كرامه للبيع منى السيد
المحل لحد ما أخر قرش يرجعلك.
ابتسم وقال
الشغل شغل يا سلمى، وإنتي شاطرة وأمينة وأنا عارف إني مش هخسر معاكي. يالّا يا بنتي، اغسلي وشك وشوفي الزباين، ورجعي بيتك انهارده وراسك في السماء وقولي لوالدتك إن الهم انزاح.
رجعت البيت يومها وأنا حاسة إن الأرض مش سايعاني من الفرحة والفخر. دخلت على ماما ورميت في حجرها ورقة الإقرار والتنازل وقعدت أحكيلها كل اللي حصل بالتفصيل. ماما فضلت تبكي وتدعي للحاج عبد الرحيم، وتقول
سبحان الله يا بنتي... ربنا سد عننا باب ظلم، وفتح لنا باب كرم. أنا كنت خايفة عليكي من البهدلة، بس طلعتي أنتي الصح... اللي يبيع كرامته عشان لقمة، بيفضل طول عمره جعان.
عدى شهر ورا شهر، وبقيت حريصة جداً في شغلي. كنت باخد مرتبة المحترم، ويتخصم منه الجزء المتفق عليه للحاج عبد الرحيم، والباقي كان بيكفينا ويفيض، وقدرنا نمشي أمورنا والبركة دخلت بيتنا بجد لأن القرش كان حلال ومن غير ذل. أستاذ مدحت ومحله بقوا بالنسبالي مجرد كابوس قديم وصحيت منه.
لحد ما جه يوم، بعد حوالي ست شهور من الموضوع ده. كنت واقفة في المحل بنظم البضاعة الجديدة اللي وصلت، وسحر كانت واقفة على الكاشير. لقيت راجل غريب دخل المحل، لابس بدلة شيك جداً ومعاه شنطة ملفات، وبص في المحل وقال
السلام عليكم... أنا بدور على الأنسة سلمى اللي شغال هنا.
وقفت وبصيتله باستغراب وقلت
وعليكم السلام... أيوة أنا سلمى، تحت أمرك؟
الراجل قرب مني، وطلع كارت شخصي وقدمهولي، وقالي بنبرة جادة جداً
أنا الأستاذ مجدي، محامي... وجايلك بخصوص قضية تركة وورث تخص والدك، الأستاذ مصطفى!
أنا وماما وسحر اتصدمنا. ورث إيه وتركة إيه؟ إحنا طول عمرنا غلابة ومحيلتناش اللضا، وبابا راجل بسيط ومبروك وعمره ما جاب سيرة إن ليه ورث أو أهل أصحاب ملايين!
بصيت للمحامي وقلت بتعجب
ورث إيه يا أستاذ؟ إنت أكيد غلطان في الاسم... إحنا أسرة على قد حالنا وبابا ملوش أملاك.
المحامي ابتسم وفتح الملف اللي في إيده، وطلع منه أوراق وصورة قديمة جداً، وبصلي وقال كلمتين خلوا الدم يتجمد في عروقي
لأ مش غلطان يا آنسة سلمى... والدك يبقى الوريث الوحيد لأرض ومحلات في وسط البلد هنا، كانت متأجرة من سنين طويلة لجد أستاذ مدحت.
الفصل الأخير
المحامي قال الكلمتين دول من هنا، وأنا حسيت إن المحل كله بيلف بيا. سحر شهقت وحطت إيدها على بقها مش مصدقة، والحاج عبد الرحيم اللي كان لسه خارج من مكتبه وقف مكانه مذهول. بصيت للورق اللي في إيد المحامي وأنا مش قادرة أستوعب... أستاذ مدحت؟ عيلته؟ المحل اللي كنت بمسح رصيفه وبتبهدل فيه، والأرض اللي واقفة عليها المحلات دي كلها ملك أبويا؟
الحاج عبد الرحيم قرب بسرعة وقال بوقار
اتفضل يا أستاذ مجدي، اطلبي جوه في المكتب وفهمنا الحكاية دي بالراحة... الكلام ده كبير وجدير بالاهتمام.
