طعنة غدر منى السيد
أنا عمري ما كنت من البنات اللي بتحلم بشبكة تقيلة ولا ألماظ يلفت نظر الناس. كل اللي كنت بحلم بيه إني أحس إن الراجل اللي هيشاركني حياتي شايفني أولوية... وإنه يفرح لفرحتي حتى لو كانت في حاجة صغيرة. يوم ما بابا قالي إنهم اتفقوا على شبكة بسبعين ألف جنيه، ابتسمت وخلاص. لا طلبت يزيدوا، ولا قعدت أقارن نفسي بحد. كنت فرحانة إننا قربنا نبدأ حياتنا. ويوم الشبكة جه... صحيت من بدري، لبست فستان بسيط، وبصيت لنفسي في المراية وأنا بدعي ربنا يكملها على خير. روحنا كلنا عند محل الدهب. المكان كان مليان لمعة... وكل خاتم كنت ببصله كنت أتخيل شكله في إيدي وأنا عروسة. خطيبي كان واقف جنبي، وبابا ومامته قاعدين بيتفرجوا. فضلنا نختار شوية شوية لحد ما وصلنا للمبلغ اللي كانوا متفقين عليه. كنت خلاص هقول تمام... لكن وأنا ببص في الفاترينة، لقيت خاتم شدني بطريقة غريبة. كان بسيط... رقيق... وكأنه معمول مخصوص علشاني. طلبت أشوفه. أول ما لبسته في صباعي، حسيت إنه هو. ابتسمت وبصيت لخطيبي. قلتله بهدوء هو بكام؟ الراجل رد ستاشر ألف. حسبناها بسرعة. طلع هيبقى فيه زيادة ستة آلاف فوق قيمة الشبكة. أنا حتى ما قولتش اشتريه وخلاص. بصيت لخطيبي مستنية أشوف هيقول إيه. لكن وشه اتغير فجأة. ابتسامته اختفت. وبقى باين عليه الضيق بطريقة خلت كل اللي في المحل يحسوا. قال بصوت واطي، لكنه كان حاد أنا معايا عشرة آلاف زيادة بس... اختاري حاجة أخف وخلي الفرق هدية مني. الكلمة وقفت في زوري. مكنتش فاهمة. هو مش الفرق ستة آلاف بس؟ ليه محسسني إني بطلب المستحيل؟ قلتله بهدوء طب خلاص... رجع الخاتم اللي مامتك اشترته النهارده، وأنا مش هلبس دهب زيادة... وكمل شبكتي بالخاتم ده. أول ما خلصت كلامي... لقيته بصلي بنظرة ضايقتني. وقال ببرود شبكتك كاملة أصلاً... انتي اللي بتزودي وخلاص. الجملة نزلت عليا كأن حد سكب عليا مية ساقعة. أنا بزود؟ هو أنا طلبت عربية؟ ولا طلبت شبكة ضعف اللي اتفقنا عليها؟ أنا كنت بطلب خاتم واحد... فرقه ستة آلاف. لكن اللي وجعني أكتر... إنه في نفس اليوم كان اشترى خاتم غالي لمامته من غير ما يتردد. وقتها حسيت إن المقارنة فرضت نفسها. يمكن مكنتش أقصد أقارن. لكن عقلي عملها لوحده. فضلت ساكتة. مش عشان مقتنعة. لكن عشان الناس اللي حوالينا. مكنتش عايزة أعمل مشكلة. وفي الآخر... سيبت الخاتم مكانه. وخرجنا من المحل. ركبت العربية وأنا ساكتة. ولا كلمة. هو كان بيتكلم عادي... كأن مفيش حاجة حصلت. أما أنا... فكنت حاسة إن حاجة
فتحت الرسالة وعيني مش قادرة تستوعب الكلام المكتوب. الكلمات كانت بتتحرك قدامي زي الدوامة، وكل ما أعيد قرايتها أحس إن ضربات قلبي بتزيد لحد ما بقيت سامعة صوتها في وداني. مين ده اللي باعت الرسالة؟ وعرف منين أصلاً بطلب الخاتم والمشكلة اللي حصلت في المحل؟ المحل مكنش فيه غير بابا ومامته وصاحب المحل وإحنا. هل حد فيهم لمح الضيقة اللي كانت على وشه؟ ولا الموضوع أكبر من كده بكتير والكلام مش على موقف النهارده بس؟
فضلت ماسكة التليفون وإيدي بتترعش، وصوابعي متثبتة فوق الشاشة مش عارفة أرد أقول إيه. كتبت إنت مين؟ وعايز إيه؟ وقبل ما أدوس إرسال، مسحت الكلام تاني. قولت لنفسي بلاش أبان ضعيفة أو ملهوفة. سيبت التليفون على السرير وقمت وقفت ومسكت دماغي اللي كانت هتنفجر من كتر التفكير. رحت ناحية الشباك، فتحته وبصيت للشارع وهو هادي، وحسيت إن الهوا الساقع بيخبط في وشي بس مش قادر يطفي النار اللي جوايا.
