بعد ساعتين من ولادة ينتي
بعد ساعتين بالظبط من ولادة بنتي، كنت باصة لجوزي ومستنياه يشيلها ويفرح بيها.. بدل ما يعمل كده، قرب مني وهمس في ودني
أنا مش هأمضي على أي ورق يخص البنت دي.
ما عيطتش...
ولا اتخانقت...
كل اللي عملته إني بصيت للحظة لغويشة المستشفى البلاستيك اللي في إيد بنتي الصغيرة، وهمست له
يبقى تفتكر اللحظة دي كويس.
تاني يوم الصبح، رجع تاني وكان عايز يشوفنا، بس الفايل اللي كان محطوط على الترابيزة جنب سريري كان خلاص غيّر كل حاجة.
أوضة المستشفى كانت منورة بنور الصبح الهادي، وبنتي نايمة على صدري، متغطية ببطانية بيضا صغيرة، ووشها البريء كان كفاية يخليني أنسى وجع الولادة كله.
طارق كان واقف عند الشباك، لابس بدلته الغالية، وإيده في جيبه، لكن وشه مكنش فيه أي ملامح للفرحة اللي كنت مستنياها.
الراجل ده فضل معايا طول ساعات الولادة، كان بيشد على إيدي، ويطمني، ويقول لكل اللي يقابله إنه مستني اللحظة اللي يشوف فيها بنته.
لكن أول ما الممرضة خرجت وسابتنا لوحدنا...
كل حاجة اتغيرت.
همست له
هاتها... شيل بنتك.
لف ناحيتي ببطء وقال
يسرا... لازم تعرفي الحقيقة.
قلبي دق بسرعة.
افتكرت الدكتور قال حاجة؟
البنت تعبانة؟
في مشكلة صحية؟
لكنه قال حاجة عمرها ما خطرت على بالي.
أنا اكتشفت من أسبوع إن أبويا كتب كل أملاك العيلة باسم حفيده الولد الوحيد.
بصيت له باستغراب.
يعني إيه؟
قال وهو بيتجنب يبص في عيني
أخويا الكبير توفى من سنتين، لكنه كان سايب ولد صغير... وأبويا قرر إن كل الشركات والعقارات تفضل في خط الولاد الذكور. ولو اعترفنا رسميًا ببنتنا دلوقتي... هيعرفوا إن مفيش ولد هيكمل اسم العيلة، وهيضغطوا عليا أتجوز تاني.
الكلمة الأخيرة وقفت الزمن.
اتجوز تاني؟
قلت بهدوء
وده ذنبي أنا؟
سكت.
ولما سكت... فهمت إن السكوت أخطر من أي إجابة.
كمل
أنا مش هطلقك... لكن لازم الموضوع يفضل بعيد عنهم شوية. مش هأمضي شهادة الميلاد دلوقتي.
بصيت
ولا هي فاهمة يعني إيه ورث...
ولا فاهمة يعني إيه اسم عيلة...
قلت
وأنت مستعد تحرمها من حقها؟
رد بسرعة
ده مؤقت.
ابتسمت ابتسامة صغيرة.
الحقوق اللي بتتأجل... ساعات مبتترجعش.
خرج من الأوضة وهو متوتر، وبعد دقائق سمعته بيتكلم في التليفون.
أيوه يا بابا... لسه ممضتش.
وسكت شوية.
أنا هتصرف.
قفلت عيني.
الكلام ده أكدلي إن القرار مش طالع منه لوحده.
بعدها بساعتين وصلت أختي هند.
أول ما دخلت، شافت وشي، ومقالتش ولا سؤال.
شالت مريم بحنان وقالت
محتاجة مني إيه؟
قلت لها كل اللي حصل.
هند ملامحها متغيرتش، لكنها طلعت نفس طويل وقالت
يبقى من النهارده هنحسب كل خطوة.
