الساعه ٣ الفجر

الساعه ٣ الفجر صافي هاني

لمحة نيوز

على الساعة 3 الفجر، جوزي هجم على أوضة النوم وزعق بعلو صوته قومي يا فاشلة يا اللي ما منكيش فايدة!، وأمه واقفة على الباب بتضحك وتتشفى. كانوا فاكرين إني ميتة في جِلدي ومستحيل أقاوم. بس بعد كام ساعة، دخلت قسم الشرطة ومعايا أدلة عمرهم ما يتخيلوا إنها موجودة، واللي حصل بعد كده كلفهم كل حاجة يملكوها.
على الساعة 3 وسبع دقائق بالضبط، طارق شد من عليا الغطا وقومني بالعافية من السرير. وقبل ما أصلب طولي، اتكعبلت في حرف السرير وكنت هقع، وحماتي ميرفت واقفة عند الباب ومربعة إيدها وبتضحك.
قومي يا فاشلة يا اللي ما منكيش فايدة! طارق زعق في وشي.
الوجع طعن في جسمي، بس رفضت أستعطفه أو أترجاه. الاستعطاف ده كان بيكيفه زمان ويفرحه فيا. بدل ما أتكلم، ثبت عيني على النور الأزرق الصغير اللي عمال يرعش في جهاز إنذار الحريق اللي في السقف، وافتركت إن الكاميرا المستخبية جواه بتسجل وتلقط كل لقطة.
حماتي ميرفت كانت لامة دراعاتها فوق الروب الستان بتاعها وقالت بشماتة يمكن دلوقتي تتعلمي وتعرفي مين أصحاب البيت ده ومين أسياده.
البيت ده أصلاً بتاع أبويا الله يرحمه.
بس هما قعدوا سنتين يحوروا ويقنعوا الطوب الأرض بعكس كده.
بعد ما أبويا مات، الحزن كسرني وعماني. طارق دخل في الدور وعاش في ثوب الزوج المخلص الحنين، وبقى هو اللي بيخلص الأوراق، ويدفع الفواتير، وماسك شركة المقاولات وبناء البيوت بتاعة العيلة، وأنا كنت غرقانة في همي ومش بنام. وحماتي ميرفت نقلت حاجتها في أوضة الضيوف وقال إيه قعدة مؤقتة عشان تؤنسني وما مشيتش بعدها خالص. في خلال شهور، وبقوا يعاملوني مش كفرد من العيلة، لأ، كأنني خدامة تحت أمرهم ومجبرة أسمع الكلام.
بس اللي هما ميعرفهوش، إني بطلت المهدئات والأدوية اللي كانوا بيمشوني عليها من ست أسابيع.
حكايات_صافي_هاني
حصري
أنا قبل ما أتجوز كنت محاسبة قانونية شاطرة في كشف النصب والاختلاس. الأرقام دي هي اللغة الوحيدة اللي بثق فيها لما البني آدمين بيكدبوا. وفي الوقت اللي طارق كان فاكرني فيه منتهية ومكسورة ومش هلاحظ حاجة، كنت أنا بنبش وراه وكشفت كل التحويلات اللي من تحت لترابيزة، وفواتير الموردين المضروبة، وتزوير إمضتي اللي مكنه من التحكم في مجلس إدارة شركة أبويا. قريب من 200 مليون جنيه اتهربوا واتحولو لحسابات باسم ميرفت.
نسخت كل الورق والمستندات دي.
وبعدها زرعت الكاميرات.
في الليلة دي، طارق رمى عليا العباية بتاعتي وقال بنتر انزلي نظفي مكتب الدور الأرضي روقيه، المستثمرين جايين الساعة 8 الصبح.
ميرفت ابتسمت بخبث وقالت وداري وشك ده، شكلك يسد النفس.
قمت براحة خالص، وعملت نفسي دايخة ومش قادرة أصلب طولي. دخلت الحمام وقفلت الباب، وسندت نفسي بالعافية، ورفعت الفيديو كله على فايل مشفر مبعوث لمحاميتي إيمان رضوان.
حصري
حكايات_صافي_هاني
لأول مرة من يوم عزا أبويا، الخوف اتمسح

