في صباحيتي جوزي سلم دهبي لامه كتابة نور محمد

لمحة نيوز


إصبعها، ووضعتها فوق المكتب.
وقالت بصوت ثابت
أنا خرجت من بيتكم يوم اتاخد دهبي... والنهارده خرجت من حياتكم كلها.
ثم استدارت ناحية الباب.
لكن قبل أن تخطو أول خطوة...
قال الضابط
يا مدام ريم... استني.
التفتت إليه.
أخرج من الملف ورقة أخيرة لم ينتبه لها أحد.
نظر إليها طويلًا، ثم قال
واضح إن في اسم تاني داخل في الموضوع... والاسم ده لو صح، يبقى اللي حصل النهارده مجرد بداية.
تبادل الجميع النظرات في توتر.
أما أحمد، فحدق في الورقة، وما إن قرأ الاسم المكتوب فيها... حتى شهق وقال
مستحيل... هو رجع؟!
وانتهى المشهد على وجوه الجميع، بينما ظل الاسم مخفيًا، ليكشف سرًا أكبر مما توقعه أي شخص عمّ الصمت أرجاء القسم.
أحمد كان مثبت عينه على الورقة، وشفايفه بتترعش.
قال الضابط
تعرف صاحب الاسم ده؟
هز أحمد رأسه ببطء، وقال
أعرفه... لكنه اختفى من أكتر من خمستاشر سنة.
سألته ريم باستغراب
مين هو؟
رد بعد تردد
عمي... أخو أبويا.
شهقت حماته، وقامت من مكانها وهي تصرخ
لأ... مستحيل يكون لسه عايش!
بصلها الضابط باهتمام.
وقال
واضح إنك عارفة أكتر مننا.
لكنها سكتت، وكأنها أدركت إنها بدأت تكشف نفسها بنفسها.
في اللحظة دي، الباب اتفتح.
دخل رجل كبير، شعره كله أبيض، لكن خطواته كانت ثابتة.
بمجرد ما أحمد شافه، همس
عمي...!
اقترب الرجل، وبص ناحية أحمد بحزن.
وقال
كبرت يا ابني... لكن للأسف الحقيقة اتأخرت كتير.
وقف قدام الضابط، وأخرج بطاقة هويته، ثم ملفًا قديمًا.
وقال
أنا مختفيتش... أنا اتجبرت أختفي.
الضابط سأله
ليه؟
رد وهو بيبص مباشرة ناحية حمات أحمد
لأن مرات أخويا