في نص الليل، والمستشفى كلها هادية، تليفوني رن.
الاسم اللي ظهر على الشاشة خلاني أستغرب.
سلوى مهران.
محامية عمي رأفت.
كانت بتحاول تكلمني من أكتر من أسبوع، وأنا كل مرة أقول أكلمها بعد الولادة.
رديت.
قالت بهدوء
ألف مبروك يا يسرا... وأعتذر على الإزعاج، لكن لازم أشوفك في أقرب وقت.
قلت
خير؟
قالت
عمك رأفت قبل وفاته ساب فايل أمانة مخصوص باسمك، ووصاني ميتفتحش غير بعد ولادة أول طفل ليكي.
اتعدلت في السرير.
فايل أمانة؟
قالت
وفيه مستندات لو خرجت للنور... هتغير حاجات كبيرة جدًا داخل مجموعة شركات عيلة جوزك.
سكت ثواني.
وبعدين قالت جملة خلت قلبي يدق بعنف
واضح إن في ناس حاولت تمنع الفايل ده يوصل لك... لكن دلوقتي بقى حقك تعرفي كل الحقيقة.
وفي نفس اللحظة...
باب أوضة المستشفى اتفتح ببطء.
ودخل والد طارق... وهو باصص مباشرة على الفايل اللي كان في إيد سلوى اتجمدت الأوضة كلها في لحظة.
حسين، والد طارق، وقف عند الباب بثبات، وعلى وشه نفس الملامح الجامدة اللي عمرها ما كانت بتكشف هو بيفكر في إيه.
بص الأول على مريم وهي نايمة.
وبعدين حول نظره للفايل اللي كانت سلوى ماسكاه.
وقال بهدوء محسوب
واضح إن الفايل وصل لصاحبته.
سلوى قامت من مكانها، وقفلت
وده حقها.
ابتسم ابتسامة خفيفة مفيهاش أي دفء.
أنا مجتش آخده... جئت أتكلم.
هند وقفت قدامه فورًا.
الكلام يبقى في وجودنا كلنا.
هز رأسه وقال
معنديش مانع.
قرب من السرير مسافة بسيطة، لكنه ما حاولش يقرب من الطفلة.
قال وهو باصص ليسرا
أنا عرفت إن طارق رفض يمضي شهادة الميلاد.
يسرا ردت من غير خوف
وأنت كنت عارف قبل ما يعملها؟
سكت ثانيتين...
وقال
أنا اللي طلبت منه يستنى.
الأوضة سكتت.
حتى جهاز قياس النبض كان صوته أوضح من أي كلمة.
قالت هند بعصبية
يعني حضرتك السبب؟
رد بمنتهى الهدوء
السبب أكبر من اللي أنتم متخيلينه.
سلوى فتحت الفايل قدامها وقالت
وده بالضبط اللي جيت أوضحه.
طلعت أول مستند.
كان عقد شراكة قديم عليه توقيع عمي رأفت، وتوقيع حسين، وتوقيع شريك ثالث.
العقد كان راجع لأكتر من خمسة وعشرين سنة.
قالت سلوى
زمان، قبل ما مجموعة الشركات تكبر، كان عم يسرا شريك أساسي بنسبة كبيرة، لكن قبل وفاته بسنين تنازل عن الإدارة فقط... مش عن الملكية.
حسين قاطعها
كملي.
قالت
بعد مراجعة كل الأوراق، اتضح إن نسبة عم رأفت ما زالت قائمة قانونًا، وانتقلت بالكامل للوريث الوحيد المذكور في الوصية.
يسرا سألت باستغراب
الوريث الوحيد... مين؟
سلوى بصتلها وقالت
أنتِ.
حسين ملامحه متحركتش.
كأنه كان عارف الإجابة من زمان.
أما هند فشهقت.
يعني يسرا شريكة في الشركات؟
سلوى هزت رأسها.