من قلبي. عقلي كان صاحي ومركز في كل صوت، وكل قرار، وكل خطوة مشيتها ناحية الباب في الليلة دي.
وبعدها اتسحبت وخرجت من شباك المنشر في المطبخ.
حافية القدمين، وبالبيجامة تحت العباية، مشيت في البرد يجي تلات شوارع لحد ما سواق أتوبيس هيئة نقل عام في الوردية الليلية وقفلي وصعبت عليه. وأول ما وصلت قسم الشرطة، نطقت جملة واحدة بس
جوزي متبلي عليا ومبهدلني، ومعايا الدليل.
الدنيا لفت بيا، ومفقتش غير وأنا في سرير المستشفى، وفي أمين شرطة واقف برا، وإيمان المحامية قاعدة جمبي وماسكة إيدي.
قالتلي انتي في أمان خلاص.
همستلها وقلت لأ.. لسه.
إيمان قربت مني أوي عشان تسمعني.
بصيت في الساعة، وبعدين بصيت على الفلاشة اللي فيها كل الأدلة والورق اللي كنت شايلاها معايا.
قلت لها وقفي حسابات الشركة فوراً.. وبلاش البلاغ يتقدم دلوقتي، ومتقبضوش عليهم حالا.
عينيها لمعت بذكاء وقالت ناوية على إيه؟
بصيت للفلاشة وأخدت نفس طويل وقلت
هسيبهم يسرقوا حاجة تانية أخيرة.. عشان توديهم ورا الشمس.
حكايات_صافي_هاني
كانت إيمان بتبصلي بثبات، وبعد لحظة صمت قالت
يعني انتي متأكدة إنهم هيعملوا حركة تانية؟
هزيت راسي وأنا باصة للسقف.
الناس اللي نجحت تسرق 200 مليون... عمرها ما هتقف قبل ما تاخد آخر جنيه.
خرجت إيمان من الأوضة بعد ما كلمت حد في التليفون بصوت واطي، وبعد أقل من ساعة دخل ظابط المباحث.
حط ملف قدامي وقال بهدوء إحنا نقدر نتحرك دلوقتي.
ابتسمت لأول مرة من شهور.
لو اتحركتوا دلوقتي، هيقولوا إن كل اللي عندي ادعاءات. لكن لو استنيتوا شوية... هيغلطوا بنفسهم.
الظابط سكت ثواني، وبعدها قفل الملف وقال واضح إنك عاملة حساب كل خطوة.
رديت من ست أسابيع وأنا بعد كل إهانة بكتب التاريخ والساعة... وكل كلمة قالوها متسجلة.
...
في نفس الوقت، كان طارق رايح الشركة وهو متأكد إن خطته ماشية زي ما رسمها.
وقف قدام الموظفين وقال بثقة من النهارده أي توقيع يخص الشركة هيتم عن طريقي أنا.
بعض الموظفين بصوا لبعض باستغراب، لأنهم عارفين إن القرار ده محتاج موافقة المالكة الأصلية.
لكن محدش اتكلم.
وفي آخر المكتب، كان عم سعيد المخزنجي القديم، راجل شغال مع أبويا من أكتر من خمسة وعشرين سنة، واقف ساكت.
خرج موبايله في هدوء، وبعت رسالة قصيرة جدًا.
الاجتماع بدأ.
وصلت الرسالة لموبايل إيمان.
ابتسمت وهي ورّتني الشاشة.
واضح إن الراجل اللي قولتيلي عليه لسه وفيّ لوالدك.
قلت وأنا بضم إيديا أبويا كان بيقول إن الإنسان الأمين أغلى من أي خزنة.
بعدها بدقائق، طارق دخل مكتب الإدارة وفتح الخزنة الحديد.
طلع منها ملف أزرق كبير، وبدأ يراجع أوراق وهو بيتمتم
آخر خطوة... وبعدها كل حاجة هتبقى باسمي.
لكن اللي ماكنش يعرفه...
إن الملف نفسه كان متبدل من يومين، وإن كل ورقة هيلمسها من اللحظة دي هتثبت بنفسها إنه هو اللي بيتصرف في مستندات ما يملكهاش.

