كرامه للبيع منى السيد

لمحة نيوز

كانت مرات أستاذ مدحت، ووراها اتنين رجالة من بتوع النقل، وشكلها كان جاي وفي عينيها شر كبير... وبصتلي وقالت بصوت عالي سمعه كل اللي في المحل
بقا بتهربي وتشتغلي هنا يا سلمى؟ طب وتلايرنا وعفشنا اللي واكلاهم علينا؟ أنا جاية أخد حاجتي دلوقتي حالا يا إما هعملك فضيحة في وسط البلد كلها!
وقفت مكاني، وقلبي بدأ يدق بسرعة، بس المرة دي مكنتش خايفة... المرة دي كنت جاهزة للرد، ومكنتش أعرف إن المواجهة دي هتغير مسار الحكاية كلها وتكشف مستور مكنتش أتخيله... ووو......!!!!!
الفصل الثالث
دخلتها دي وصوتها العالي خلوا المحل كله يلتفت. الزباين وقفوا، والحاج عبد الرحيم خرج من مكتبه على الصوت وهو عاقد حواجبه ومستغرب من الهجوم ده. سحر جرت وقفت جمبي وهي بتبص لمرات أستاذ مدحت بنظرات كلها ضيق.
أنا في اللحظة دي، حسيت بنبضة خوف خطفت قلبي، بس سرعان ما افتكرت إني مبقتش سلمى بتاعة زمان اللي بتسكت وتطاطي راسها عشان الجميل. أخدت نفس طويل، وربعت إيدي وبصيتلها بثبات وقلت بصوت مسموع ونبرة هادية بس قوية
أهلاً يا مدام... نورتي المحل. بس المكان هنا ليه احترامه وليه صاحب شغل واقف، وصوتك العالي ده ملوش مكان هنا. لو ليكي حق، اتفضلي اطلبي بالأصول، لكن شغل الفضايح ده ميمشيش معايا.
مرات أستاذ مدحت، واسمها مدام إجلال، وشها احمر وعينيها برقت من الصدمة. مكنتش متوقعة الرد ده مني، كانت فاكرة إني هعيط وأترجاها تستر عليا قدام الناس. بصت للحاج عبد الرحيم وقالت بشرشحة
شوف البت وقوة عينها يا حاج! واقفة تتبغدد وتتكلم وتعمل فيها ست الستات، وهي وأهلها عايشين من خيرنا! واكلين حقنا وفلوسنا، وجاية تشتغل عندك عشان تداري على عملتها!
الحاج عبد الرحيم مشي بخطوات وقورة لحد
ما وقف بيني وبينها. رفع إيده وقال بهدوء حازم
جرى إيه يا مدام؟ إحنا في سوق ولينّا اسمنا، والمحل هنا يدخله الزبون يشتري ويمشي، مش مكان للمشاكل. البنت دي شغالة عندي، وبقيت أنا المسؤول عنها في مكاني. قوليلي بالراحة وبأدب، إيه الحكاية؟ وليكي إيه عندها عشان تيجي ب فقا سين وعمال نقل؟
مدام إجلال حطت إيدها في وسطها وقالت
ليّ عندها تمن تلاجة جديدة يا حاج، وعفش أوضة نوم وسفرة كاملين قرايبي مدهملهاش لله، دول كانوا سايبينهم أمانة لحد ما يرجعوا من السفر، والهانم وأمها افتكروها ورث! وأهو قرايبي رجعوا وعايزين حاجتهم، يا إما تدفع تمنهم كاش دلوقتي حالا، يا إما تلاجة أستاذ مدحت ترجع، والرجالة دول يطلعوا يلموا العفش من بيتها!
الرجالة بتوع النقل كانوا واقفين وراها وباصين للرصيف ومحرجين، باين عليهم ولاد حلال وملهمش في شغل القطيعة ده.
أنا ضحكت بسخرية، ضحكة وجع وقرف وقلت
أمانة؟ دلوقتي بقوا أمانة وقرايبك عايزينهم؟ مش إنتي اللي جيتيلي لحد المحل وقولتيلي قرايبي بيجددوا ومش محتاجين العفش وخلوه ليكم وشوفوا الثواب؟ ودلوقتي لما قولت لأستاذ مدحت لأ على الذل والاستعباد، بقيتوا عايزين تمنهم؟
بصيت للحاج عبد الرحيم وتابعت
يا حاج عبد الرحيم، الناس دي اشتروا تلاجة لبيتنا لما تلاجتنا باظت، وأنا منكرتش ده، وعمري ما نسيت جميلهم. بس التمن كان إني أبقى خدامة ليهم ولأولادهم، أكنس الشارع، وأمسح السلم، وأشيل شيل مش شيلتي، وفي الآخر أستاذ مدحت طلب مني أغسل مواعين الغدا بتاعتهم قدام الزباين في المحل! ولما رفضت، جايين يلووا دراعي بالفلوس والعفش.