افتكرت شكل خطيبي وهو واقف في المحل، نظرته الباردة وجملته اللي قطمت فرحتي شبكتك كاملة أصلاً... انتي اللي بتزودي وخلاص. الكلمة دي كانت بتتعاد في عقلي زي الأسطوانة البايظة، وبتزيد عليها دلوقتي جملة الرسالة الغامضة. قعدت على طرف السرير وبصيت لعلبة الدهب اللي محطوطة على التسريحة. العلبة القطيفة الكحلي اللي المفروض تكون رمز لليلة عمري، كانت شيفاها في اللحظة دي كأنها صندوق مقفول على هموم الدنيا.
التليفون نور تاني. اتنفضت من مكاني وجريت عليه. كانت رسالة
جسمي كله سقع. طارق؟ الشخص اللي اخترته وعاندت الدنيا بسببه، الشخص اللي كنت بشوفه السند والأمان، بيتقال عليه الكلام ده؟ أنا مكنتش عايزة أصدق رسالة مجهولة، بس الموقف اللي حصل الصبح كان مدّي للرسالة دي قوة وصدمة أكبر. طارق فعلاً كريم جداً مع أصحابه، دايماً يحكيلي إنه عزّم فلان وشال شيك علان، ويوم ما أمه طلبت الخاتم اللي عجبها جابهولها في ثانية ومن غير ما يفكر في السعر. طب ليه معايا أنا عمل كده؟ ليه خلى شكل بابا وحش وهو واقف مستني رده؟ ليه حسسني إني بطلب نجمة من السما؟
قعدت على السرير وضميت رجلي لصدري، وبدأت شريط الذكريات يمر قدام عيني من أول يوم خطوبة لحد النهارده. افتكرت مواقف كتير كنت بعديها وبقول معلش، بكره يفهم طبعي، أو يمكن مضغوط في مصاريف الجواز. افتكرت يوم ما كنا بننقي ألوان الدهانات بتاعة الشقة، لما اخترت درجة معينة من البيج وقولتله دي هتبقى مريحة للعين، بصلي نفس النظرة الباردة وقال الدرجة دي غالية
في الكومبيوتر، هاتي الدرجة العادية وخلاص، كله بيتشاف بيج في الآخر. وقتها ضحكت وقولت ماشي مش مشكلة، مكنتش عايزة أقف على حاجات تافهة. بس تفتكري يا نادين كانت تافهة فعلاً؟ ولا إنتي اللي كنتي بتغمضي عينك عشان تكملي؟
البيت كله كان هادي، وماما كانت نامت بعد ما حاولت تطمن عليا وأنا قفلت على نفسي. قمت قعدت على المكتب وفتحت اللاب توب، ومسكت التليفون. كتبت للرقم المجهول لو عندك حاجة قولها علطول، بلاش أسلوب الألغاز ده، أنا مش هسمع لكلام من شخص مستخبي ورا شاشة.
دقيقة... دقيقتين... والتليفون رن. مكنتش رسالة، كان هو نفس الرقم بيتصل. قلبي سقط في رجلي. فضلت باصة للشاشة والخط بيجمع. رديت وصوتي كان بيترعش بس حاولت أخليه قوي ألو؟
جالي صوت من الناحية التانية، صوت ست بس كان واطي ومكتوم، كأنها بتتكلم من مكان مقفول أو مش عايزة حد يسمعها كويس إنك رديتي يا نادين. أنا مش عايزة أأذيكي، بالعكس، أنا بصعب عليا البنت اللي بتدخل على عماها وبتفتكر إنها لقت فارس أحلامها.
