفه إن لو الجواب وقع في الإيد الغلط، الفرح ده ممكن يخلص قبل ما يبدأ.
في الخارج كانت الألعاب النارية بتملأ السما.
أما في الداخل...
فكانت بداية العاصفة الحقيقية.
بعد نص ساعة كانت الزفة بدأت.
كريم الشاذلي دخل وسط التصفيق.
كان شاب هادي الملامح.
واضح عليه الاحترام والهدوء.
مش شبه الصورة المعتادة لأولاد رجال الأعمال المتكبرين.
ابتسم لكل اللي حواليه.
وسلم على العاملين بنفس الطريقة
اللي سلم بيها على كبار الضيوف.
حتى لما شاف منى واقفة بعيد قال لها
مساء الخير يا مدام منى.
ابتسمت بخجل
مساء النور يا أستاذ كريم.
انحنى لسارة وقال
والأميرة الصغيرة عاملة إيه؟
ضحكت سارة
كويسة.
أكلتي التورتة؟
لسه.
ابتسم
يبقى لازم تاخدي أكبر قطعة.
راقبت منى المشهد بصمت.
كان صعب تصدق إن فيه سر خطير متعلق بالشخص الهادي اللي واقف قدامها ده.
وفجأة ظهر شريف.
وقف جنب أخوه وقال
محتاج أكلمك بعد الفرح.
ضحك كريم
واضح إن الموضوع مهم.
مهم جدًا.
كريم بص له باستغراب
خير؟
شريف تردد.
ثم قال
بعد الفرح.
هز كريم كتفه مبتسمًا.
زي ما تحب.
لكن منى لاحظت حاجة.
شريف كان قلقان بشكل واضح.
وكريم بدأ يلاحظ ده هو كمان.
بعد بداية الحفل بساعة تقريبًا...
كانت سارة بتجري في الجنينة الواسعة وهي بتضحك.
لحد ما وقفت فجأة قدام واحد من أحواض الزهور الكبيرة.
انحنت على الأرض.
ولقت حاجة تحت الكرسي الأبيض اللي جنبه.
ورقة متطبقة.
رفعتها بإيديها الصغيرة.
وجرت ناحية أمها.
ماما بصي.
فتحت منى الورقة.
واتجمدت.
كان هو الجواب.
الجواب نفسه.
نفس الخط.
نفس الظرف.
رفعت عينيها بسرعة تدور حواليها.
مين حطه هنا؟
ومين كان عايز يوصله؟
وليه اتساب في مكان طفلة صغيرة هي اللي تلاقيه؟
فتحت الظرف ببطء.
المرة دي قررت تعرف الحقيقة كاملة.
الورقة كانت قصيرة.
لكن كل سطر فيها كان أثقل من اللي قبله.
داليا...
قبل ما نبني حياتنا الجديدة لازم تعرفي الحقيقة كاملة.
من سبع سنين أنا وشريف اتسببنا من غير قصد في حادث عربية لرجل كان راجع مع بنته الصغيرة.
الراجل توفى بعدها بأيام.
ومن وقتها وإحنا بندور على البنت عشان نعوضها ونعتذر لها.
لكننا عمرنا ما عرفنا نوصل لها.
مش هقدر أبدأ حياتي معاكي وأنا مخبي حاجة زي دي.
كريم.
فضلت منى واقفة مكانها.
مصدومة.
حادث؟
وفاة؟
وبنت صغيرة اختفت؟
لكن ده مش سر خيانة.
ولا جريمة مقصودة.
ده ذنب قديم بيحاول صاحبه يصلحه.
رفعت عينيها ناحية كريم اللي كان واقف بعيد بيضحك مع الضيوف.
شكل إنسان شايل حمل كبير لوحده.
وفجأة سمعت صوت وراها
إنتي قريتيه؟
لفت بسرعة.
كانت داليا.
واقفة قدامها مباشرة.
وعينيها ثابتة على الجواب اللي في إيدها.
انقطع نفس منى للحظة.
وقالت بهدوء
أنا...
مدت داليا إيدها.
هاتي.
ناولتها الجواب.
فتحته بسرعة.
بدأت تقرأ.
ومع كل سطر...
كانت ملامحها بتتغير.
ولما وصلت للنهاية...
رفعت عينيها ناحية كريم البعيد.
لكن الغريب...
إنها ما غضبتش.
ولا صرخت.
ولا انهارت.
بل قالت بهدوء شديد
عشان كده كان مصمم يقولي الحقيقة.
بصتلها منى باستغراب.
ابتسمت داليا ابتسامة صغيرة لأول مرة من بداية اليوم.
وقالت
أنا كنت فاكرة إنه بيخبي حاجة أسوأ بكتير.
ثم سكتت لحظة.
وأضافت
بس فيه سؤال أهم.
إيه هو؟
مين اللي سرق الجواب وحاول يخفيه؟
سكتت منى.
لأن السؤال نفسه كان بيلف في دماغها.
وفي نفس اللحظة...
كان فيه شخص واقف بعيد وسط المعازيم.
بيراقبهم.
وعينه على الجواب.
وكأن الحقيقة لسه ما بدأتش تظهر أصلًا...
الجزء الثاني
فضلت
داليا ماسكة الجواب بإيديها وهي باصة بعيد ناحية كريم.
الضيوف كانوا بيضحكوا.
الموسيقى كانت شغالة.
والألعاب النارية كانت بتنور السما.
لكن بالنسبة لها...
كل الأصوات دي بقت بعيدة جدًا.
قالت منى بهدوء
تحبي أندهلك أستاذ كريم؟
داليا هزت راسها بالنفي.
لأ.
بصتلها منى باستغراب.
فقالت داليا
الراجل كتب الجواب ده عشان يقولي الحقيقة بنفسه...
 

تم نسخ الرابط