لفقتلي قضية سرقة، ولما حاولت أثبت براءتي، هددتني إنها تحرمني من أشوف أحمد طول عمري.
اتسعت عينا أحمد.
التفت إلى أمه وقال
الكلام ده صحيح؟
لكنها لم تستطع الرد.
أخفضت رأسها، وبدأت تبكي لأول مرة.
فتح العم الملف.
كانت فيه أحكام ببراءته، ومحاضر قديمة، وخطابات تثبت أنه حاول يرجع أكثر من مرة، لكن كل خطاب كان يختفي قبل ما يوصل.
قال العم
أخوكِ مات وهو فاكر إني خنته... وإنتِ خليتي ابنه يكرهني من غير ذنب.
في تلك اللحظة، شعر أحمد أن حياته كلها كانت مبنية على أكاذيب.
نظر إلى ريم، وعيناه مليئتان بالندم.
قال
أنا ظلمتك... وصدقت كل كلمة اتقالتلي.
ريم ردت بهدوء
الاعتذار بيرجع الكرامة لصاحبه... لكنه مش دايمًا بيرجع اللي اتكسر.
ساد الصمت من جديد.
وقبل أن ينهي الضابط التحقيق، دخل أحد الأمناء وهو يحمل تقريرًا وصل للتو من إدارة المباحث.
وما إن قرأه الضابط، حتى رفع رأسه وقال
في شاهد جديد طلب الحضور بنفسه... ويقول إن عنده دليل يثبت إن اللي كان بيدير كل الأحداث دي، مش شخص واحد...
ثم أغلق الملف ببطء وأضاف
...وإن في اسمًا آخر لم يظهر بعد.
وتبادل الجميع النظرات، بينما بقي السؤال معلقًا
من هو الشخص الذي كان يحرك الجميع من خلف الستار؟بعد أقل من عشر دقائق، دخل رجل أنيق في أواخر الأربعينات، وما إن رأته حمات أحمد حتى شهقت خطوة للخلف.
قالت بصوت مرتعش
إنت...!
ابتسم الرجل ابتسامة باهتة وقال
أيوه... أنا سامح. المحاسب اللي كان بيمسك كل أملاك العيلة.
أشار له الضابط بالجلوس، ثم سأله
قلت إن عندك معلومات مهمة.
أخرج سامح دفترًا قديمًا وذاكرة إلكترونية، ووضعهما
على المكتب.
وقال
أنا كنت ساكت سنين... لأني كنت خايف. لكن بعد اللي حصل للبنت دي، قررت أتكلم.
فتح الدفتر، وكانت كل صفحة تحمل تاريخًا واسم عروس.
ريم شهقت وهي ترى عشرات الأسماء.
قال سامح
كل عروسة كانت تدخل البيت، كانت حماتها تاخد دهبها بحجة إنه أمانة. بعدها، لو اعترضت، تبدأ الضغوط لحد ما تتنازل أو تمشي وهي مكسورة.
الضابط قلب الصفحات، ثم توقف عند اسم مألوف.
رفع رأسه وسأل
يعني الموضوع استمر كل السنين دي؟
هز سامح رأسه وقال
وأكتر مما تتخيل.
التفت أحمد إلى أمه، وكانت عيناه مليئتين بالصدمة.
قال
ليه؟ كان ناقصك إيه؟
انفجرت أمه في البكاء، ثم قالت لأول مرة
أنا بدأت مرة واحدة... بعدين خوفت الناس تفتكر إني ضعيفة. وكل مرة كنت بقول دي آخر مرة... لحد ما بقيت مش عارفة أوقف.
ساد صمت ثقيل.
ريم لم تشعر بالانتصار، بل شعرت بالحزن على كل فتاة مرت بالتجربة نفسها.
وقفت وقالت
أنا مش عايزة أنتقم. أنا عايزة كل واحدة اتظلمت تعرف إن حقها ما ضاعش.
نظر إليها الضابط باحترام وقال
وده اللي هيحصل.
وفي تلك اللحظة، خرج عدد من السيدات اللاتي كن ينتظرن خارج القسم، بعدما عرفن بما يحدث. بعضهن كن يحملن صورًا قديمة، وأخريات يحملن أوراقًا وإيصالات.
كانت كل واحدة منهن تحمل قصة تشبه قصة ريم.
وأدرك الجميع أن القضية لم تعد قضية عروس وذهب...
بل تحولت إلى سلسلة طويلة من الوقائع التي ظلت مخفية لسنوات، وأن التحقيق الحقيقي بدأ الآن، وما زالت أسرار كثيرة تنتظر أن تُكشف بعد شهور من التحقيقات والجلسات، ظهرت الحقيقة كاملة.
اعترفت حمات أحمد بكل ما فعلته، بعدما واجهتها النيابة
بالتسجيلات، والشهادات، والدفاتر، وأقوال السيدات اللاتي تعرضن لنفس الأسلوب.
صدر الحكم بإلزامها برد جميع المشغولات الذهبية أو قيمتها، مع العقوبات القانونية المترتبة على ما ثبت في التحقيقات.
أما السيدات اللاتي ظلمن لسنوات، فقد عاد إليهن جزء من حقوقهن، والأهم أن أسماءهن بُرئت بعد أن عاش بعضهن سنوات وهن متهمات ظلمًا.
أحمد كان أكثر شخص تبدلت حياته.
باع جزءًا من أملاكه، وسدد الحقوق التي كانت في ذمته، ووقف أمام ريم مرة أخيرة.
قال وعيناه مليئتان بالندم
أنا خسرتك يوم اخترت أصدق غيري من غير ما أسمعك.
ابتسمت ريم بهدوء وقالت
الزواج ثقة... ولما الثقة تموت، الحب وحده ما يكفيش.
ثم وقّعت أوراق الطلاق، وغادرت المحكمة مرفوعة الرأس، دون أن تلتفت خلفها.
رجعت إلى بيت أبيها.
استقبلها وهو يبتسم، وقال
فاكرة لما قلتلك إن الكرامة أغلى من أي راجل؟
ابتسمت وهي تحتضنه وقالت
دلوقتي فهمت الدرس يا بابا.
استخدمت البطاقة البنكية التي أهداها لها والدها لتبدأ مشروعًا صغيرًا باسمها. ومع الأيام كبر المشروع، وأصبحت توظف فتيات مررن بظروف مشابهة، وكانت تقول لكل واحدة منهن
اللي يكسرك مرة... متديهوش فرصة يكسرك مرتين.
أما أحمد، فظل سنوات يحاول إصلاح ما أفسدته ثقته العمياء، لكنه أدرك أن بعض الأخطاء لا يُصلحها الندم، بل التعلّم منها.
وفي آخر مشهد...
وقفت ريم أمام باب شركتها الجديدة، ورفعت رأسها نحو السماء، ثم أخرجت من حقيبتها الورقة القديمة التي تركها لها والدها ليلة زفافها.
قرأت كلماتها للمرة الأخيرة
لو لقيتي احترام، اصرفيه على بيتك... ولو لقيتي ذل، اصرفيه
على نفسك.
ابتسمت، وطوت الورقة بعناية، وقالت
الحمد لله... اخترت نفسي، وما خسرتش غير اللي ما كانش يستحقني.
تمت.

 

تم نسخ الرابط