دخلنا المكتب كلنا، وإيدي كانت بترتعش وأنا بمسك كباية المية اللي سحر جابتهالي. المحامي قعد وفرد الأوراق قدامنا على المكتب، وبدأ يشرح وعينيه فيها نظرة ثقة
الحكاية يا آنسة سلمى بتبدأ من جِدك الله يرحمه. كان صاحب أراضي ومحلات كتيرة هنا في وسط البلد في وقت كانت المنطقة دي لسه بتبدأ. جِد أستاذ مدحت أمم لنفسه عقد إيجار قديم طويل الأجل للمحلات دي بتراب الفلوس. لما جِدك توفى، والدك كان لسه صغير ومبيفهمش في التجارة ولا الأوراق، ووالدته أخدته وسافرت بيه المحافظة تانية، وانقطعت أخبارهم. مع الوقت، العقد القديم ده انتهى قانونياً بموت المستأجر الأصلي، وكان المفروض المحلات والأرض ترجع لورثة صاحبها الأصلي... اللي هو والدك، عم مصطفى.
سألت وصوتي طالع بالعافية
طب وأستاذ مدحت عرف إزاي؟ وليه بابا ميعرفش؟
المحامي اتنهد وقال
أستاذ مدحت
لما لقى القانون الجديد هيخرجه من المحلات وهيضيع عليه الإيجار القديم، بدأ يدور ورا الأوراق لحد ما وصل لعنوانكم وعرف إن عم مصطفى راجل طيب وعلى قده، وميعرفش قيمة الأوراق اللي معاه. بدل ما يديله حقه، قرر يشغلك عنده عشان يفضل عينيه عليكي وعلى عيلتكم، ويبقى عارف كل خطوة بتخطوها. ولما عرف إن ظروفكم صعبة، جه وعمل حكاية التلاجة والعفش والمساعدات دي... مكنش بيساعدكم لله يا بنتي، ده كان بيسكت ضميره بفتات من فلوسكم إنتوا، وكان خايف في أي لحظة تكتشفوا
الحاج عبد الرحيم ضرب كف بكف وقال بغضب
يا لطيف يا رب! ياكلوا مال اليتيم والغلابة ويوهموهم بالفضل والمنة؟ دي تجارة بالدين وبالإنسانية في أبشع صورها! طب وإنت عرفت طريقنا إزاي يا أستاذ مجدي؟
المحامي ابتسم وبصلي
أنا كنت المحامي اللي ماسك قضية تصفية تركة قديمة لشركاء جِد سلمى، ولقيت الأوراق الأصلية وعقود الملكية وصور إعلام الوراثة. فضلت شهور بدور على عم مصطفى لحد ما عرفت عنوان بيته، ولما روحت هناك، والدتك قالتلي إنك شغال هنا عند الحاج عبد الرحيم، وجيت عليكي فوراً. يا آنسة سلمى، إنتوا ليكم إيجارات متأخرة وتعويضات ومحلات تسوى ملايين في السوق انهارده!
خرجت من المحل يومها وأنا مش قادرة أمشي من كتر الزلزال اللي جوايا. روحت البيت جري، لقيت ماما قاعدة جمب بابا وهو تعبان وبيكح. دخلت رميت الأوراق في حضنهم والدموع مغرقة وشي، وقعدت على ركبي قدام بابا وحكيتلهم كل حاجة.
بابا بكى بكاء مرير، بكاء راجل عاش طول عمره شايل الهم ومستحمل الغُلب، ولقى فجأة إن كرم ربنا ملوش حدود. وماما كانت بتلطم على وشها وبتقول
حسبي الله ونعم الوكيل فيك يا مدحت أنت وأهلك! بقى تذل بنتي وتخليها تشيل كراتين وتمسح سلالم بفلوس أبوها؟ بقى التلاجة والعفش القديم اللي كنتوا هتعملوا بيهم علينا أسياد، هما تمن حقنا اللي واكلينه؟
المحامي مخيبش رجانا. في خلال أسبوعين، رفع القضية وقدم الأوراق والمستندات الرسمية للمحكمة. أستاذ مدحت جاله المحضر لحد المحل، وعرف إن اللعبة انتهت، وإن السحر انقلب على الساحر.