وفي اللحظة اللي مد فيها إيده للقلم...
رن تليفونه.
بص للشاشة، واتغير لون وشه فجأة.
المتصل كان شخصًا لم يكن يتوقع أن يتصل به في هذا التوقيت...طارق بص للشاشة ثانيتين كاملين قبل ما يرد.
بلع ريقه وضغط على زر الإجابة.
أيوه...
جاله صوت خشن قال باقتضاب
متتحركش من مكتبك... في حاجة لازم تعرفها.
طارق اتوتر، وبص حواليه يتأكد إن الباب مقفول.
خير؟
المدير المالي القديم جه الشركة الصبح، وسأل على ملفات سنة كاملة.
وش طارق اصفر.
هو مش كان سافر؟
رجع من غير ما يبلغ حد.
قفل المكالمة بسرعة، وفتح درج مكتبه بعصبية، وطلع مفتاح صغير، وجرى على غرفة الأرشيف.
أول ما فتح الباب، وقف مكانه.
الدولاب الحديد كان مقفول... لكن ترتيب الملفات اتغير.
حد دخل هنا.
فضل يقلب الملفات واحدة واحدة وهو بيتنفس بسرعة، لحد ما طلع الملف اللي بيدور عليه.
فتحه...
ولقى الأوراق كلها موجودة.
اتنهد براحة.
الحمد لله...
لكن أول ما قلب الصفحة الأخيرة، لقى ورقة بيضا مطوية.
فتحها باستغراب.
مكتوب فيها بخط واضح
مش كل حاجة بتستخبى في الدولاب.
إيده بدأت ترتعش.
بص حواليه وهو حاسس إن حد بيراقبه.
خرج من الأرشيف بسرعة، ونادى بأعلى صوته
مين دخل هنا؟
الموظفين بصوا لبعض باستغراب.
الكل أنكر.
وفي آخر الممر، كان عم سعيد بيكنس الأرض بهدوء، كأنه ما سمعش أي حاجة.
...
في المستشفى، إيمان دخلت أوضتي وهي ماسكة لابتوب.
ابتسمت وقالت
زي ما توقعتي... بدأوا يتصرفوا بعشوائية.
فتحت اللابتوب قدامي.
كانت كاميرات الشركة بتسجل كل حركة.
طارق وهو بيفتح الخزنة.
وهو داخل الأرشيف.
وهو بيقلب الملفات بعصبية.
قلت بهدوء
الخوف أول خطوة في سقوط أي حد.
إيمان هزت رأسها.
بس لسه في حاجة ناقصة.
رفعت عيني لها.
إيه هي؟
قالت بصوت منخفض
الحساب اللي بيتحول عليه الفلوس... لحد دلوقتي محدش عرف صاحبه الحقيقي.
وقبل ما أرد...
رن هاتف إيمان.
بصت للاسم، واتبدلت ملامحها فجأة.
ردت بسرعة، وفضلت ساكتة وهي بتسمع.
بعد ثوانٍ قالت
إزاي؟!... إمتى حصل ده؟
قفلت المكالمة، وبصتلي.
أول كلمة قالتها كانت
طارق خرج من الشركة... ورايح على مكان محدش فينا كان متوقعه اتعدلت في السرير رغم الألم، وقلت بسرعة
راح فين؟
إيمان أخدت نفسًا عميقًا وقالت
راح فرع البنك اللي برّه القاهرة... الفرع اللي والدك كان محتفظ فيه بملفات الضمانات القديمة.
غمضت عيني لحظة.
يبقى عرف إن في حاجة ناقصة.
قالت إيمان الغريب إنه خرج لوحده، حتى والدته ميرفت ما كانتش معاه.
ابتسمت ابتسامة خفيفة.
لأ... هي مش بعيدة. ميرفت عمرها ما بتسيبه في خطوة كبيرة.
وفعلًا...
بعد أقل من عشر دقائق، رن تليفون أحد أفراد المتابعة.
قال بصوت منخفض
أكدنا... الست ميرفت وصلت البنك من باب تاني.
إيمان بصتلي وقالت
زي ما قولتي.
رديت بهدوء
هما فاكرين إنهم بيلموا آخر الخيوط... لكن الحقيقة إنهم بيكشفوا كل حاجة بإيديهم.
...