مش مجرد شريكة... النسبة دي تخلي أي قرار كبير داخل المجموعة لازم يمر بموافقتها.
يسرا كانت لسه مستوعبتش.
إزاي وأنا معرفش؟
قالت سلوى
لأن عمك اشترط إنك تعرفي الحقيقة بعد ما يبقى عندك طفل.
ليه؟
لأنه كان مقتنع إن ساعتها بس هتكوني مستعدة تتحملي المسؤولية، ومحدش يقدر يضغط عليك.
في اللحظة دي...
دخل طارق الأوضة بسرعة.
أول ما شاف أبوه وسلوى والفايل مفتوح، عرف إن في حاجة خرجت عن سيطرته.
قال بقلق
إيه اللي بيحصل؟
حسين بصله وقال
الحقيقة
طارق قرب من الترابيزة، وشاف المستندات.
وشه اتغير.
إزاي... الفايل ده اتفتح؟
سلوى ردت
طبقًا لوصية الأستاذ رأفت.
طارق بص ليسرا.
كانت أول مرة يحس إنها مش الست الهادية اللي كان فاكر إنه يقدر يقنعها بأي قرار.
قال بصوت أهدى
يسرا... خلينا نتكلم لوحدنا.
ردت بثبات
أي كلام هيكون قدام الكل.
وقبل ما ينطق بحرف...
رن موبايل حسين.
بص للشاشة، واتغيرت ملامحه لأول مرة.
قفل المكالمة من غير ما يرد.
لكن بعد ثواني وصلتله رسالة.
قرأها...
ورفع عينه ناحية طارق.
وقال جملة خلت الصمت يملأ الأوضة كلها
واضح إن حد بدأ يفتش في ملفات الشركة القديمة... والوقت بقى أضيق مما كنا متوقعين الكلمات وقعت في الأوضة كأنها إنذار.
طارق اتلفت بسرعة ناحية أبوه.
مين بيفتش؟
حسين مردش على طول.
بص لسلوى، وكأنه بيقيس هي هتقول إيه قبل ما يتكلم.
لكن سلوى كانت أهدى واحد في المكان.
قفلت الفايل، وقالت
السؤال الأهم... مين بيدور، وليه بيدور دلوقتي؟
هند عقدت دراعاتها.
هو إحنا داخلين على مصيبة جديدة؟
حسين أخيرًا اتكلم
من أسبوع، في حد حاول يدخل أرشيف الشركة بالليل، وسأل عن ملفات الشراكة القديمة.
يسرا سألت
ولقى حاجة؟
هز رأسه.
لا... لأن النسخة الأصلية كانت عند الأستاذ رأفت، والنسخة التانية مع المحامية سلوى.
طارق قال بسرعة
يبقى خلاص... الموضوع انتهى.
سلوى بصتله مباشرة.
بالعكس... ده لسه بدأ.
كل الأنظار راحت لها.
قالت
اللي بيدور على الورق ده، مش بيدور عليه بدافع الفضول. هو عارف إن فيه مستند واحد لو ظهر، هيغير نسب الملكية في المجموعة كلها.
يسرا سألت بهدوء
وهو موجود في الفايل؟
سلوى سكتت لحظة.
لا.
اتصدموا كلهم.
إزاي؟
قالت
عمك رأفت كان ذكي جدًا. قسم المستندات على أكتر من مكان، وكتب في الوصية إن آخر ورقة متتسلمش غير لما أتأكد إنك استلمت الفايل بنفسك.
طارق قرب خطوة.
يعني لسه في ورقة ناقصة؟
أيوه.
وفين؟
ابتسمت ابتسامة
مع الشخص الوحيد اللي يعرف مكانها.
قبل ما حد يسأل مين...
خبطات هادية اتسمعت على باب الأوضة.
دخل راجل كبير في السن، شعره كله أبيض، ولابس بدلة بسيطة.
أول ما حسين شافه، وقف من