في يوم من الأيام، وأنا واقفة مع الحاج عبد الرحيم في المحل، لقيت أستاذ مدحت داخل، بس المرة دي مكنش الراجل المتكبر اللي حاطط إيده في جيبه وبيمشي بالسم في كلامه. كان وشه أصفر، وظهره محني، وعينيه مكسورة ومليانة رجاء.
قرب مني ودموعه في عينيه وقال بصوت مرعش
سلمى... يا بنتي... أنا جاي وطمعان في كرمكم. أنا عارف إني غلطت، وعارف إن الشيطان عماني، بس أرجوكي بلاش المحاكم وبلاش الفضايح وطردنا من المحلات. إحنا هنعوضكم وهنديكم اللي تطلبوه، بس بلاش تخربوا بيتي.
بصيتله وأنا حاسة
قلتله بهدوء شديد
أستاذ مدحت... إحنا مش هنخرب بيتك، لأن إحنا ناس بنعرف الأصول ومبناكلش حرام ولا بنحب الأذى. بس الحق حق. المحلات دي هترجع لأبويا، والإيجار هيبقى بالقيمة العادلة بتاعة انهارده، وكل
مليم أخدتوه من ورا ضهرنا هيرجع. وإطمن... الشيك اللي مرتك أخدته من الحاج عبد الرحيم الميت ألف جنيه، ده أول حاجة هتتخصم من حسابك وترجع للحاج، لأن الراجل ده اشترى كرامتي في وقت إنت وعيلتك كنتوا بتبيعوا وتشتروا فيها.
أستاذ مدحت وطى راسه في الأرض ومش قادر ينطق بكلمة واحدة، ومشي وهو مكسور البال، بعد ما عاش سنين فاكر إن القرش والفهلوة يقدروا يغطوا على الظلم.
مرت الشهور، والمحكمة حكمت لنا بكل حقوقنا. استلمنا المحلات والأرض، وحياتنا اتغيرت تماماً. نقلنا بابا لمستشفى كبيرة واتعالج وبقى صحته بوم الحمد لله، وأخويا الصغير دخل الجامعة اللي كان بيحلم بيها وهو مطمن إن مصاريفه متأمنة.
لكن أهم حاجة عملتها، إني روحت للحاج عبد الرحيم في مكتبه. حطيت قدامه شنطة فيها فلوس الشيك بالكامل، وفوقيها عقد شراكة في المحل الجديد اللي كنا بنفتحه.
بصيتله وقلت وعيني مليانة امتنان
الحاج عبد الرحيم... الفلوس دي تمن الشيك اللي فكيت بيه كربي ورفعت بيه راسي قدام الناس. وعقد الشراكة ده، تمن إنك علمتني إن الدنيا لسه فيها خير، وإن كرامة البني آدم متتقدرش بمال.
الحاج عبد الرحيم ابتسم والدموع في عينيه وقال
أنا كسبت بنت يا سلمى، والتجارة مع أولاد الأصول دايماً كسبانة.
النهارده، وأنا واقفة في محلي الكبير في وسط البلد، وببص لنفسي في المراية، بفتكر الأيام الصعبة... بفتكر طفية النفس وأنا شايلة الشنط على كتفي وطالعة الخمس أدوار، وبفتكر اللحظة اللي أستاذ مدحت قالي فيها اطلعي اغسلي المواعين.
ببتسم وبقول لنفسي الحمد لله. الجميل عمره ما كان استعباد، والفقر مش عيب، بس العيب هو إن الواحد يرضى بالذل. ربنا لما بياخد حاجة، بيعوض بأحسن منها بكتير، بس المهم إن البني آدم يفضل محافظ على كرامته ونفسه عزيزة... لأن الكرامة هي الحاجة الوحيدة