سكت ثواني وبعدين قولت بحدة انتي مين؟ وتعرفي طارق منين؟ وإيه اللي يخليني أصدق واحدة ميكانش عندها الشجاعة تقول اسمها؟
الست ضحكت ضحكة خفيفة وفيها مرار مش مهم أنا مين، المهم خطيبك المصون. اسأليه كده عن أميرة. اسأليه الشقة اللي إنتي بتنقي ألوانها دي كانت بتاعة مين قبلك؟ والدهب اللي اتفقتوا عليه بسبعين ألف جنيه، ليه الرقم ده بالذات؟ اسأليه وراقبى وشه وهو بيتكلم، وشوفي هيقدر يبص في عينك ولا لأ. طارق مش بخيل يا نادين، طارق بيستخسر فيكي إنتي بالذات عشان دايماً شايفك الخطة البديلة.
الخط قطع. التليفون رجع لشاشته الرئيسية وأنا فضلت حاطاه على ودني ومش قادرة أتحرك. الكلام كان زي السكاكين. أميرة؟ مين أميرة دي؟ الشقة كانت بتاعة حد قبلي؟ طارق قالي إن الشقة دي ورث عن جده وإنه كان شايلها للزمن ولجوازه. إزاي تكون كانت بتاعة حد تاني؟ والسبعين ألف؟ الرقم ده هو اللي بابا اقترحه وطارق وافق علطول من غير نقاش، وقتها فرحت وقولت إنه شاري ومحترم الكلمة. هل الرقم ده ليه سر تاني؟
حسيت بخنقة مش طبيعية، الأوضة بقت ضيقة عليا. قمت فتحت الدولاب وطلعت الأجندة بتاعتي اللي بكتب فيها كل حاجة. قعدت أقلب في الصور اللي بينا، في الرسايل القديمة على الواتساب. دخلت على صفحته على الفيسبوك وبقيت بفر فيها كأني بدور على إبرة في كوم قش. قعدت أشوف الكومنتات القديمة، اللايكات، أي اسم بنت يتكرر. مكنش فيه حاجة واضحة، كل حاجة كانت تبان طبيعية جداً.
بس كلام الست دي كان فيه تفاصيل تخوف، تفاصيل تخلي الواحد يشك في نفسه وفي كل خطوة خطاها. نمت ليلتها وأنا مش عارفة أغمض عيني، كل ما يجيلي نوم أشوف طارق وهو باصصلي في محل الدهب ونظرته دي تتحول لوش الست الغريبة اللي كلمتني.
تاني يوم الصبح، صحيت وعيني منفوخة من كتر التفكيروقلة النوم. ماما جهزت الفطار ودخلت عليا الأوضة، بصت في وشي وقالت بقلق يا بنتي إنتي مش عاجباني من إمبارح. من ساعة ما رجعنا من عند الجواهرجي وإنتي قافلة على نفسك. طارق كلمك؟ حصل حاجة بينكم وإحنا مش واخدين بالنا؟
حاولت أبتسم وأبين إن الموضوع عادي لا يا ماما مفيش حاجة، تلاقيني بس متوترة من اللفة والتفكير في الترتيبات اللي جاية، متقلقيش.
ماما مكنتش مقتنعة، بس سابتني براحتي وقالت ماشي يا نادين، بس افتكري إن الجواز مبيكملش بالدهب ولا بالمظاهر، بيكمل بالود والرحمة. لو فيه حاجة مضيقاكي من طارق اتكلمي معاه، متشيليش في قلبك.
كلام ماما كان بيجي على الجرح. الود والرحمة... هل طارق عنده ود ورحمة فعلاً؟
الساعة جت اتناشر الضهر، وتليفوني رن. كان طارق. اتنفست جامد وحاولت أظبط صوتي قبل ما أرد ألو، صباح الخير يا طارق.
رد بصوته العادي