انتقامي منى السيد

لمحة نيوز

كنت بتسأل عليه يا عادل. جرد بكل مليم خرج من حسابنا المشترك، وبكل المبالغ اللي اتحولت لأختك وأمك. المحامي جاهز، والورق ده هيتقدم في قضية رد أموال غير قانونية، بالإضافة لطلب الخلع اللي هتقدمه النهاردة.
عادل هجم عليا، بس الأمن اتدخل في لحظة. مسكوه بقوة. كان زي الوحش اللي اتقفص. إنتي طالق! طالق بالثلاثة يا نيرة! إنتي تطلقي حالا!
ضحكت بمرارة. يا حبيبي، إنت ما تملكش تطلقني، لأننا لما هنتطلق، إنت اللي هتخرج بشنطة هدومك، لأن البيت ده باسمي، والعربية باسمي، والشركة اللي إنت شغال فيها ك موظف أيوه، أنا عارفة إنك شغال في شركة توريدات تابعة لهولدينج بتاعي ممكن أخلي ال HR يرفدك النهاردة قبل بكرة.
سامية بدأت تصرخ وتعمل مشهد، بس الأمن كان أسرع. طردوا الناس دي بره المبنى. ومن اللحظة دي، ممنوع أي حد منهم يقرب من مكتبي أو بيتي.
بعد ما الأمن خرجهم، ساد هدوء رهيب في الشركة. قعدت على أقرب كرسي، حسيت إن طاقتي كلها خلصت. مروة جابتلي ميه.
عملتي اللي كان لازم يتعمل يا نيرة.
مش كفاية يا مروة. لسه فيه حاجات كتير لازم تتعمل.
دخلت مكتبي، وقعدت قدام اللابتوب. فتحت حساباتي. لقيت رسايل تهديد من عادل على الواتساب، ورسايل من أمه بتشتم وبتدعي عليا. عملت بلوك للكل من غير تفكير. الدنيا بره كانت بتغلي، بس أنا كنت حاسة براحة غريبة.
الساعة بقت 3، كان عندي ميعاد مع المحامي عشان أبدأ إجراءات التصفية. عادل ما بطلش يتصل، اتصل على التليفون الشخصي، وعلى تليفون الشركة، وعلى تليفون مروة. كان مرعوب. مش مرعوب عشان بيحبني، مرعوب عشان خسر الامتيازات. كان متعود إن فيه بنك ماشي على رجلين اسمه نيرة.
في وسط الدوشة دي، افتكرت أمي. كانت مستنية تليفوني عشان تطمن. اتصلت بيها.
أيوة يا بنتي، طمنيني.. عملتي إيه؟
ماما، أنا طلبت الطلاق.
سكتت أمي لحظة، وبعدين اتنهدت تنهيدة طويلة. الحمد لله. قلبي كان حاسس إن الراجل ده مش بتاعك يا نيرة. الراجل اللي يبص لفلوس مراته ويعد على حماته، ده راجل ما يتأمنش على عمر.
يا ماما، مش عشان الفلوس.. الموضوع أكبر من كده. الموضوع إني كنت عايشة مع غريب، غريب بيحتقر كل حاجة تخصني.
المهم دلوقتي إنتي كويسة؟
كويسة يا ماما. وعايزاكي تيجي تقعدي معايا في البيت الكبير، البيت اللي كان عادل بيخاف يدخلك فيه.
لا يا بنتي، البيت ده بتاعك، وأنا بيتي في البلد هو اللي يلمني. بس هاجيلك.. هاجيلك عشان أشيل راسك لفوق.
قفلت مع أمي، ولقيت المحامي شريف دخل مكتبي. كان راجل عجوز وقور، شفت فيه الأب اللي مكنش عندي.
يا نيرة، عادل بعتلي رسالة دلوقتي.. بيعرض تسوية.
تسوية إيه يا شريف؟
عايز نص كل أملاكك، مقابل إنه يطلق بهدوء وما يشهّرش بيكي.