داخل البنك...
طارق وقف قدام موظف الخزائن وقال بتوتر
عايز أفتح الخزنة الخاصة بالشركة.
الموظف راجع البيانات على الكمبيوتر، ثم رفع رأسه وقال
حضرتك محتاج حضور المالكة أو توكيل ساري.
طارق حاول يحافظ على هدوئه.
أنا المدير التنفيذي.
الموظف هز رأسه باعتذار.
التعليمات اتغيرت من أسبوع.
ملامح طارق اتبدلت.
اتغيرت بإذن مين؟
الموظف ضغط زرًا صغيرًا واستدعى مدير الفرع.
بعد دقائق، خرج المدير وهو يحمل ملفًا رفيعًا.
قال بهدوء
وصلنا إخطار قانوني بوقف أي تعامل على الأصول لحين مراجعة بعض المستندات.
ضغط طارق على أسنانه.
مين اللي بعت الإخطار؟
ابتسم المدير ابتسامة رسمية.
للأسف، مقدرش أفصح عن بيانات مقدّم الطلب.
في اللحظة دي، دخلت ميرفت مسرعة.
قربت من طارق وهمست بانفعال
لازم نمشي... حالًا.
استغرب.
ليه؟
قالت وهي بتحاول تخفي ارتباكها
فيه حد بيسأل عن ملفات الشركة برّه.
طارق لف بسرعة ناحية الباب الزجاجي.
لكن الشخص كان اختفى.
كل اللي شافه...
ظل راجل واقف على الرصيف المقابل، لابس قبعة ونظارة سوداء، وما إن رفع طارق عينه ناحيته...
استدار بهدوء، وركب سيارة سوداء انطلقت في ثوانٍ.
طارق فضل واقف مكانه، وقلبه بيدق بعنف.
لأول مرة... بدأ يحس إن في حد بيسبقه بخطوة في كل مرة.
أما أنا، فكنت أنظر إلى شاشة هاتفي في المستشفى، وعندما وصلتني صورة السيارة السوداء، ابتسمت وقلت لإيمان
تمام... المرحلة التانية بدأت.
إيمان عقدت حاجبيها وسألت
هو الشخص ده... من طرفك؟
اكتفيت بالنظر إلى الصورة، ثم قلت بهدوء
لسه بدري تعرفي... لأن اللي هيحصل بعد كده، هيخلي طارق يشك حتى في أقرب الناس ليه إيمان بصتلي باستغراب.
يعني حتى أنا مش هتعرف؟
ابتسمت بهدوء.
كل ما الناس تعرف تفاصيل أكتر... الخطة تبقى أضعف. كل واحد يعرف الجزء اللي يخصه وبس.
هزت رأسها باقتناع، وقفلت اللابتوب.
في اللحظة دي، دخل أمين الشرطة وقال
فيه ناس بره المستشفى بيسألوا إذا كانت المدام خرجت ولا لسه.
إيمان ردت بسرعة
مين؟
واحدة ست كبيرة، ومعاها راجل.
بصيت لإيمان وقلت
ميرفت وطارق.
أمين الشرطة استغرب.
إنتي عرفتي منين؟
ابتسمت ابتسامة خفيفة.
لأنهم عمرهم ما بيسيبو حاجة من غير ما يتأكدوا بنفسهم.
إيمان قامت على طول.
هنبلغ الأمن.
لكن وقفتها بإشارة من إيدي.
سيبيهم.
بصتلي بدهشة.
سيبهم؟
آه... خليهم يشوفوا الأوضة فاضية.
إيمان فهمت المقصود بسرعة.
خرجت مع أمين الشرطة، وبعد دقائق رجعت وهي مبتسمة.
زي ما توقعتي... أول ما لقوا الأوضة فاضية، طارق فقد أعصابه.
سألتها
عمل إيه؟
كان بيزعق ويقول مستحيل تختفي... دوروا عليها.
غمضت عيني وقلت
يبقى ابتدى يخاف.
...
في نفس الوقت...
رجع طارق البيت وهو في قمة عصبيته.
فتح باب المكتب بعنف، فلقى ميرفت مستنياه.
قالت بقلق
ها؟
ضرب المكتب بإيده.
البنك وقف كل الإجراءات.
ميرفت شهقت.
إزاي؟
حد سبقنا.
سكتت لحظة، ثم
قالت
طيب... والأوراق اللي في الخزنة الصغيرة؟
طارق بص حواليه، واتأكد إن محدش سامع.
هننقلها الليلة.
ميرفت هزت رأسها.
قبل الفجر.
...
لكن اللي ماكانوش يعرفوه...
إن جهاز تسجيل صغير جدًا، مثبت من أسابيع تحت سطح المكتب الخشبي،
 

تم نسخ الرابط