انا راجل مديون

لمحة نيوز


في الأوضة زي دبة زلزال هدت الباقي من حيلهم.
فدوى رجعت لورا لحد ما خبطت في الحيطة، حطت إيديها الاتنين على ودنها وهي بتهز راسها بهستيريا وكأنها بترفض تسمع لأ.. لأ.. أبويا أنا؟ عم سالم الغلبان اللي بيمشي يبص في الأرض يحط سم للراجل اللي كاسيه ومأكله؟ لأ يا طنط أبوس إيدك قولي إنك متلخبطة.. قولي إن عمي راغب هو اللي عملها!
حسن كان راكع على الأرض قدام سرير أمه، دموعه بتنزل على خدوده بصمت يخوف. قام ببطء، وبص لفدوى. عينيه كانت فاضية، مفيهاش غضب، مفيهاش قهر، كان فيها انكسار راجل الدنيا كلها اتفقت عليه.
فدوى نزلت على ركبها قدامه، مسكت طرف جلابيته وهي بتشهق من العياط يا حسن والله ما أعرف.. والله العظيم ما أعرف.. اضربني، اقتلني وخد تار أبوك مني، بس ماتبصليش البصة دي.. أنا مليش ذنب في اللي عمله، أنا حبيتك انت!
حسن سحب جلابيته من إيدها بشويش، وراح قعد على الكرسي المكسور، حط راسه بين إيديه وقال بصوت مخنوق ذنبي إيه أنا وأبويا يا فدوى؟ راجل فتح بابه للغريب، يتقتل بخيانة؟ وأنا.. أنا اللي بعت لحمي ودمي عشان أسد ديون أبويا اللي طلع مقتول، أكتشف إن مراتي تبقى بنت قاتله؟
فدوى حطت وشها في الأرض، ودموعها بلت بلاط الأوضة.. حست إن وجودها في حياته بقى لعنة، وإن النحس اللي الناس بتعايرها بيه طلع حقيقة، بس المرة دي دمر أغلى إنسان خاف عليها وحماها.
عدى النهار كأنه سنة. حسن ساب البيت من بعد الفجر ومارجعش، وأمه نامت من التعب. فدوى قامت، غسلت وشها، وبصت لنفسها في المراية المكسورة. عينيها كانت مليانة تصميم. فتحت الدولاب، طلعت الفستان القديم اللي جات بيه، وطلعت ورقة وقلم من درج

حسن، وكتبت سطرين بدموعها، وحطتهم جنب راس أمه.
قبل أذان العشا بساعة، في الشونة الضلمة..
راغب السيرافي كان قاعد على كرسي خشب، بيدخن سيجارته، والحراس حواليه. الباب الحديدزيق، ودخلت فدوى لوحدها. العباية السودة لفاها، ووشها باهت بس مرفوع.
راغب ضحك باستهزاء وقال أهلاً ببنت الغالي.. فين جوزك السبع؟ هرب وسابك تواجهي مصيرك ولا بعتك عشان يقبض التمن؟
فدوى مدت إيدها بورقة، وقالت بصوت ثابت رغم كسرتها حسن ميعرفش إني هنا. دي ورقة تنازل مني عن كل الأراضي والأملاك اللي باسمي في إسكندرية، مضيت وبصمت عليها. خد ملايينك اللي أبويا هرب بيها، وعيش بيها في نار جهنم. بس في مقابل الورقة دي، ديون حسن كلها تسقط، والورق اللي معاك اللي يثبت براءة أبوه تديهولي.. ولو فكرت تقرب لحسن أو تأذيه، هقتل نفسي، وساعتها مش هتعرف تبيع شبر واحد من الأرض دي طول ما أنا ميتة والورث متوقف في المحاكم.
راغب قام، شد الورقة من إيدها، وبص فيها وابتسم بطمع عين العقل يا بنت أخويا.. بس انتي فاكرة إني هسيبك ترجعيله؟ انتي هتيجي معايا غصب عنك، والواد ده أنا كدة كدة هعصره لحد ما.. 
لحد ما إيه يا راغب بيه؟
الصوت شق سكون الشونة. حسن ظهر من الضلمة، بس مكنش لوحده. كان لابس قميص وبنطلون نضاف، وواقف بهيبة أبوه زمان.
راغب عقد حواجبه وزعق للحراس خلصوا عليه!
لكن قبل ما الحراس يرفعوا سلا..حهم، كشافات عربيات البوليس نورت الشونة كلها، وعساكر وضباط دخلوا من كل حتة، حوطوا المكان في ثواني.
راغب اتصدم وبص لحسن إنت عملت إيه يا غبي؟ فلوسك وحق أبوك ضاعوا!
حسن قرب منه، عينه في عين راغب وقال بكل شموخ حق أبويا مابيرجعش
بفلوس حرام يا سيرافي. الورق اللي انت رميتهولي امبارح على السطوح، عشان تذلني بيه وتثبتلي إنك قتلت أبويا مع أبو نورهان، أنا خدته وطلعت بيه على رئيس النيابة في الفجر. الورق ده مش بس بيدينكم في قتل متولي بيه، ده فيه بلاوي غسيل أموال تهز البلد.. أبويا مات راجل، وأنا هعيش راجل.. وعم سالم الغفير اتقبض عليه في محطة القطر وهو بيهرب، واعترف بكل حاجة.. اعترف إنك هددته يقتل أبويا عشان يسدد ديونه ليك.. كلكم هتعفنوا في السجن.
الضباط كلبشوا راغب، وهو بيشتم ويزعق، وخدوه هو والحراس.
الشونة فضيت، ومابقاش فيها غير حسن وفدوى. فدوى كانت واقفة بتترعش، مش مصدقة اللي حصل. بصت لحسن، لقت نظرة عتاب بس مليانة حنية مخفية.
قالتله بصوت واطي ومكسور أنا كتبتلك ورقة فوق.. متنازلة فيها عن كل حقوقي، وهروح أعيش في أي حتة بعيد عنك.. أنا مقدرش أبص في وشك ولا وش أمك بعد ما أبويا كسر ضهركم.. دم أبوك بيني وبينك يا حسن، مستحيل نتجمع تحت سقف واحد.
لفت عشان تمشي، وتجرجر خيبتها ووجعها.. بس فجأة، حسن مسك إيدها بقوة وشدها عليه.
فدوى بصتله بصدمة ودموعها بتنزل.
حسن حط إيده التانية على راسها، ومسح دموعها وقالها بصوت دافي هز قلبها
ربنا في كتابه العزيز قال وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى.. أنا راجل صعيدي أه والدم عندنا غالي، بس قلبي مش أعمى. أنا شفتك وانتي بتعرضي روحك وملايينك للبيع عشان تفديني وتفدي أمي، وانتي متعرفيش إني كنت سامعك وشايفك. أبوكي خد جزاته، والمجرمين هياخدوا إعدام.. بس انتي ذنبك إيه تدفعي تمن ذنب معملتيهوش؟
فدوى شهقت وقالت بين بكاها الناس هتعايرك.. هيقولوا متجوز بنت قاتل أبوه.