ضحكت بصوت عالي. يُشهّر؟ هيُشهّر بإيه؟ إني ناجحة؟ إني ملكت

نفسي؟
قول له يا شريف، قدامك ساعة واحدة، يا إما يوافق على الطلاق ب الإبراء يعني يخرج من غير ولا مليم، يا إما هرفع قضية خيانة أمانة على كل قرش خده من الشركات بتاعتي باسمه.
شريف ابتسم. إنتي اتغيرتي أوي يا نيرة.
الظروف هي اللي بتغير يا شريف، والناس اللي بنجوزهم هما اللي بيحددوا إحنا هنبقى طيبين قد إيه.
قضيت بقية اليوم في اجتماعات، كنت بحاول أهرب من التفكير في عادل، بس ذكريات تلات سنين كانت بتطاردني. تلات سنين ضاعوا في محاولة إرضاء راجل، كان كل همه إزاي يصغرني.
لما خرجت من الشركة الساعة 8 بالليل، لقيت عادل واقف قدام الباب في الشارع. كان شكله متبهدل، قميصه مكسر، وشعره مش متسرح. أول ما شافني، جري عليا.
نيرة! استني! أنا كنت عبيط.. أنا كنت بغير منك، افهمي!
بصيتله بجمود. الغيرة يا عادل بتبني، مش بتهد. إنت هديت كل حاجة فينا عشان ترضي غرورك.
أنا بحبك! والله العظيم بحبك!
ضحكت بتهكم. الحب مش كلمة، الحب مواقف. والموقف الوحيد اللي عملته لما عرفت إن عندي فلوس، إنك جريت عشان تسرقها أو تسيطر عليها.
حاول يمسك إيدي، بس أنا سحبتها بقوة. اوعى تلمسني. المحامي بكرة هيبعتلك أوراق الطلاق. قدامك حل واحد تمضي، وتمشي من حياتي للأبد. لو فكرت تضايقني، أو تضايق أمي، أو حتى تقرب من مكتب الشركة.. الشرطة هي اللي هتتعامل معاك.
ركبت العربية، وعم سيد بدأ يتحرك. بصيت في المرايا، شفته واقف في نص الشارع، بيصرخ باسمي، بس صوته كان بيضيع في زحمة القاهرة.
رجعت البيت. البيت اللي كان دايماً خانقني بريحة العفش اللي اختارها، وبطريقة توزيع العفش اللي فرضها. أول ما دخلت، قعدت على الكنبة. كان صمت البيت جميل، صمت فيه حرية.
مسكت الموبايل، لقيت رسالة من مجهول. فتحتها.. كانت صورة لعادل وهو بيقابل حد في كافيه، وكان معاه أوراق.. أوراق تخص شركتي!
قلبي دق بسرعة. كان بيحاول يلعب لعبة تانية؟
اتصلت بمروة فوراً. مروة، عادل بيحاول يوصل لأوراق سرية تخص ال Holding. شوفي مين اللي بيتعامل معاه.
نيرة.. ده باين إنه بيتعامل مع حد في المنافسين بتوعنا!
عارفة مين؟
المهندس فريد.
فريد.. أكبر منافس ليا في السوق! يعني عادل مش بس كان بيستغلني، ده كان بيحاول يبيعني للمنافسين عشان يضمن مستقبله بعد ما يطلقني؟
هنا بس، عرفت إن المعركة لسه ما خلصتش. عادل مش بس راجل شرقي مريض، عادل طلع ثعبان.
قمت وقفت، وبصيت لنفسي في المرايا الكبيرة. يا نيرة.. إنتي ما خسرتيش جوز، إنتي كسبتي عدو.. ولازم تكسريه.
كنت عارفة إن بكره الصبح، لازم أبدأ حرب حقيقية. مش بس عشان أطلق، بس عشان أحمي اللي بنيته طول عمري من عادل وأمثاله.
فتحت ملفات الشركة، وبدأت أراجع كل التعاملات اللي تمت باسمه في الشركة التابعة. لقيت ثغرات، لقيت تحويلات مشبوهة، لقيت
إنه كان بيسرقني فعلاً!