الحاج عبد الرحيم بص لمدام إجلال ونظراته اتغيرت تماماً، بقيت كلها استهجان وضيق. الراجل ده أصيل وبيفهم في الأصول،
وبص لمدام إجلال وقالها
الكلام ده حقيقي يا مدام؟ يعني إنتوا بتعايروا البنت بلقمة ولا بمساعدة قدمتوها؟ ده الرسول عليه الصلاة والسلام قال لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى. إنتوا كده ضيعتوا ثوابكم، وكمان بتتبلوا عليها في دكانة ناس تانية؟
مدام إجلال زعقت
ثواب إيه وبتاع إيه يا حاج! إحنا ناس بتوع تجارة وبنفهم في القرش. البنت دي سابت الشغل ووقفت حال المحل عندنا، وإحنا عايزين حقنا. تمن التلاجة والعفش ميت ألف جنيه! تدفعهم دلوقتي حالا يا إما قسماً بالله لأعملها محضر تبديد عمارة وعفش وأحبسها!
أول ما قالت ميت ألف جنيه، الدنيا اسودت في عيني. ميت ألف؟ منين؟ العفش كله كان قديم ومستعمل، والتلاجة كانت عادية جداً متكملش ربع المبلغ ده! دي بتتبلى عليا وعايزة تخرب بيتنا وتذلنا بجد.
سحر صرخت فيها
ميت ألف جنيه إيه يا ست إنتي؟ حرام عليكي! اتقي الله، ده أنتوا جايبين حاجات مستعملة والتلاجة نوعها قديم! أنتوا عايزين تسرقوا البنت وعينك عينك كده؟
وفي وسط الهيصة دي، لقيت الحاج عبد الرحيم بيمد إيده في جيبه، وطلع دفتر الشيكات بتاعه وبص لمدام إجلال بكل برود وثقة، وقالها
الميت ألف جنيه بتوعك أهو... هكتبلك بيهم شيك يصرف بكره الصبح من البنك. بس بشرط... تكتبيلي إقرار هنا، وبشهادة الرجالة اللي معاكي والناس اللي في الشارع، إن ملوش عند سلمى ولا عند أهلها لا تلاجة، ولا عفش، ولا قشاية واحدة، وإنكم استلمتوا تمن كل حاجة كاش وبزيادة كمان!
أنا اتسمرت مكاني. دموعي نزلت غصب عني، بس المرة دي من الصدمة والذهول. الحاج عبد الرحيم؟ الراجل اللي ميعرفنيش غير من أسبوعين بس، يدفع ميت ألف جنيه عشان يحميني من الفضيحة ويفك كربي؟
جريت عليه وقلت وصوتي بيرتعش
لأ يا
حاج... أرجوك لأ! أنا مقدرش أخليك تدفع مبلغ زي ده عشاني... أنا ماليش حق عندك لكل ده!
الحاج عبد الرحيم طبطب على كتفي بنظرة حنينة أوي وقال
اسكني يا سلمى... يا بنتي أنا بشتري بنت أصول وبحمي كرامة واحدة شغالة في مكاني. والفلوس دي مش ببلاش، دي هتبقى دين عليكي ليّ، هتتخصم من مرتبك كل شهر جزء بسيط مش هتحسي بيه، بس تخرجي من المحل ده وراسك مرفوعة ومحدش يجرؤ يلويلك دراعك تاني.
مدام إجلال طمعت أول ما شافت دفتر الشيكات،
وعينيها لمعت بالجشع. وافقت بسرعة وقالت
وأنا موافقة يا حاج... اكتب الشيك وأنا أكتبلك الإقرار اللي إنت عايزه، وإحنا ملناش دعوة بيها تاني، تاخد عفشها تاخد تلاجتها، غارت في داهية.
وفعلاً، الحاج عبد الرحيم كتب الشيك، وخلاها تمضي على ورقة إقرار وتنازل كامل عن أي مطالبات تخصني أو تخص بيتنا، وأخدت الشيك وأخدت الرجالة ومشيت وهي بتبصلي بنظرة تشفي، كأنها كسبت الحرب. لكنها مكنتش تعرف إنها خسرت أخر حتة ستر كانت مدارية جشعهم.
أول ما مشيت، المحل فضي والزباين بدأوا يرجعوا لحالهم. أنا قعدت على الكرسي ومش قادرة أوقف عياط. سحر جابتلي مية، والحاج عبد الرحيم قعد قدامي وقال
بتعيطي ليه دلوقتي يا سلمى؟ المفروض تفرحي إنك خلصتي من الناس دي.
وقفت ووطيت على إيده عشان أبوسها من كتر الامتنان، بس هو سحب إيده بسرعة وقال بعتاب
إيه اللي بتعمليه ده يا بنتي؟ استغفري الله. أنا معملتش غير الواجب اللي أي راجل مكان يلاقيكي في الموقف ده يعمله. إنتي بنت بمليون راجل لأنك وقفتي للي بيستغلك، والقرش بيروح وييجي بس الكرامة لو راحت مابتتعوضش.
قلتله وأنا بمسح دموعي
أنا مش عارفة أشكرك إزاي يا حاج عبد الرحيم... ربنا يجعله في ميزان حسناتك. أنا هشتغل
ليل نهار عشان أردلك الفلوس دي، ومش هسيب
تم نسخ الرابط