حسن ابتسم، ورفع دقنها لفوق وقال الناس دي أنا بعتها يوم ما سابوني أشيل الشكاير لوحدي. ومفيش حد وقف جنبي في محنتي وبكى على وجعي غيرك.. انتي مش النحس يا فدوى، انتي العوض اللي ربنا بعتهولي في عز كربتي عشان يستر قلبي.
فدوى رمت نفسها في حضنه، وانهارت من البكا، بس المرة دي مكنش بكا قهر، كان بكا فرحة وأمان وسند لأول مرة تحسه في حياتها. حسن ضمها بقوة، كأنه بيعوضها عن حرمان السنين.
بعد مرور سنة ونصف..
على شط النيل، قدام عمارة جديدة بتتبني، كانت يافطة كبيرة مكتوب عليها شركة أبناء الحاج متولي لتجارة الغلال.
حسن كان واقف، لابس جلابية بيضا نظيفة وعباية، بيشرف على العمال بابتسامة رضا. ديونه اتسددت بالكامل من تعويضات المحكمة، واسم أبوه رجع ينور المركز من تاني ناصع وبدون أي شائبة.
من وراه، سمع صوت عجل كرسي متحرك بيقرب. لف وشه لقى فدوى، وشها منور زي البدر، لابسة عباية واسعة وجميلة، وبتزق الكرسي اللي قاعدة عليه أم حسن، اللي صحتها اتحسنت كتير وبقت تتكلم، وشايلة على حجرها طفل رضيع زي القمر.
أم حسن ضحكت وقالت بصوت فيه حنية خد ابنك يا حسن، الواد متولي جنني من الصبح عمال يعيط عايز أبوه.
حسن شال ابنه متولي وباسه من جبينه، وبص لفدوى اللي كانت بتبصله بنظرة كلها عشق ورضا.
مسك إيدها، وباسها قدام العمال والناس وقالها طابخة إيه النهاردة يا أم متولي؟
فدوى ضحكت ووشها احمر وقالت اللي تشتهي نفسك يا أبو متولي.. دا احنا في نعمة ورضا.
حسن بصلها وبص لابنه وأمه، وحمد ربنا في سره. اتعلم إن الضربة اللي مابتموتش بتقوي، وإن ورا كل محنة منحة مستخبية، وإن العوض لما بيجي من ربنا، بينسي القلب
كل مرار شافه.
تمت بحمد الله

 

تم نسخ الرابط