ساعة ورا ساعة، والليل بيعدي، وأنا كنت بجمع في سلاحي. التلات سنين اللي ضاعوا، هيتعوضوا في يوم واحد.
الفجر أذن، وأنا لسه صاحية، والبيت بدأ ينور بنور الشمس. فتحت الشباك، وشمت ريحة القاهرة الصبح. المرة دي، الريحة كانت ريحة بداية جديدة.
تليفوني رن تاني.. كان رقم غريب. رديت.
أيوة؟
أنا المهندس فريد يا نيرة.. سمعت إن فيه مشاكل في بيتك؟
ابتسمت. يا أهلاً يا فريد. المشاكل دي مكانها البيت، مش السوق. خير؟
لا، بس كنت عايز أقولك إن عادل جالي، وكان معاه أوراق تخص شركتك.. بس أنا حبيت أبلغك، عشان إحنا منافسين مش أعداء، ولأن اللي عمله ده خيانة أمانة.
سكت لحظة. ليه بتقولي كده يا فريد؟
عشان أنا عارف مين هي نيرة Corradi، وعارف إن اللي يقرب من شغلها.. بيحرق نفسه.
قفلت التليفون، وأنا باصة لبعيد. عادل مش بس خسرني، ده خسر حتى الناس اللي كان فاكر إنه بيتحالف معاهم.
الصبح كان بدأ، والنهارده، اليوم اللي هنهي فيه كل شيء. لبست بدلة الشغل بتاعتي، اللي لونها أسود، زي الحداد على حياة ضاعت في الفاضي، وزي القوة اللي هبدأ بيها حياتي الجديدة.
نزلت من البيت، وكان عم سيد مستني. على فين يا فندم؟
على المحكمة يا عم سيد.. النهارده يوم الحساب.
في طريقي للمحكمة، كان الموبايل ما بيبطلش رن. رسائل، مكالمات، تهديدات، رجاء.. كل أنواع المشاعر اللي ممكن تطلع من راجل خايف. بس أنا كنت خلاص، نيرة القديمة ماتت، والنهارده، نيرة Corradi هي اللي هتتكلم.
لما وصلت المحكمة، شفت عادل واقف عند الباب، ومعاه أمه وأخته. أول ما شافوني، جريوا عليا كأنهم عصابة.
يا نيرة! بلاش الفضيحة! خلينا نلم الموضوع!
وقفت قدامهم، وطلعت ورقة من شنطتي. دي الورقة اللي هتخلص كل حاجة. إما تمضوا دلوقتي، وتخرجوا من حياتي وتختفوا.. يا إما الورق اللي معايا ده هيدخلكم السجن بتهمة اختلاس وتزوير في أوراق رسمية تخص شركتي.
وش عادل اتمسح. أمه بصتله برعب. أخته بدأت ترتعش.
إنتي بتعملي فينا كده ليه يا نيرة؟ ده إحنا عيلتك!
العيلة اللي بتسرق وتخون يا طنط فوزية.. ما تتسماش عيلة. العيلة هي اللي بتسند، مش اللي بتستنى الفرصة عشان تنهش في لحمك.
عادل مد إيده ببطء، وأخد الورقة. كان بيقرأها وهو بيترعش. إنتي.. إنتي عايزاني أتنازل عن كل حاجة؟ حتى شقتي؟
الشقة دي أنا اللي دافعة تمنها يا عادل. وكل قرش فيها دفعته من جيبي.
بص لي بعيون مكسورة، بس ما كانش فيها ندم، كان فيها غل. غل الراجل اللي خسر كل شيء قدام الست اللي كان بيستهين بيها.
مضى الورقة، ورمها في وشي. روحي.. الطلاق وقع خلاص. بس افتكري يا نيرة، إنك دمرتي حياتي.
لا يا عادل.. أنا اللي بنيت حياتي من جديد. إنت اللي دمرت حياتك لما فكرت إن المرأة مجرد تابع.
مشيوا، وسابوني
واقفة قدام باب المحكمة. حسيت إني خفيفة، خفيفة لدرجة إني ممكن أطير. طلعت التليفون، وكلمت مروة.
مروة.. خلاص. أنا حرة.
ألف مبروك يا نيرة! احتفل؟
لا.. لسه بدري على الاحتفال. دلوقتي، لازم نركز في الشركة. عندنا مشروع جديد، ومحتاجة كل تركيزي.
مشيت في شوارع وسط البلد، وشفت الناس اللي رايحة جاية، اللي بيشتغل، واللي بيحلم، واللي شايل همه. حسيت إن الدنيا أكبر بكتير من بيت وعشرة عادل.
النهارده، نيرة Corradi مش بس ست مطلقة، النهارده نيرة Corradi هي سيدة أعمال قررت إنها ما تسمحش لأي حد، مهما كان مين، إنه يقلل من قيمتها.
رجعت المكتب، وقعدت على الكرسي بتاعي. بصيت لبره، للمدينة اللي بتتنفس تحت شباكي. وطلعت نوتة صغيرة، كتبت فيها يوم واحد.. هو كل اللي احتجته عشان أسترد نفسي.
بس، لسه فيه حاجة تانية.. فريد. ليه فريد بلغني؟ هل هو فعلاً محترم؟ ولا ده جزء من لعبة تانية؟
مروة! ناديت مروة.
دخلت مروة بسرعة. نعم يا فندم؟
عايزة ملف المهندس فريد.. كل حاجة عنه.. وعايزة أعرف إيه مصلحته في اللي عمله ده.
حاضر يا فندم.
بدأت أفكر في اللي جاي. حياتي بقت زي الشطرنج، والنهارده.. أنا اللي بدأت العب بالوزير.
اليوم اللي كان المفروض يبقى نهاية، بقى بداية لكل حاجة كنت بخاف منها. عرفت إن القوة مش في الفلوس، القوة في القرار. والقرار اللي أخدته النهارده، هو أصعب وأهم قرار في حياتي.
قعدت أتفرج على شروق
الشمس من شباك مكتبي.. الشمس اللي بتشرق على القاهرة، وبتبشرني بيوم جديد، مش بس لشركتي، ده لنفسي.
نيرة.. كلمت نفسي في المرايا تاني.. إنتي بطلة القصة دي، ومحدش هيقدر يكتب نهايتك غيرك.
مسكت القلم، وبدأت أخطط للمشروع الجديد. مشروع هيخلي اسم Corradi يتحفر في السوق، مش بس كشركة، كعلامة قوة.
تليفوني رن مرة تانية.. رقم سري. رديت.
أيوة؟
أهلاً يا نيرة.. أنا فريد. عندي عرض.. عرض يخلينا مش بس منافسين.. يخلينا شركاء.
سكت.. وبصيت للورقة اللي قدامي. شركاء؟ ليه يا فريد؟
لأن اللي يقدر يعمل اللي عملتيه في 24 ساعة.. هو الشخص الوحيد اللي ينفع أشتغل معاه.
ابتسمت.. ابتسامة نصر. خلينا نشوف يا فريد.. خلينا نشوف.
قفلت التليفون.. وبدأت اللعبة الكبيرة. اللعبة اللي فيها مفيش مكان للضعف، ومفيش مكان ل عادل وأشباهه.
اليوم، أنا مش بس نيرة Corradi، أنا المستقبل.
...يتبع
عدت أسابيع قليلة على يوم المحكمة، والجو في الشركة كان مشحون بطاقة غريبة. نيرة Corradi ما بقتش مجرد اسم على يافطة، بقت الوحش اللي الكل بيعمله ألف حساب في السوق. عادل اختفى تماماً من حياتي، سمعت إنه سافر طنطا عند أهله، بيحاول يلم شتات نفسه، أو ربما بيحاول ينسج مؤامرة تانية في خياله المريض. لكن بالنسبة لي، كان صفحة واتحرقت، والرماد بتاعها طار مع
الهوا.
قعدت في مكتبي، بقلب في ورق الشراكة اللي بعته فريد. فريد مش سهل، والكل عارف إن اللي يدخل
تم نسخ الرابط